انتفاضة القدس شعلة التحرير القادم

 

عادةً ما تعوّل الدول على خوض الغمار الدبلوماسي من أجل حل قضية عالقة بين طرفين، لذلك تكتنز المفاوضات سواء الثنائية منها أو المتعددة أهمية بالغة من أجل تحديد أطر النزاع أو الصراع وكبح جموح الحرب التي تحصد الأرواح. لذلك عرفت الدبلوماسية بأنها استكمال للحرب ولكن بشكل سلمي.

لكن هذه المفاوضات تصلح بين دولتين لديهما كيان سياسي وقانوني واضح، لا بين طرف محتل بالقوة وآخر انتهشت دولته وبات في موقف الضعف والدفاع عن استقلاله وحدوده، وحتى في هذه الحالة فلا بد للطرف المعتدي قبل أي تفاوض أن يوقف استخدامه للقوة والتراجع عن الأراضي المحتلة.

فكيف سيحصل ذلك مع طرف لا كيان له إنما دخل بشكل غير قانوني عبر هجرات متعددة ليحتل أراضي دولة ويقضمها ليبني مشروعه الاستيطاني وكيانه المصطنع عليها، في هذه الحالة فإن المفاوضات غير مقبولة عقلياً لأن هذا الطرف لا يفاوض بأقل من الاعتراف بكيانه وبهذه الأراضي التي احتلها عنوةً، هذه هي حالة القضية الفلسطينية والصراع مع العدو الصهيوني الذي احتل فلسطين ويريد التفاوض على شرعيته أولاً ومن ثم القبول بتوسعه على حساب أصحاب الأرض.

مسار عقيم

تنازلات تلو الأخرى كانت نتيجة المفاوضات الفلسطينية – الصهيونية، منذ بدايتها عام 1988 مروراً بمؤتمر مدريد وصولا إلى فضيحة أوسلو وغيرها من الجلسات التفاوضية الثنائية التي لم تحصد سوى المذلة.

دائمًا ما كان يصر الصهاينة بأن تكون المفاوضات بعيدة عن اية علانية قد تعطي القوة للمفاوض الفلسطيني وترفع من سقف مطالبه وتدفعه إلى التحكم بجدول الأعمال الذي يريده.. اتبع الصهاينة لغة التفاوض بالقوة فيما كان الطرف الضعيف مستعدًا للتنازل فقط، ودائما ما تحكم المفاوض الإسرائيلي بهذا الجدول بدعم أميركي يحقق مطالبه ويقوّض المطالب الفلسطينية.
لم تكن الدبلوماسية المتعددة الأطراف أكثر ايجابية، فكل مسار التفاوض صبّ بمصلحة المعتدي، ولم تأت كل الجلسات التي انبثقت عنها اللجنة الرباعية بجديد لقضية القدس، ولا المؤتمرات الشكلية دعمت حقوق الفلسطينيين، طالما أن الراعي داعمٌ للطرف الأقوى، والتي كان أكبرها مؤتمر أنابوليس عام 2007 من قبل الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، هذا في ظل التنازل العربي الواضح عن فلسطين سواء في القمم العربية أو في المواقف الرسمية.

وعلى مدار التاريخ لم تكن القوانين الدولية تحمي فلسطين من اعتداءات الصهاينة وأطماعهم، ولم تقدم الأمم المتحدة سوى قرارات هي أشبه بالتوصيات، ناهيك عن كذبة التفاوض التي أدت إلى مزيد من التشرذم في المواقف والابتعاد أكثر في أكثر عن روح القضية، لا بل أنها أدت أكثر فأكثر إلى ضياع الحقوق الفلسطينية والتنازلات المذلة لمصلحة الصهاينة، الذين أثبت التاريخ أنهم لا يفهمون إلا لغة القوة والمواجهة الذي كان خيار الشعب الفلسطيني في مقاومة المحتل والانتفاض عليه، ولكن مع ذلك حاولت الطبقة السياسية الحاكمة في فلسطين أن تصادر هذه الانتفاضات وتوقفها عند كل محطة تفاوضية مع الإسرائيلي، وعلى الرغم من محاولة الاستثمار في نتائج انتفاضة الشعب إلا أنها كانت تضعفها من خلال الضغط لايقافها.

الحجر أثمر

كان الحجر والسكين دائماً السلاح الانجح من التفاوض، فلولا الحجر ما حافظ الفلسطينيون على ما تبقى من الأراضي، ولولا روح الثورة ما وصلوا إلى بناء حركات تقاوم المحتل وتتحول صواريخها إلى كابوس عليه. وإذا رجعنا إلى تاريخ القضية لوجدنا أن الانتفاضة دائما ما شكلت الشعلة الموقدة للثورة الفلسطينية الشعبية.. كان احد أهم نماذج ذلك، الانتفاضة الأولى التي اندلعت قبل ثلاثين عاما في 9 ديسمبر 1987، والتي بدأت من خلال “حرب الحجارة” ثم انتشرت كالنار في الهشيم في كافة الأراضي المحتلة.
كان الفلسطينيون الذين يعيشون تحت الاحتلال الاسرائيلي المستمر في حينها، يخضعون منذ اغسطس عام 1985 لسياسة “القبضة الحديدية” التي وضعها وزير الحرب في حينها اسحق رابين في مسعى لقمع أي احتجاجات فلسطينية، ومع أنه أمر بسحق عظام الفلسطينيين، إلا أن هذه الانتفاضة أفهمت الصهاينة أن القضية الفلسطينية لم تمت وأن الشعب مستعد للتضحية من أجلها.
بعدها أتت أحداث 13 سبتمبر 1993، رداً على الاتفاق المذلّ في أوسلو، والذي وقعته “إسرائيل” ومنظمة التحرير، والتي أعقبتها مصافحة تاريخية بين الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين.

وفي غضون ست سنوات استشهد 1258 فلسطينيا برصاص جيش الاحتلال أو المستوطنين وقتل نحو 150 اسرائيليا، أغلبهم في أواخر الانتفاضة بدفع من حركات المقاومة التي أبت التنازل للصهاينة.

ومع مرور الوقت لم يغب وهج الثورة وإن همد بعض الشيء، انها استراحة مقاتل، فكان لانتفاضة 28 سبتمبر 2000 وقعها الخاص في الدفاع عن المقدسات وعدم القبول بتهويد الاقصى، حيث أدت زيارة قام بها أرييل شارون إلى المسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة إلى اندلاع الانتفاضة الثانية.

وأعاد الجيش الاسرائيلي احتلال المدن الفلسطينية الرئيسية ذات الحكم الذاتي في الضفة الغربية، ثم هجوم في مارس 2002، على الضفة الغربية المحتلة منذ حرب عام 1967.  

استراتجية الطعن والنهوض

بعد ما يقارب 15 عاماً أشعلت “انتفاضة السكاكين” التي تعتبر نقلة نوعية في المواجهة الشعبية، منذ بداية أكتوبر 2015، وتميزت بقيام فلسطينيين بعمليات طعن متكررة لعسكريين ومستوطنين صهاينة، فيما حصلت إعدامات ميدانية للفلسطينيين بحجج محاولتهم تنفيذ عمليات طعن.

مع أن الفلسطيني لم يهدأ، إلا أن إعلان ترامب قراره المتهور والاستعلائي، باعتبار القدس عاصمة “اسرائيل”، نزل كالصاعقة، فأشعل الفلسطينيون انتفاضة جديدة، يعتبرونها السبيل الوحيد للوقوف أمام هذا القرار الجائر وعدم التخلي عن القدس والتنازل عن الحقوق الفلسطينية، وبالتالي عدم اعطاء فرصة للكيان الصهيوني لكي يبدأ بتنفيذ هذا القرار، وبالتالي تشكل هذه الانتفاضة المباركة فصلاً جديداً في هذه المواجهة الطويلة، التي يستعد فيها الشعب الفلسطيني لتقديم مزيد من الشهداء من أجل الدفاع عن المقدسات، سيما أن هذا الشعب لمس عدم جدوى التفاوض مع الصهاينة والسكوت على أعمالهم، وعدم قبول التعجرف الأميركي في التعاطي مع قضيتهم.. فالشعب الذي يتظاهر برجاله وأطفاله ونسائه لن يترك قضيته، أما الجيش الذي يقتل رجلاً مقطوع الرجلين تظاهر أمام جنوده فإن مصيره السقوط، وبهذه المعادلة لن تضيع القضية الفلسطينية وستكون انتفاضة القدس شعلة التحرير القادم.

تصنيفات: القضية الفلسطينية

وسوم: ,,,