هل تريد واشنطن وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان؟

منذ الإعلان عن مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية، برز لبنان بوصفه الساحة المركزية لاختبار جدية التحول الذي تتحدث عنه الولايات المتحدة. حيث نص البند على “إنهاء العمليات العسكرية على مختلف الجبهات”، بما فيها لبنان، فيما صدرت عن مسؤولين أميركيين، من دونالد ترامب إلى نائبه جي دي فانس، تصريحات غير مألوفة انتقدت الأداء الإسرائيلي وحذرت من استمرار الحرب. لكن هل تريد واشنطن فعلاً التهدئة الشاملة؟ ووقف الحرب الإسرائيلية على لبنان؟

دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة على إطلاق مواقف عديدة تدعو فيها إلى “ضبط النفس ووقف الحرب وتجنب قتل المدنيين”، في خطابات موجهة للطرف الإسرائيلي عقب موجات تصعيد مختلفة. فيما كانت الوقائع الميدانية تسير في اتجاه معاكس. ولذلك فإن الحكم على الموقف الأميركي الحالي لا يمكن أن يستند إلى التصريحات وحدها، وإلى ما تظهره أميركا بل إلى قراءة المصالح والسياسات والأدوات التي تستخدمها واشنطن أو تمتنع عن استخدامها. ويمكن هنا تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

السيناريو الأول أن تكون واشنطن راغبة فعلاً في إنهاء الحرب. وهذا الاحتمال يستند إلى متغيرات واضحة فرضتها الحرب الأخيرة مع إيران. فالإدارة الأميركية اكتشفت أن أي انفجار إقليمي واسع يهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة ويضع المصالح الأميركية نفسها في دائرة الخطر. كما أن فتح مضيق هرمز واستقرار تدفق النفط والتجارة العالمية باتا أولوية تتقدم على كثير من الحسابات الأخرى. من هذا المنطلق، قد تكون واشنطن مقتنعة بأن استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان يهدد التفاهم مع إيران ويقوض الاستقرار الذي تسعى إليه.

أما السيناريو الثاني، فهو أن الولايات المتحدة لا تريد وقف الحرب بالكامل، بل تريد فقط إبقاءها ضمن حدود معينة. أي أنها لا ترغب في حرب شاملة تجر المنطقة إلى مواجهة واسعة، لكنها في الوقت نفسه لا تمانع استمرار الضغوط العسكرية الإسرائيلية على لبنان طالما أنها تبقى تحت سقف يمكن التحكم به. في هذه الحالة تصبح الدعوات الأميركية إلى التهدئة محاولة لضبط مستوى التصعيد لا لإنهائه. وهذا السيناريو ينسجم مع تاريخ طويل من السياسات الأميركية التي سعت إلى إدارة الأزمات لا حلها.

أما السيناريو الثالث، يقوم على فرضية أن الخطاب الأميركي حول وقف الحرب يخدم بالدرجة الأولى أهدافاً سياسية ودبلوماسية، فيما لا تبذل واشنطن جهداً حقيقياً لفرض هذا المسار على “إسرائيل”. وإن كان هذا ما تقوم به أميركا، فهدفها حماية التفاهمات الإقليمية الجديدة من خلاله ولو مؤقتاً، فيما تبقى “إسرائيل” محتفظة بهامش واسع من حرية الحركة يخدم في نهاية المطاف مصالح مشتركة بين الطرفين.

هذا الاحتمال تدعمه سوابق عديدة. فمنذ حرب لبنان عام 1982 وإعلان إدارة رونالد ريغان مراراً دعمها لوقف إطلاق النار لحماية المدنيين في لبنان. كررت الإدارات الأميركية خطاباً يدعو إلى التهدئة، وظهرت وكأنها تضغط على “إسرائيل”، والأخيرة لا تستجيب. بينما استمرت في توفير الدعم السياسي والعسكري الذي سمح للكيان بمواصلة سياساته.

في ملف الاستيطان في الضفة الغربية مثلاً، عارضت إدارات أميركية متعاقبة التوسع الاستيطاني علناً، واعتبرت بعض الأوساط من كلا الطرفين الجمهوري والديمقراطي أن “الاستيطان عقبة أمام السلام” وانتقدته علناً. لكن الاستيطان واصل توسعه على الأرض ولم يتوقف عند “الإنذارات” الأميركية. وفي الحرب على غزة عام 2014 انتقدت إدارة أوباما علناً سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، لكنها استمرت في تزويد “إسرائيل” بالدعم العسكري خلال الحرب. كذلك في حرب غزة بعد 7 أكتوبر 2023 في ظل إدارة بايدن التي ظلت تنادي “بإدخال المساعدات” إلا أن أياً منها لم يتحقق. لذلك فإن مجرد إعلان واشنطن الآن رغبتها في وقف الحرب لا يشكل دليلاً كافياً على أنها مستعدة لاستخدام نفوذها الكامل لتحقيق هذا الهدف.

والواقع أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط كبيرة لو أرادت استخدامها. فهي المزود الرئيسي للسلاح، وصاحبة النفوذ السياسي الأكبر على الكيان، والقادرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى التزامات عملية إذا أرادت ذلك.

لكن واشنطن قد ترى في استمرار الضغط الإسرائيلي وسيلة لإبقاء أعداءها الإقليميين بما فيهم إيران تحت الاستنزاف، واستخدام “إسرائيل” في إنجاز هذا الهدف دون الانخراط المباشر في الحرب.

ولكن إذا كانت الولايات المتحدة جادة في حماية الاتفاق الذي قد تتوصل إليه مع إيران، فإن ذلك يقتضي ترجمة تصريحاتها إلى ضغوط فعلية تمنع “إسرائيل” من تقويض المسار السياسي الذي تسعى إليه. أما الاكتفاء بخطاب التهدئة مع الإبقاء على هامش واسع من حرية الحركة الإسرائيلية، فقد يحقق لواشنطن بعض المكاسب التكتيكية الآنية، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر أكبر بكثير. فاستمرار الحرب في لبنان أو توسعها لن يُنظر إليه في طهران بوصفه سلوكاً إسرائيلياً منفصلاً عن الولايات المتحدة، بل باعتباره دليلاً على عجز واشنطن أو عدم رغبتها في تنفيذ ما تعهدت به. وعندها لن يكون الخطر محصوراً بانهيار الاتفاق على الجبهة اللبنانية، بل قد تفتح المواجهة مع إيران من جديد، ويعاد إغلاق مضيق هرمز. وترجع المنطقة إلى دوامة الحرب.

الكاتب: زهراء نعيم

 

قد يعجبك ايضا