يوم الولاية.. المنهج الرسالي في مواجهة معادلات الاستباحة والهيمنة

الحقيقة / خاص

في الثامن عشر من ذي الحجة من كل عام، تحيي شعوب إسلامية واسعة ذكرى يوم الغدير، أو ما يُعرف بـ”يوم الولاية”، وهي مناسبة تتجاوز في دلالاتها مجرد الإحياء التراثي، لتمسَّ في جوهرها أسئلة الهوية والتماسك والموقف الحضاري لأمة تواجه تحديات وجودية متصاعدة. وفي هذا السياق، لا تعود مناسبة الغدير مجرد محطة لاستذكار نصٍّ تاريخي، بل يتحول إلى منصة قراءة واعية لواقع الأمة ومستقبلها؛ حيث يُعيد تقديم مفهومالقيادة والولايةليس كترتيب سياسي مضى، وإنما كمنهج صيانة فكرية وأخلاقية يحمي المجتمعات من التبعية والارتهان، ويمنحها عناصر القوة والوحدة والسيادة في زمن التكتلات الكبرى وصراع الهويات.

أولاً: الغدير.. تاريخ لا يمرُّ مرور الكرام

في الثامن عشر من ذي الحجة للسنة العاشرة الهجرية، وعلى ضفاف غدير خُم في منطقة الجحفة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمام جمع غفير تجاوز مئة ألف حاج، عائدين من حجة الوداع، ليُبلِّغ ما أمره الله بتبليغه.

لم يكن ذلك الاجتماع عفوياً، فقد سبقته استعدادات استثنائية: نداء الصلاة جامعة، وإعادة من تقدَّموا، وانتظار المتأخرين، وإعداد منبر من أقتاب الإبل في وقت الظهيرة، وسط حرارة قاسية في منطقة تتّسم بالحرارة الشديدة. كل هذه التفاصيل تحمل في طيّاتها دلالات بالغة على أن ما سيُقال ليس خطاباً عادياً، بل هو بلاغ مصيري يتعلق بمستقبل الأمة الإسلامية بأسرها.

الآية الكريمة التي أوجبت هذا البلاغ كانت صريحة وحادة في آنٍ واحد: “يا أيها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس”، وهي آية لافتة من حيث سياقها؛ إذ نزلت في نهاية مرحلة رسالية اكتملت فيها أركان الإسلام الكبرى، مما يعني أن الأمر المُبلَّغ يمسُّ الجوهر لا الهامش، ويتعلق بكمال الدين لا بتفصيل فرعي.

وفي خطبته الشهيرة، أعلن النبي صلى الله عليه وآله الجملة التي القرار الإسلامي التاريخي : “من كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله”، ليأتي بعدها التتويج الإلهي بنزول الآية الكريمة: “اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً”.

ثانياً: دلالة المناسبة.. ما وراء الاحتفال

الاحتفال بيوم الغدير في المجتمعات الإسلامية التي توارثته جيلاً بعد جيل، لا يمثّل مجرد ممارسة تراثية أو طقس وجداني، بل هو في جوهره فعل ذو أبعاد متعددة ومتشابكة.

البعد الأول هو الفرح بنعمة الله وإظهارها، إذ يستند الاحتفال إلى الأمر القرآني الصريح: “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون”، وإحياء هذا اليوم هو تجسيد لهذا الفرح الإيماني.

البعد الثاني توثيقي تاريخي، إذ يُشكِّل الاحتفال عبر الأجيال وسيلةً لنقل ذلك البلاغ التاريخي العظيم، ومنع طمسه أو تغييبه، فما يتناقله الناس كل عام في هذه المناسبة هو في حقيقته استجابة لوصية النبي ذاتها حين قال: “فليبلّغ الشاهد منكم الغائب”.

البعد الثالث، وهو الأعمق والأشد صلةً بالحاضر، يتعلق بترسيخ مبدأ الولاية بمفهومه الإسلامي الشامل؛ ولاية الله على عباده في شؤون حياتهم كافة، وما يترتب على ذلك من رفض الولاية لأعداء الله وأعداء الأمة.

ثالثاً: الولاية في سورة المائدة.. سياق لا يُقرأ بمعزل

لا يمكن فهم حدث الغدير بمعزل عن سياقه القرآني في سورة المائدة، التي تضمَّنت منظومةً متكاملة من التحذيرات والتوجيهات التي رسمت للأمة الإسلامية خارطة طريق في علاقتها بأعدائها على مدى التاريخ.

آية المائدة الحادية والخمسون تُحذِّر بوضوح لا لبس فيه من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، موضِّحةً أن هذه الموالاة ليست مجرد خطأ سياسي، بل هي انتماء فعلي لمعسكر الأعداء: “ومن يتولَّهم منكم فإنه منهم”، وهو حكم يشمل ثلاثة مستويات: التأييد في الموقف، والتعاون ضد الإسلام والمسلمين، والخضوع لهم والطاعة لأوامرهم.

ثم تأتي آية الخامسة والخمسين لتُقدِّم البديل الإيجابي: “إنما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يُقيمون الصلاة ويُؤتون الزكاة وهم راكعون”، لتُختَتَم هذه المنظومة بوعدٍ إلهي قاطع: “ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون”.

هذا السياق يكشف أن موضوع الولاية ليس ترفاً عقدياً أو جدلاً كلامياً، بل هو الركيزة التي تتحدد على أساسها هوية الأمة وموقعها في الصراع الحضاري الكبير.

رابعاً: خطر الموالاة.. قراءة في ضوء الواقع الراهن

من أهم وأخطر التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية في هذه المرحلة؛ وهو الانزلاق نحو قبول الولاية اليهودية الصهيونية على شعوبها ودولها، سواء كان ذلك الانزلاق واعياً أو غير واعٍ.

وإذا كان القرآن الكريم قد وصف اليهود بأنهم “أشد الناس عداوةً للذين آمنوا”، وأنهم يعضُّون الأنامل من الغيظ، ولا يودُّون للمؤمنين خيراً، فإن الواقع المعاش في قطاع غزة وفلسطين ولبنان يُجسِّد هذه الحقائق القرآنية بصورة تُغني عن كل تفسير.

هناك ثلاثة أشكال من الموالاة التي تقع فيها بعض شرائح الأمة دون أن تُدرك خطورتها: الشكل الأول هو الموالاة الفاعلة، أي التحرك بما يخدم مصالح اليهود أو تأييد مواقفهم. الشكل الثاني هو الموالاة السلبية، أي التقبُّل بسيطرتهم على مقدرات الأمة وإملاءاتهم عليها، واعتبار ذلك أمراً طبيعياً لا مناص منه. الشكل الثالث هو الموالاة المؤسسية، أي خضوع الحكومات والمؤسسات لتوجيهاتهم وقراراتهم في شتى المجالات.

والأخطر في هذا كله، أن حركة النفاق الداخلية في الأمة تُوفِّر لهذا التوجه أرضيةً خصبة، فبعض الفاعلين من داخل الأمة، الذين تعتريهم أمراض القلوب من شك وطمع وخوف وميل، “يُسارعون فيهم” كما وصفتهم الآية القرآنية، يروِّجون للتطبيع والتعاون والخضوع، ويقدِّمون ذلك في عناوين مُزخرفة من السلام والتعايش والانخراط في المجتمع الدولي.

خامساً: مكر الأعداء في نزع القيم عن معركة الأمة

من أبرز الخطط الممنهجة التي يعتمدها العدو في إزاحة الأمة الإسلامية عن موقعها الصحيح في الصراع؛ هو تجريدها من

عناوين القيم الكبرى التي تمنح صراعها معنىً ومشروعيةً وقدسية.

فبينما تسعى الأمة لاسترداد أرضها المحتلة ورفع الاضطهاد عن شعوبها، يعمل الأعداء على حصر خطابها في مطالبات حقوقية وسياسية مجرَّدة، فصلاً لها عن بعدها الإيماني والأخلاقي والحضاري، في حين يستأثرون هم بعناوين الحضارة والنور ومواجهة الإرهاب والظلام، في انقلاب مُعتمَد على الحقائق.

هذا الفصل بين الأمة وقيمها له تداعيات نفسية ومعنوية عميقة، إذ يُشعر الطرف المُجرَّد من قيمه بأنه يخوض نزاعاً عادياً على أرض أو ممتلكات، لا صراعاً وجودياً بين الحق والباطل، مما يُضعف الحالة المعنوية، ويُقلِّل الانتساب الإلهي، ويُضيِّق هامش الحشد والتعبئة.

في المقابل، الأمة التي تنطلق من ولاية الله ومن قيمها الإيمانية تخوض صراعها من موقع أرقى وأعظم؛ موقع حزب الله الذي وُعد بالغلبة، فهي تُقيم العدل في مواجهة الظلم، وتحمل الهدى في مواجهة الضلال، وتدفع الفساد بالإصلاح.

سادساً: العدوان الصهيو أمريكي على أبناء الأمة .. في ضوء منطق الولاية

العدوان الصهيوأمريكي المتكرر على الجمهورية الإسلامية في إيران، و على الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني ليس باعتباره حدثاً معزولاً، بل باعتباره حلقة في سلسلة مترابطة من مساعي فرض الهيمنة الصهيونية الأمريكية على المنطقة.

إيران في هذه المعادلة لا تُمثِّل الخصم العسكري بالنسبة للعدو فحسب، بل تُمثِّل نموذجاً لدولة إسلامية مستقلة رافضة للتبعية، داعمة للقضية الفلسطينية، بانية لنهضتها الحضارية والعلمية، وهذا النموذج بالذات هو ما يرفضه العدو ويسعى إلى تدميره، لأنه يُثبت إمكانية الاستقلال والعزة والمقاومة في وجه الهيمنة.

العدوان استهدف قادةً عسكريين وعلماء في المجال النووي وأبناء المدنيين، فضلاً عن منشآت نووية في خطوة وصفها الخطاب بأنها تكشف عن استهتار مُطلق بالقانون الدولي وبأرواح البشر. وإذا كانت الدول الغربية تتبنى خطاباً حقوقياً عالمياً ظاهره النبيل، فإن انحيازها المُطلق مع العدو الإسرائيلي في عدوانه على دولة ذات سيادة يكشف عن مسافة شاسعة بين الخطاب والممارسة.

وبالتالي هناك خياراً حاسماً أمام دول المنطقة: إما أن تُؤيِّد الرد الإيراني وتُدرك أنه يخدم مصالحها جميعاً في مواجهة عدو يرى في كل دول المنطقة هدفاً محتملاً، وإما أن تُذعن لإملاءات واشنطن في “احتواء الرد الإيراني”، وهو خيار يُعمِّق من معادلة الاستباحة التي تُشكِّل الخطر الأعظم على أمن المنطقة واستقرارها.

سابعاً: معادلة الاستباحة.. الخطر الأشد إلحاحاً

ما تمارسه القوى الاستكبارية من محاولات لتجريد أمتنا من عناصر قوتها سعيا لترسيخ : ” معادلة الاستباحة”، ومحاولة فرضها على دول المنطقة وشعوبها، والتي تقتضي ببساطة أن تكون يد العدو مطلقةً تفعل ما تشاء متى شاءت وكيفما شاءت، دون رادع أو حساب.

القبول بهذه المعادلة هو أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأمة، لأنه يعني في ترجمته العملية التنازل عن الكرامة والعزة والاستقلال والحرية، والانتقال إلى حالة من التبعية الشاملة التي لا تتوقف عند حدود الجغرافيا والسياسة، بل تمتد لتطال الدين والهوية والثقافة والوعي.

يجب أن يكون الموقف المُعلَن صريح وقاطع: رفض معادلة الاستباحة، وتأييد الرد الإيراني، والسعي لمعالجة جرائم الإبادة في غزة ونصرة الشعب الفلسطيني، ودعم المقاومة الإسلامية في لبنان  في إطار مهام يُعتبَر إنجازها واجباً دينياً وأخلاقياً وإنسانياً.

خاتمة: الغدير اليوم.. دلالة تتجدد

في الختام، تتجاوز ثقافة الغدير حدود الذكرى التاريخية العابرة لتكون منهجاً حياً يُجدد العهد ويُرسخ المبادئ الكبرى. إن جوهر الغدير يكمن في تأصيل الحقيقة الأزلية: أن ولاية الله هي المرجعية المطلقة، والسبيل الأوحد لضمان استقامة الأمة وصون مسيرتها.

في زمن تتصاعد فيه الضغوط لدفع الأمة نحو القبول بالتبعية والهيمنة، وتتعرض فيه قيمها لأعتى حملات الاختراق و الاستهداف لإخضاعها وسلب سيادتها، وتتعرض فيه هويتها الفكرية والأخلاقية لأشرس حملات التشويه والمسخ، تتجلى رسالة الغدير اليوم كضرورةٍ وجودية أشد إلحاحاً وأعمق أثراً. إنها لا تمثل انكفاءً على الذات أو خصومةً مجردة، بل هي نداءٌ إلهيا لاستنهاض الوعي، وشحذ البصيرة، والاعتصام بالمنظومة الإلهية التي تشكّل الحصن الحصين والدرع الواقية للأمة في مواجهة تيارات الطغيان، والضلال، والفساد العقائدي والسياسي.

​وإذا كان وعد الله القاطع يزف البشرى بأن «حزب الله هم الغالبون»، فإن هذه الغلبة ليست أمنية تُنال بالرجاء، بل هي ثمرة جهادٍ دؤوب، وعملٍ مخلص ينبثق من الفهم العميق لمضامين ولاية الله ورسوله والإمام علي و أعلام دين الله؛ وما تفرضه ثقافة الولاية على الأحرار من ثباتٍ راسخ، ومواقف مبدئية، وتضحياتٍ جسام على امتداد هذا الطريق الطويل.

قد يعجبك ايضا