مضيق هرمز بعد “استراحة التشييع”.. إيران أمام خيارات تعزيز الردع وحماية السيادة
في ظل تعثر المسارات السياسية واستمرار الضغوط الغربية على إيران، شهدت منطقة الخليج توتراً أمنياً وعسكرياً متصاعداً، تزامناً مع تراجع حركة الملاحة البحرية بفعل المخاوف التي أثارتها السياسات التصعيدية للولايات المتحدة وحلفائها، إضافة إلى تسجيل حوادث تشويش ورسائل لاسلكية مجهولة المصدر استهدفت عدداً من الناقلات التجارية، في مشهد يعكس هشاشة الأمن الإقليمي نتيجة النهج التصادمي الذي تنتهجه القوى المعادية لطهران.
في هذا السياق، تناولت ليلى الشيخلي في فقرة “سياق الحدث” على شاشة الجزيرة ملف الصراع الدولي حول مضيق هرمز، مسلطة الضوء على الضغوط الأمريكية والغربية المتواصلة على إيران، في مقابل تمسك طهران بحقها المشروع في حماية أمن الخليج وصون سيادة الممرات البحرية في مواجهة محاولات تدويلها وعسكرتها.
وكشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في حديث لموقع “أكسيوس” (Axios)، عن تفاهم بين واشنطن وطهران يقضي بتعليق المحادثات لمدة أسبوع حتى انتهاء مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، مع الالتزام بعدم الانزلاق إلى أي مواجهة عسكرية خلال تلك الفترة.
وأقرّ ترمب بدهشته من المشاركة الشعبية الواسعة في مراسم التشييع، معترفًا بأن المشهد خالف التقديرات التي روّجت لغياب التأييد الشعبي للقيادة الإيرانية، بعدما ظهرت الحشود المليونية وهي تعبّر عن وفائها لرموز الجمهورية الإسلامية.
وفي تصريحاته، واصل الرئيس الأمريكي استخدام لغة التهديد، زاعمًا أن الإيرانيين يسعون إلى اتفاق، ومطلقًا تصريحات تصعيدية بشأن قدرات بلاده العسكرية، في وقت تؤكد فيه طهران أن أي تفاوض يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل ورفع الضغوط والعقوبات.
وفي المقابل، أكد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن أمن مضيق هرمز مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه، محذرًا من أن أي وجود عسكري أجنبي أو محاولة لفرض ترتيبات أمنية خارج إرادة دول المنطقة من شأنه أن يهدد الاستقرار الإقليمي ويزيد من احتمالات التصعيد.
وشدد غريب آبادي على أن إيران لن تسمح بتحويل مضيق هرمز إلى منصة لاستعراض القوة من قبل القوى غير الإقليمية، مؤكداً أن أمن الملاحة يتحقق عبر التعاون بين دول المنطقة بعيدًا عن التدخلات الأجنبية.
وعلى الخارطة التفاعلية، استعرضت سلام خضر المسارات البحرية الثلاثة في مضيق هرمز، موضحة أن المسار الشمالي يخضع لرقابة القوات الإيرانية التي تؤمنه ضمن منظومة دفاعية متكاملة، بينما يمثل المسار الجنوبي المقترح من سلطنة عُمان ممرًا إضافيًا، إلى جانب المسار الدولي التاريخي.
وسلط التحليل العسكري الضوء على القدرات البحرية الإيرانية، وفي مقدمتها الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري، التي تشكل أحد أهم عناصر الردع البحري، وتمنح إيران قدرة عالية على مراقبة أي تحركات تهدد أمن المضيق أو سيادة المياه الإقليمية.
وأكدت طهران أن أي محاولات غربية لفرض وقائع عسكرية جديدة أو تنفيذ عمليات بحرية دون تنسيق مع دول المنطقة قد تؤدي إلى تصعيد واسع، وذلك بالتزامن مع إعلان فرنسا وبريطانيا، بدعم ألماني، استعدادها لتشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات تحت ذريعة حماية الملاحة.
وفي قراءته السياسية، رأى الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط محجوب الزويري أن مضيق هرمز يمثل إحدى أهم أوراق القوة الإستراتيجية التي تمتلكها إيران في مواجهة الضغوط الغربية، ويمنحها قدرة مؤثرة على حماية مصالحها الوطنية وانتزاع حقوقها في أي مفاوضات مستقبلية.
وأشار إلى أن إدارة ترمب تواصل سياسة الضغوط الاقتصادية دون تقديم خطوات حقيقية لرفع العقوبات، مكتفية بإجراءات محدودة لا تلبي المطالب الإيرانية، فيما تتمسك طهران بحقها في استخدام أوراقها السياسية والاقتصادية إلى حين تحقيق مكاسب ملموسة، وفي مقدمتها رفع الحظر عن صادراتها النفطية والإفراج عن أموالها المجمدة في الخارج.
يقوم السيناريو الأول على استمرار التوازن القائم، مع بقاء إيران ممسكة بزمام الأمن في الممرات البحرية ضمن معادلة ردع تحول دون فرض أي ترتيبات أحادية من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، وهو السيناريو الأكثر واقعية في ظل تعثر المفاوضات واستمرار الضغوط الغربية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في عودة الملاحة إلى طبيعتها الكاملة بعد التوصل إلى اتفاق سياسي شامل يضمن احترام الحقوق الإيرانية ورفع العقوبات، بما يفتح المجال أمام استقرار دائم في المضيق ويؤمن حرية الملاحة وفق تفاهمات متوازنة تحفظ مصالح جميع الأطراف.
ويتميز الممر الجنوبي الممتد بمحاذاة السواحل العُمانية بخصائص فنية تسمح باستيعاب مختلف أنواع السفن والناقلات، وقد شهد في الفترة الأخيرة نشاطًا متزايدًا نتيجة التوترات التي غذتها السياسات الأمريكية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن لجوء بعض شركات النقل البحري إلى هذا المسار يعكس إجراءات احترازية مرتبطة بالأوضاع الأمنية، في حين تؤكد إيران باستمرار أن استقرار الملاحة في الخليج لا يمكن تحقيقه عبر الحشود العسكرية الأجنبية، وإنما من خلال التعاون الإقليمي واحترام سيادة دول المنطقة، باعتبار أن أمن مضيق هرمز مسؤولية جماعية لا يجوز إخضاعها للإملاءات الخارجية.
إسلام تايمز