الإمام زيد بن علي عليه السلام.. البصيرة مسار العزة

شايف دحدح

في كلِّ عام، ومع حلول الذكرى السنوية لاستشهاد الإمام الشهيد زيد بن علي عليه السلام، تستحضر الأمة مشروعًا قرآنيًّا متجددًا، ومدرسةً إيمانيةً جعلت من التضحية سبيلًا لصيانة الدين، ومن البصيرة أساسًا للموقف، ومن العزة ثمرةً للإيمان الصادق.

إنَّ الإمام زيدًا عليه السلام كان امتدادًا لرسالة النبوة، وحلقةً متصلةً في سلسلة الهداية التي أرادها الله للأمة.

فقد نشأ في بيتٍ تربّى على القرآن، ونهل من معين العلم والطهر، فكان يرى أن الدين ليس طقوسًا تُؤدَّى، وإنما مسؤوليةٌ تُحمَل، وأنَّ الإيمان الحق يفرض على صاحبه أن يكون شاهدًا للحق، قائمًا بالقسط، ناصرًا للمظلوم، رافضًا للظلم والانحراف.

لقد أدرك الإمام زيد أن أخطر ما يُهدد الأمة ليس فقدان القوة المادية، وإنما فقدان البصيرة؛ فحين يُصبح الباطل مألوفًا، والظلم مقبولًا، والخوف سياسة، والسكوت حكمة، تكون الأمة قد بدأت تفقد روحها وإن بقيت أجسادها.

من هنا جاءت حركته؛ لا طلبًا لسلطان، ولا رغبةً في جاه، وإنما استجابةً لنداء القرآن، وإحياءً لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجسيدًا لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾.

إن الطريق الذي اختاره الإمام زيد ليس مفروشًا بالسلامة، كان يعلم أن درب المصلحين محفوف بالابتلاء، وأن كلمة الحق لها ثمن. ومع ذلك مضى ثابتًا؛ لأن صاحب الرسالة لا يقيس مواقفه بميزان المكاسب، وإنما بميزان رضا الله.

وحين استشهد الإمام زيد عليه السلام، ظن الطغاة أن السيف أنهى القضية، وأن تمزيق الجسد سيمحو الرسالة، لكن سنن الله كانت أبلغ من حساباتهم؛ فالجسد قد يغيب، أما الفكرة إذا خرجت من قلبٍ مؤمن فلا تموت، والدم إذا أريق في سبيل الله يتحول إلى نورٍ يهدي الأجيال.

وهكذا بقي الإمام زيد حيًا في وجدان الأمة؛ لأن الشهادة في سبيل الله بداية حضورٍ خالد، وليست نهاية، بل .

لقد غاب الجسد، لكن بقي المنهج، وبقيت القيم، وبقيت البصيرة التي تميّز بين الحق والباطل مهما تبدلت الأزمنة وتغيّرت الوجوه.

إنَّ الأمة اليوم، وهي تواجه تحدياتٍ متجددة، أحوج ما تكون إلى استلهام هذه المدرسة القرآنية؛ مدرسة الصدق، والعدل، والثبات، والإصلاح، وتحمل المسؤولية.

فالأسماء قد تتغير، والظروف قد تختلف، لكن المبادئ التي ضحّى من أجلها الإمام زيد عليه السلام تبقى صالحة لكل زمان، لأنها تنطلق من كتاب الله وقيم الإسلام.

وليس الوفاء للإمام زيد في الاقتصار على استذكار سيرته، وإنما في تحويلها إلى وعيٍ وسلوك؛ أن يكون القرآن قائدًا للحياة، وأن يكون العدل ميزانًا للمواقف، وأن تبقى الكرامة قيمةً لا تُساوَم، وأن يظل الإنسان المؤمن منحازًا إلى الحق، صابرًا على تبعاته، مستمسكًا به ولو خالفه الناس.

وفي هذه الذكرى المباركة، تتجدد الدعوة إلى مراجعة الذات، وإحياء روح المسؤولية، وتعميق الارتباط بالقرآن الكريم، واستلهام سيرة الإمام زيد عليه السلام بوصفها مدرسةً في العلم، والإيمان، والإصلاح، والثبات.

سلامٌ على الإمام زيد يوم وُلد، ويوم جاهد في سبيل الله، ويوم استشهد ثابتًا على الحق، ويوم يُبعث مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

وسيبقى اسمه عنوانًا لكل من آمن بأن العزة لا تُنال إلا بطاعة الله، وأن البصيرة هي النور الذي يحفظ الأمة من الضلال، وأن الدم الذي يُراق دفاعًا عن الحق لا يضيع، بل يتحول إلى رسالةٍ خالدة، تُوقظ الضمائر، وتُلهم الأجيال، وتبقى شاهدًا على أن طريق الإصلاح قد يكون شاقًا، لكنه الطريق الذي يورث الكرامة في الدنيا، والرضوان في الآخرة.

قد يعجبك ايضا