اليوم الوطني للصمود في اليمن: أحد عشر عامًا من التحدي والتحول وصناعة القوة
الحقيقة ـ جميل الحاج
في منتصف ليل السادس والعشرين من مارس 2015، دخل اليمن مرحلة مفصلية في تاريخه الحديث، مع بدء العدوان الإمريكي السعودي، شكّلت نقطة تحوّل عميقة في مسار الدولة والشعب اليمني.
لم تكن تلك اللحظة مجرد حدث عسكري عابر، بل بداية لمرحلة طويلة من التحديات المركبة التي طالت مختلف جوانب الحياة، من السياسة والاقتصاد إلى النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية.
ومع حلول الذكرى الحادية عشرة لليوم الوطني للصمود في 26 مارس 2026، من العدوان السعودي الأمريكي يقف اليمنيون أمام تجربة استثنائية أعادت تشكيل وعيهم الجمعي، ورسّخت الصمود كخيار استراتيجي ومسار تاريخي ممتد.
مع الساعات الأولى لانطلاق العدوان السعودي الأمريكي في عام 2015، تكشّف حجم وجرائم العدوان الذي استهدف اليمن أرضاً وإنسانا والبنية التحتية والمقدرات الوطنية، ليرافقه فرض حصار على المنافذ الجوية والبحرية على الشعب اليمني، ما أدى إلى تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة.
ومع ذلك، لم تقتصر هذه المرحلة على مظاهر العدوان السعودي الأمريكي وما الحقه من خسائر بشرية ومادية، بل كشفت في المقابل عن قدرة المجتمع اليمني بقيادته الحكيمة على التماسك وإعادة تنظيم أولوياته في مواجهة واقع معقد.
السنوات الإحدى عشرة الماضية لم تكن مجرد زمن عابر، بل مثلت مرحلة تحول عميق انتقل خلالها اليمن من حالة الصدمة إلى الفعل، ومن موقع التلقي إلى موقع المبادرة.
وقد برز الصمود خلال هذه الفترة كعنصر مركزي في تشكيل المشهد العام، حيث لم يعد مجرد رد فعل على التحديات، بل تحول إلى استراتيجية شاملة لإدارة ما خلفة ما خلفه العدوان وبناء القدرات.
لعب المشروع القرآني دورًا بارزًا خلال سنوات المواجهة، بوصفه إطارًا فكريًا وروحيًا مستند إلى القرآن الكريم أسهم في تعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ قيم الصبر والثبات والتكافل.
كما أن المشروع القرآني ساعد في إعادة تشكيل منظومة القيم في أوساط الشعب اليمني، من خلال التأكيد على مفاهيم الاعتماد على الله، والتمسك بالحق، ورفض الخضوع للضغوط.
وامتد تأثير هذا المشروع إلى مختلف الجوانب، حيث ساهم في تعزيز الهوية الإيمانية والوطنية، وتحويل المعاناة إلى دافع للعمل والبناء، كما أسهم في ترسيخ ثقافة التكافل الاجتماعي، التي تجلت في المبادرات المجتمعية الواسعة لدعم الفئات المتضررة.
شهدت اليمن خلال هذه الفترة تحديات إنسانية كبيرة، تمثلت في تضرر الخدمات الأساسية وتفاقم الأوضاع المعيشية نتيجة الحصار والقيود التي فرضها على حركة التجارة والمنافذ وتدفق السلع الضرورية للشعب اليمني.
ومع ذلك، أظهر المجتمع اليمني بالمشاركة مع الجانب الرسمي قدرة لافتة على التكيف، حيث برزت شبكات دعم محلية ومبادرات تطوعية ساهمت في تخفيف آثار الأزمة.
وقد شكلت هذه المبادرات أحد أبرز تجليات الصمود، حيث تحولت إلى ممارسات يومية تعكس وعيًا جماعيًا قائمًا على التعاون والتراحم، ما ساعد في الحفاظ على تماسك المجتمع رغم الظروف الصعبة.
تعرض الاقتصاد اليمني لضغوط كبيرة نتيجة تعطل الأنشطة الإنتاجية وفرض قيود على حركة الاستيراد والتصدير، ونقل البنك المركزي اليمني إلى عدن ما أدى إلى تفاقم التحديات المعيشية، غير أن هذه الظروف دفعت نحو البحث عن بدائل، حيث برزت توجهات لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.
وقد انعكس ذلك في مبادرات مجتمعية هدفت إلى تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي، ما يشير إلى تحول تدريجي في بنية الاقتصاد نحو نماذج أكثر قدرة على الصمود، كما عملت نعاء على الحفاظ على سعر صرف العملة مقابل الدولار وفرض استقرار في أسعار المواد الاستهلاكية للمواطن.
هذا ولم تقتصر المواجهة على الجانب العسكري، بل امتدت إلى المجال الإعلامي والثقافي، حيث برزت معركة الوعي كأحد أهم ميادين الصراع، وقد لعب الإعلام دورًا مهمًا في نقل الواقع وتعزيز الثقة، مقابل حملات إعلامية مضادة للتظليل والنشوية ونشر الشائعات سعيا منها إلى التأثير على الرأي العام في أوساط الشعب.
وفي هذا السياق، أسهم الخطاب الثقافي المستند إلى المرجعية الفكرية في تحصين المجتمع، وتعزيز إدراكه لطبيعة المرحلة، ما ساعد في الحفاظ على حالة الاستقرار النفسي والمعنوي.
سياسيًا، أفرزت تجربة الصمود حالة من إعادة ترتيب الأولويات، حيث برزت الحاجة إلى تعزيز استقلالية القرار الوطني والتكيف مع بيئة معقدة من التحديات، وقد أظهرت هذه المرحلة أن الصمود يمكن أن يتحول إلى عنصر فاعل في التأثير، وليس مجرد موقف دفاعي.
كما أسهمت هذه التجربة في فرض معادلات جديدة على المستوى الإقليمي، حيث أصبح اليمن حاضرًا في المشهد العام بوصفه طرفًا فاعلًا قادرًا على التأثير في مجريات الأحداث.
وفي أبريل 2022، بدأت هدنة إنسانية وعسكرية برعاية أممية، تضمنت عددًا من الإجراءات لتخفيف الأزمة، إلا أنها لم تتحول إلى سلام شامل، وظلت التحديات قائمة، في ظل استمرار حالة “اللا حرب واللا سلم” وسط مماطلة سعودية والضغوطات الأمريكية عليها.. وقد أثار هذا الوضع تساؤلات حول مستقبل الحلول السياسية، وإمكانية الوصول إلى تسوية شاملة تنهي معاناة الشعب اليمني.
مع تطورات الأحداث في المنطقة، برز حضور اليمن في قضايا إقليمية، حيث أظهرت المواقف الرسمية والشعبية ارتباطًا وثيقًا بالقضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وقد انعكس ذلك في فعاليات شعبية ومواقف سياسية أكدت على هذا الارتباط، باعتباره جزءًا من رؤية أوسع للصراع في المنطقة.
وفي الذكرى الحادية عشرة لليوم الوطني للصمود، لم تعد هذه المناسبة مجرد محطة زمنية، بل تحولت إلى رمز يعكس تجربة متكاملة من التحدي والتحول، فهي تمثل استحضارًا لمسار طويل من الصمود، وتأكيدًا على قدرة الشعوب على تجاوز الأزمات وبناء القادرات بواقع جديد.
وقد شهدت العاصمة صنعاء فعاليات رسمية وشعبية بهذه المناسبة، أكدت في مجملها على أهمية الاستمرار في مسار الصمود، وتعزيز التماسك الداخلي، والاستعداد لمواجهة التحديات المستقبلية.
تؤكد التجربة اليمنية أن الصمود لم يكن مجرد رد فعل مؤقت، بل تحول إلى خيار استراتيجي قائم على منظومة قيمية وفكرية متكاملة المستلهمة من المشروع القرآني، وقد أسهم هذا الخيار في تحويل التحديات إلى فرص، وتعزيز القدرة على التكيف مع الظروف المعقدة.
ختاما: بعد أحد عشر عامًا من بداية هذه المرحلة، يقف اليمن أمام واقع مختلف عمّا كان عليه في عام 2015م.
فالرغم من استمرار التحديات، أثبتت التجربة أن الإرادة الشعبية، حين تقترن بالوعي القرآني والتخطيط الحكيم، قادرة على إحداث تحولات عميقة في مسار التاريخ.
وتبقى الذكرى السنوية لليوم الوطني للصمود رسالة متجددة بأن الشعوب التي تتمسك بالدين الإسلامي الصحيح وبقيمها وقضيتها قادرة على الصمود، والمضي قدمًا نحو بناء مستقبل أكثر استقرارًا وقوة.