هل سقط شعار «حماية الأمن القومي العربي».. وتحوّل العدو الإسرائيلي من تهديد إلى شريك؟

صادق البهكلي

على مدى عقود، رفعت الأنظمة العربية شعارات كبرى من قبيل تحرير فلسطين من النهر إلى البحر ومقاطعة العدو الإسرائيلي، باعتبارها ثوابت قومية لا تقبل المساومة. غير أنّ هذه الشعارات تآكلت تدريجيًا، حتى شهدنا خلال العقد الأخير تحوّل بعض الدول العربية من موقع العداء المعلن إلى موقع الشراكة العلنية مع العدو ذاته، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، في انقلاب واضح على الخطاب القومي التقليدي.

وفي هذا السياق، رفعت بعض الدول العربية منذ مارس 2015 شعارات “الأمن القومي”  و«الخطر الوجودي» لتبرير العدوان على اليمن، فقد وصف وزير الخارجية السعودي الأسبق عادل الجبير التدخل العسكري بأنه «حرب ضرورة لا خيار»، واعتبرت الرياض أن أمنها القومي «خط أحمر» لا يجوز الاقتراب منه. غير أن هذه اللغة المتشددة نفسها اختفت كليًا عندما أقدم العدو الإسرائيلي على اجتياح أكثر من 460 كيلومترًا مربعًا من الأراضي السورية، وتدمير ما يقارب 80% من قدراتها العسكرية، وكذلك إبادة سكان غزة وتجريف المدينة بالكامل والاعتداء على لبنان وعلى اليمن فضلًا عن إعلانها الاعتراف العلني بإقليم صوماليلاند الانفصالي، في خطوة تهدد بشكل مباشر السيادة العربية على أهم المنافذ والممرات البحرية الاستراتيجية.

وتكمن المفارقة الصارخة في أن التهديد الحقيقي للأمن القومي العربي، المتمثل في التوسع الإسرائيلي وترسيخ الهيمنة الصهيونية على المنطقة، قوبل بردود فعل شكلية وبيانات إدانة خجولة، في حين جرى تحويل اليمن إلى ساحة حرب مدمّرة، أسفرت عن تدمير أكثر مؤسساته وبنيته التحتية وحاصروه من البر والبحر، واستشهد آلاف من اليمنيين معظمهم ضحايا الأوبئة والحصار، وتسببوا بكارثة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم.

العدوان الإسرائيلي بين وضوح الجريمة وغياب الموقف العربي والإسلامي

ما يجري اليوم في واقع أمتنا ليس مجرد تطورات عابرة أو أحداث منفصلة، بل مسارٌ متكامل من العدوان المكشوف يقابله صمتٌ رسمي وجمودٌ جماعي، يكشف عمق الأزمة في الموقف والوعي والمسؤولية تجاه ما تتعرض له الأمة من استهدافٍ مباشر فممارسات العدو الإسرائيلي في فلسطين باتت حدثاً يومياً مكشوفاً، يراها العالم بالصوت والصورة، ويتابعها كل من يراقب المشهد الإقليمي، السيناريو ذاته تكرّر في لبنان، حيث نُفِّذت الاعتداءات على مرأى ومسمع الجميع، ولا تزال الخروقات والاعتداءات مستمرة دون رادع. ثم انتقل المشهد إلى سوريا، بحجمٍ غير مسبوق من العدوان، شمل اجتياحاً واحتلالاً مباشراً، وتدميراً واسعاً للمقدرات العسكرية السورية، نُفِّذ بسرعة لافتة وبقدرٍ عالٍ من الوقاحة والاطمئنان تلى ذلك اعتداءات متكررة على اليمن من قصف الموانئ ومؤسسات يمنية خدمية كالكهرباء ومصانع الاسمنت وخزانات النفط وغيرها..

اللافت في هذا السياق ليس فقط حجم الاعتداءات، بل الغياب شبه الكامل للعناوين التي كثيراً ما تُستدعى في أزمات أخرى. لم يظهر ما يُسمّى بـ«الضمير الإنساني»، ذلك العنوان الذي يتحرك بقوة حين تكون المسألة صراعاً داخلياً أو فتنة بين أبناء الأمة الواحدة. كما غاب خطاب «الوقوف في وجه الظلم»، وتوارت مفاهيم «المسؤولية الدينية والجهاد في سبيل الله»، ولم نسمع شيئاً عن «العروبة» أو «الأمن القومي العربي» أو «الحضن العربي». كل هذه الشعارات سقطت دفعة واحدة أمام اختبار العدوان الإسرائيلي المباشر.

الواقع الذي يفرض نفسه هو واقع الصمت والجمود وغياب الموقف. لا تحرك فعلياً، ولا ردود أفعال ترتقي إلى مستوى الحدث، وكأن ما يجري لا يمسّ الأمن الجماعي للأمة ولا يهدد حاضرها ومستقبلها. وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا تتلاشى هذه العناوين كلها عندما يكون المعتدي هو العدو الإسرائيلي، الذي يشكّل خطراً حقيقياً وشاملاً على الأمة بمختلف أطيافها ومذاهبها واتجاهاتها، ويستهدفها ككيانٍ جامع لا كأطراف متفرقة؟

إن سلوك العدو تجاه أبناء هذه الأمة سوى من خلال العدوان المتكرر على الدول الرافضة للتطبيع معه أو من خلال محاولاته دعم التفتيت والتقسيم واحتضان الكيانات الانفصالية ودعمها يؤكد أن جوهر الصراع يتعلق بمشروع عدواني يستهدف المنطقة بأكملها، ويستثمر في الانقسام والصمت العربي والإسلامي لفرض وقائع جديدة بالقوة.

حين استُنفر “الأمن القومي العربي” ضد اليمن.. وخرس أمام غزة وسوريا ولبنان

بعد أن نجح الشعب اليمني في إسقاط نظام الوصاية والفساد والارتهان في 21 سبتمبر 2014م، وبدأ مساراً وطنياً مستقلاً عبر حوار وطني شامل برعاية الأمم المتحدة، بهدف التوافق على شكل ومضمون الحكم، ومعالجة القضايا الشائكة وفي مقدمتها القضية الجنوبية وقضية صعدة، حاولت الولايات المتحدة والسعودية إعادة فرض الهيمنة على القرار اليمني من بوابة الحوار، عبر مشاريع التقسيم وفرض صيغة الأقاليم. وحين اصطدمت هذه المحاولات برفضٍ شعبي واسع، ويئست من تمرير أجندتها سياسياً، انتقلت إلى الخيار العسكري، وأطلقت عدواناً شاملاً على اليمن، في واحدة من أوضح حالات الانقلاب على المسار السياسي تحت ذرائع زائفة.

ففي 26 مارس 2015، تم الإعلان من واشنطن عبر السفير السعودي عن انطلاق عدوان عسكري على اليمن تحت اسم “عاصفة الحزم” يضم أمريكا و السعودية والإمارات والبحرين والكويت ومصر والأردن والسودان والمغرب في عدوان عسكري واسع  ضد اليمن. على قائمة أهداف العدوان ومبرراته التي أعلنوها ” حماية الأمن القومي العربي ” من التهديدات الإيرانية المزعومة..

ويزداد التناقض وضوحاً عند تفحّص ممارسات أطراف التحالف نفسها؛ ففي الوقت الذي اتُّخذ فيه “الخطر الإيراني” ذريعة مركزية لتبرير العدوان على اليمن، كانت الإمارات توسّع علاقاتها التجارية والاقتصادية مع إيران إلى مستويات كبرى، فيما شهدت العلاقات السعودية-الإيرانية لاحقاً لقاءات واسعة ومتكررة تُوِّجت بتفاهمات واتفاقيات معلنة. هذا الواقع كشف أن الذرائع المرفوعة لم تكن سوى غطاء سياسي، بينما انحرفت الأهداف الفعلية للتحالف نحو تفكيك اليمن ومحاولة فرض وقائع تقسيمية بالقوة. ومع تطور الأحداث، تهاوت تلك المبررات أكثر، وبرز تضارب المصالح داخل التحالف ذاته، إلى حدّ الانفجار العلني. فبحلول ديسمبر 2025 تصاعد الخلاف بين السعودية والإمارات بشكل غير مسبوق، حيث وجّهت الرياض اتهامات مباشرة لأبوظبي بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، واعتبرته “تهديداً بالغ الخطورة للأمن القومي السعودي”. ولم يقف الأمر عند حدود التصريحات، بل بلغ حدّ تنفيذ التحالف ضربة جوية على ميناء المكلا عقب رصد سفن إماراتية تقوم بتفريغ أسلحة لدعم القوى الانفصالية دون تنسيق أو إذن، في مشهد عكس بوضوح انهيار سردية التحالف وتفكك أجنداته من الداخل.

وبينما خفّت وتيرة الحرب على اليمن بعد ثماني سنوات من العدوان دمرت خلالها مؤسسات اليمن وبنيته التحتية تسببت في اشتشهاد مئات الآلاف من أبناء الشعب اليمني نتيجة القصف والحصار والتجويع ونشر الأمراض والأوبئة، وفي الوقت نفسه الذي ما تزال فيه القوات السعودية والإماراتية على الأراضي اليمنية، كان العدو الإسرائيلي يشنّ حرب إبادة مفتوحة على غزة، دمّر خلالها المدينة بشكل شبه كامل، وقتل أكثر من مئة ألف فلسطيني، وشرّد قرابة مليوني إنسان من أبناء هذه الأمة، بالتوازي مع عدوانه المتكرر على لبنان، ثم اجتياحه الأخير للأراضي السورية .

ومع ذلك، لم يصدر عن الدول نفسها التي تحالفت ضد اليمن بيانٌ واحد يرقى إلى مستوى الإدانة أو حتى الشجب للجرائم الصهيونية، بل على العكس، أغلقت المعابر وسخّرت وسائل إعلامها لمهاجمة المقاومة الفلسطينية وتحميلها مسؤولية الإبادة، وباركت العدوان على لبنان، وأظهرت شماتة علنية باستشهاد قادة المقاومة، من يحيى السنوار وإسماعيل هنية، إلى السيد حسن نصر الله، فيما التزمت الصمت إزاء العدوان الإسرائيلي على إيران.

الأكثر خطورة أن بعض هذه الدول ظهرت في موقع الخيانة والانحياز المباشر للعدو، حين تصدّت دفاعاتها الجوية للصواريخ والطائرات المسيّرة اليمنية المتجهة نحو أهداف للعدو الإسرائيلي في الأراضي المحتلة ضمن عملية الفتح الموعود والجهاد المقدس التي أعلنها اليمن إسناداً لأبناء غزة وللشعب الفلسطيني المظلوم، حيث شاركت الدفاعات الأردنية والمصرية والسعودية في اعتراضها قبل وصولها، وكررت السلوك ذاته إبان الرد الإيراني على الاعتداءات الصهيونية.

وفي الوقت الذي كان العدو الإسرائيلي ينفّذ أكبر عملية توسّع عسكري له منذ عقود؛ ففي أواخر 2024 ومطلع 2025، اجتاحت القوات الإسرائيلية مساحات واسعة من الأراضي السورية، ودمّرت نحو 80% من القدرات العسكرية السورية عبر أكثر من 500 غارة جوية، في انتهاك صارخ لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، اختفى نهائيًا مصطلح «الأمن القومي» من بيانات دول التحالف الإجرامي على اليمن ولم يعد أحد يردده ولم نعد نسمع به..

الأخطر أن هذا التوسّع لم يقتصر على الجولان المحتلة، بل امتد إلى مناطق استراتيجية جديدة، بما يمثّل تهديداً مباشراً وحقيقياً للأمن القومي العربي، ذلك الذي رُفع كشعار لتبرير العدوان على اليمن. ومع ذلك، لم يتجاوز الرد العربي الرسمي حدود بيانات خجولة صادرة عن الجامعة العربية، خالية من أي إجراءات عملية، ما كشف بوضوح حجم الازدواجية، وسقوط منظومة المواقف والشعارات أمام اختبار العدوان الصهيوني الحقيقي.

صوماليلاند آخر اختبار لشعار “الأمن القومي العربي”

من أخطر التحديات التي تواجه أمتنا، والذي مرّ دون ضجيج يُذكر في الإعلام العربي، اعتراف العدو الإسرائيلي مؤخرًا بالكيان الانفصالي في الصومال (صوماليلاند). ويُعدّ هذا الاعتراف دليلًا جديدًا على أن هذا العدو لا يحترم أحدًا، حتى الأنظمة العملية المطبّعة معه، والتي لم تكتفِ بالتقارب بل ساهمت في الدفاع عنه، دون أن يكون لها أي وزن أو اعتبار لديه.

هذه الخطوة لا يمكن اختزالها في إطار موقف دبلوماسي عابر، بل تمثل تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا للأمن القومي العربي، لما تحمله من أبعاد خطيرة، أبرزها:

  • منح العدو الإسرائيلي موطئ قدم عسكري عند مدخل باب المندب من الجهة الإفريقية.
  • المساس بالسيادة الصومالية واستهداف دولة عربية عضو في جامعة الدول العربية.
  • تكريس الهيمنة الصهيونية على أحد أهم الممرات المائية العربية.

مع الاعتراف بصوماليلاند، والتوسع في البحر الأحمر عبر تعزيز العلاقات مع إريتريا، والهيمنة العسكرية على سوريا المطلة على المتوسط، تتضح معالم استراتيجية  صهيونية  شاملة: – السيطرة على البحر الأحمر من خلال صوماليلاند وإريتريا – الهيمنة على البحر المتوسط عبر التوسع في سوريا ولبنان – تطويق الوطن العربي من كافة منافذه البحرية الاستراتيجية

هذا التهديد الحقيقي للأمن القومي العربي، الذي يهدد السيادة على الممرات المائية والموارد الاقتصادية، لم يحرك ساكنًا في أروقة الجامعة العربية، ولم يُذكر حتى في خطابات “الأمن القومي” التي تتردد يوميًا في سياق اليمن.

الخلاصة: العدو الإسرائيلي لم يعد يشكل تهديد

لم يعد ممكنًا الحديث عن “أمن قومي عربي” بمعناه التقليدي، فالدول التي رفعت هذا الشعار لتبرير حرب طاحنة على اليمن لعشر سنوات، هي نفسها التي تصمت أمام احتلال العدو الإسرائيلي لسوريا، واعترافها بصوماليلاند، وإبادتها للفلسطينيين في غزة.

الحقيقة المرّة: العدو الإسرائيلي لم يعد “العدو” في الخطاب الرسمي العربي، بل أصبح شريكًا استراتيجيًا في مواجهة  ما يطلقون عليه ” الخطر الإيراني” مع أن إيران وهي ليست عربية قدمت لفلسطين وشعبه ومقاومته ما لم تقدمه كل الدول العربية وضحت بالكثير من خيرة رجالها وهي تحاول منع العدو الإسرائيلي من استباحة الدول العربية لكن الأنظمة العربية الخائفة على سلطتها باتت تشكل أكبر تهديد للشعوب العربية تتحرك بدون ضوابط أو حدود لتنفذ ما يملى عليها من قبل الأمريكي والصهيوني. هذه الأنظمة نفسها هي التي حولت اليمن الذي لم يحتل شبرًا من الأراضي العربية، إلى “تهديد وجودي” استدعى منهم قرابة ربع مليون غارة جوية دمرته وقتلت أهله وما زال يعاني من الحصار المطبق عليه. فيما العدو الصهيوني يسرح ويمرح ويسخر ويستهزئ بهم وهم في نفس الوقت يقدمون له الأموال والنفط والأجواء وحتى الدفاع عنه..

السؤال المؤلم: إذا كان الأمن القومي العربي يسمح بالتطبيع مع العدو الإسرائيلي رغم احتلاله وإبادته، ويبرر الحرب على اليمن لعشر سنوات، فما قيمة هذا  “الأمن” أصلًا؟

الجواب لقد سقط الخطاب، وانكشفت الحقيقة، لم يعد “الأمن القومي العربي” سوى أداة لتبرير أجندات الأنظمة، بينما التهديد الحقيقي – الممثل في الهيمنة الصهيونية المطلقة على المنافذ البحرية والأراضي العربية – يُستقبل بالتطبيع والشراكة، لا بالمقاومة والمواجهة.

 

قد يعجبك ايضا