1728 أسيراً في أكبر صفقة منذ 2015: اتفاق عمّان بين صنعاء والرياض… بوابة سلام حقيقي أم مناورة لكسب الوقت؟

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ 

في تطور يُوصف بأنه الأضخم منذ بدء العدوان على اليمن في 26 مارس 2015، شهدت العاصمة الأردنية عمّان توقيع اتفاق جديد لتبادل الأسرى بين صنعاء والسعودية، يشمل الإفراج عن نحو 1728 أسيراً ومعتقلاً من الجانبين، بينهم 1100 من طرف صنعاء و580 من الطرف الآخر، إضافة إلى 7 أسرى سعوديين و20 سودانياً.

هذا الاتفاق الإنساني الكبير أعاد ملف الأسرى إلى واجهة المشهد السياسي والإقليمي، وفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل يمثل هذا التحرك السعودي تحولاً استراتيجياً نحو إنهاء العدوان والحصار على اليمن، أم أنه مجرد تكتيك مرحلي لامتصاص الضغوط الدولية والإقليمية، خصوصاً بعد سنوات من المماطلة في تنفيذ استحقاقات السلام؟

أكبر صفقة تبادل منذ بدء العدوان: إنجاز إنساني بعد 14 أسبوعاً من التفاوض

يمثل اتفاق عمّان محطة مفصلية في مسار الملف الإنساني اليمني، إذ جاء بعد 14 أسبوعاً من المفاوضات المكثفة، وتُوّج بالتوقيع على قوائم تبادل واسعة، تعد الأكبر منذ اندلاع العدوان.

وبحسب التصريحات الرسمية من صنعاء، فإن هذا الاتفاق يُعد ثمرة لنهج ثابت اعتمدته القيادة في صنعاء منذ سنوات، والقائم على مبدأ “الكل مقابل الكل”، باعتباره حلاً إنسانياً شاملاً بعيداً عن الانتقائية والمساومات السياسية.

وأكدت صنعاء أنها قدمت التسهيلات الكاملة لإنجاز هذا الملف، بينما ظلت السعودية تمارس سياسة التسويف وربط الملف الإنساني بحسابات سياسية وميدانية، ما أدى إلى تعطيل عشرات المبادرات السابقة، رغم وجود وساطات أممية ودولية.

من هدنة 2022 إلى “اللاحرب واللاسلم”: كيف تحولت التهدئة إلى سراب؟

منذ توقيع الهدنة في عام 2022، توقّع اليمنيون أن تكون تلك الخطوة مدخلاً لإنهاء شامل العدوان، خاصة بعد توقف الغارات الجوية وفتح جزئي لميناء الحديدة ومطار صنعاء.

لكن عملياً، تحولت الهدنة إلى حالة “اللاحرب واللاسلم”، حيث بقيت الملفات الجوهرية عالقة، وفي مقدمتها:

ـ صرف رواتب الموظفين

ـ إنهاء الحصار بشكل كامل

ـ الإفراج الشامل عن الأسرى

ـ انسحاب القوات الأجنبية من المحافظات الجنوبية والشرقية

ـ دفع تعويضات العدوان وإعادة الإعمار

هذا الجمود جعل صنعاء تعتبر أن السعودية استخدمت الهدنة كوسيلة لإدارة الأزمة لا حلها، ومحاولة لتجميد الجبهات دون تقديم استحقاقات السلام الحقيقية.

ملف الأسرى… من الابتزاز السياسي إلى الأولوية الإنسانية

على مدى سنوات العدوان، ظل ملف الأسرى واحداً من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، نظراً لارتباطه المباشر بآلاف الأسر اليمنية التي عاشت مأساة الفقد والانتظار.

ومنذ عام 2017، طرحت صنعاء بتوجيهات من قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ مبادرات متكررة لإغلاق الملف بالكامل، بينها مبادرات أحادية الجانب أطلقت بموجبها المئات من أسرى الطرف الآخر، في خطوة وصفت بأنها إنسانية وأخلاقية.

لكن تعثر التنفيذ لأنه كان مرتبطاً بتعدد الأطراف داخل معسكر تحالف العدوان، وتضارب المصالح بين الرياض وأبوظبي والميلشيات المسلحة المحلية، ما جعل الملف عرضة للابتزاز والمساومة، بدلاً من التعامل معه كقضية إنسانية بحتة.

رسائل صنعاء: السلام أولاً… لكن الصبر الاستراتيجي له حدود

طوال السنوات الماضية، تبنت صنعاء ”الصبر الاستراتيجي”، مفضلة مسار التفاوض رغم امتلاكها أوراق ضغط عسكرية متقدمة.

غير أن الرسائل الأخيرة الموجهة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن حملت لهجة أكثر وضوحاً، إذ أكدت أن استمرار الحصار والمماطلة في تنفيذ خارطة الطريق لم يعد مقبولاً، وأن الخيارات البديلة لا تزال مطروحة.

وتقرأ هذه الرسائل في سياق تصاعد القدرات العسكرية اليمنية، سواء عبر العمليات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب، أو عبر تطوير القدرات الصاروخية، ما يجعل صنعاء ترى نفسها اليوم في موقع قوة إقليمية قادرة على فرض معادلات جديدة إذا استمرت المراوغة.

القراءة الجيوسياسية: لماذا تتحرك السعودية الآن؟

التوقيت يطرح دلالات تتجاوز البعد الإنساني. فالمملكة تواجه بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تشمل:

1ـ تصاعد التوترات في البحر الأحمر.. أي اضطراب في باب المندب أو البحر الأحمر يعني تهديداً مباشراً للتجارة والطاقة العالمية.

2ـ تداعيات المواجهات الإقليمية الكبرى.. والتحولات المرتبطة بالصراع في غزة، والتوتر مع إيران، رفعت كلفة أي تصعيد جديد في اليمن.

3ـ الضغوط الاقتصادية.. أي أن استهداف لمنشآت الطاقة السعودية أو خطوط التصدير قد ينعكس فوراً على الاقتصاد السعودي والأسواق العالمية.

بناءً على ذلك، قد يكون الاتفاق جزءاً من إعادة تموضع سعودي لتجنب سيناريوهات أكثر كلفة، لكنه سيظل اختباراً حقيقياً للنوايا ما لم يتبعه تقدم في الملفات الكبرى.

بين السلام الحقيقي والمناورة السياسية

رغم الترحيب الشعبي الواسع بالاتفاق، فإن التجربة السابقة تجعل كثيرين في اليمن يتعاملون بحذر.

فالاختبار الحقيقي لا يكمن في توقيع صفقة الأسرى فقط، بل في مدى استعداد الرياض للانتقال إلى خطوات أكثر جدية تشمل:

ـ تنفيذ خارطة الطريق كاملة

ـ رفع الحصار نهائياً

ـ معالجة الملف الاقتصادي

ـ إنهاء الوجود العسكري الخارجي

ـ احترام سيادة اليمن

فإذا تم تنفيذ الاتفاق بسلاسة، فقد يشكل نقطة تحول تاريخية نحو تسوية أوسع، أما إذا بقي خطوة معزولة، فقد يُنظر إليه كمناورة سياسية لشراء الوقت.

خاتماً: يمثل اتفاق عمّان لتبادل 1728 أسيراً حدثاً استثنائياً في مسار الحرب اليمنية، ليس فقط لحجمه غير المسبوق، بل لأنه يضع السعودية أمام اختبار سياسي وأخلاقي جديد بعد أكثر من عقد من العدوان والحصار.

وبينما ترى صنعاء في الاتفاق ثمرة لصمودها وضغطها الاستراتيجي، يبقى السؤال المركزي مفتوحاً:

هل بدأت الرياض فعلاً طريق الخروج من العدوان، أم أنها تؤجل الاستحقاق الأكبر؟

الإجابة لن تحددها قوائم الأسرى وحدها، بل ما سيأتي بعدها: سلام شامل.. أو جولة جديدة من المراوحة تحت سقف الأزمة.

قد يعجبك ايضا