أمريكا: سياسات الهيمنة وأساليب التفكيك القذرة في اليمن

في السنوات الأخيرة، تصاعدت وتيرة السياسات العدوانية الأمريكية تجاه المنطقة العربية بشكل عام واليمن بشكل خاص، حيث تتبنى واشنطن أساليب قذرة وسياسات شريرة ترمي إلى تحقيق أهداف الهيمنة والسيطرة، دون مراعاة لمصالح شعوب المنطقة، بل ويجري استخدام أدوات لا أخلاقية لفرض هذه السياسات مهما كانت الكلفة الإنسانية والسياسية باهظة.

ترتكز السياسة الأمريكية تجاه شعوب أمتنا على منظومة معقدة من الخطط والتدخلات المتشابكة. فبعد أن استطاعت الإدارة الأمريكية إخضاع كثير من الأنظمة العربية وإحكام قبضتها على ثرواتها ومواردها، لم تكتف بذلك، بل لجأت إلى استراتيجيات أعمق وأشد مكراً؛ إذ حرصت على تفتيت الروابط والأواصر الجامعة للشعوب، مثل الدين والقرابة والهوية والتاريخ، من خلال تغذية الانقسامات والتوظيف الانتقائي للهويات الفرعية، الأمر الذي أدى إلى ضعف بنية المجتمعات الاجتماعية والسياسية وجعلها عرضة للاختراق والتمزق.

يتضح هذا جلياً في الحال اليمني؛ فبعد الموقف اليمني المساند لأبناء فلسطين وتدخل أمريكا بكل السبل لكبح جماح الموقف اليمني وصولاً لشن عدوان وغارات عسكرية عدوانية ومع فشلها في تحقيق أهدافها اتجهت لتعويض هذا الفشل بشكل غير مرئي تستهدف الوحدة المجتمعية عبر إذكاء عوامل التفرقة و الفتن الداخلية وإعادة تدوير الجماعات والتنظيمات المتطرفة ومنحها القاب رسمية كما نشهده فيما يسمى درع الوطن الذي تموله وتتبناه السعودية وهذه الفصائل والجماعات التكفيرية هي نسخة مشابهة لما هو موجود في سوريا إذ نجدها تمارس العنف ضد أبناء وطنها ودينها، بينما لا تتردد في إبداء التسامح مع الغرب، ومع أعداء الأمة من اليهود والنصارى في نموذج واضح للهندسة الأمريكية للصراعات الداخلية ضمن الدول. هذا النموذج، لم يكن ليحدث لولا الدعم الإعلامي والمالي الخليجي – السعودي والإماراتي خصوصاً – الذي تحول إلى رافعة لهذه الجماعات، تارة باسم مكافحة التطرف، وتارة ضمن سياق الحرب على الإرهاب، بينما الحقيقة أن هذا الدعم يصب في مصلحة أمريكا، التي تحرص على استمرار الفوضى لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية، وعلى رأسها تصدير الأسلحة وتقوية منظومتها الاستخباراتية في المنطقة.

ولا تتوقف الأساليب الأمريكية عند حدود الدعم العسكري والإعلامي، بل تتعداها إلى توجيه أنظمة الفساد العربية في طريق إضعاف المجتمعات المحلية، وتشجيع الاستهلاك المبالغ فيه للسلاح والمال، وتحويل مصالح الشعوب إلى أوراق ضغط متبادلة، كل ذلك في إطار هندسة شاملة للمشهد السياسي والاجتماعي العربي. وقد كشفت تقارير استخباراتية دولية أن الإدارة الأمريكية – بالتعاون مع حلفائها الإسرائيليين وبمباركة بعض الأنظمة العربية – شاركت في عمليات هندسة الصراعات الداخلية وإعادة إنتاج الجماعات الدينية والمناطقية لخلق دوامة من التصادم المستمر، تسهل عملية السيطرة والاستحواذ وتضمن تدفق الثروات دون عوائق شعبية أو سياسية.

وإلى جانب مسار الممولين والمنفذين للسياسات الأمريكية من أبناء الأمة، هناك مسارات أخرى لا تقل خطورة، يتم فيها توظيف قطاعات كبيرة من أبناء المنطقة لخدمة أجندات خارجية، بشكل مباشر أو غير مباشر من هذه المسارات :

المسار الأول:  هو التبرير والتأييد لما تفعله أمريكا

ويقع في طليعة هذا المسار إعلام كلا النظامين السعودي والإماراتي الذي يبرر باستمرار ما يقوم به أنظمة بلديهما من تفتيت للدول العربية كما يحدث في اليمن والصومال والسودان وليبيا وفي سوريا والتقاربات السياسية الخطيرة مع الكيان الصهيوني على حساب قضايا الأمة ومستقبلها خاصة موقفهم من التطبيع مع العدو الإسرائيلي ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية لصالح الإسرائيلي وكذلك مواقفهم العسكرية والأمنية، وقس عليهم الكثير ممن يدور في فلك السياسة الأمريكية من أنظمة أو جماعات أو أحزاب أو تيارات ممن يواكبون السياسات الأمريكية بالتبريرات والتأييدات للتغرير على أذهان البسطاء  وخداعهم.

المسار الآخر:  هو مسار تثبيط وتخذيل ولوم وانتقاد

 لقد استطاع العدو الأمريكي بخبثه ودهائه أن يزرع له فيروسات معدية داخل جسد هذه الأمة المريض أصلا فأوجد له من أوساط الأمة ومن كل أطيافها ومكوناتها وفئاتها من يقوم بشل حركتها وتخديرها عن القيام بأي عمل يشكل لها حماية من سمومه فكلما غرس خنجره في جسد هذه الأمة ليقوم بتمزيق عضوا منه تحركت تلك الفيروسات لتثبيط وتخذيل بقية الأمة عن إبداء أي مقاومة أو تحرك يعمل على إفشال ما يريد أو يعيق عمله فلا تتحقق منه الأهداف المرجوة وحينما يكون هناك من يتحرك ضد هذه السياسة يشنون عليه وابلاً من اللوم والسخرية والتهميش لعمله وتهوينه والتقليل من شأنه وكل ذلك بهدف تكبيل الأمة وحرمانها من الدفاع عن نفسها واستقلالها وكرامتها،وكل هذا  التوجّه وهذا اللوم والنقد والتجريح والتثبيط والإساءة والاتهامات المترافق مع الهجمات والتحركات الأمريكية إنما يصب في صالح العدو لأن أولئك بعملهم هذا يريدون للأمة أن تبقى مدجنة خانعة ساكنة خاضعة بالكامل للأمريكي والإسرائيلي.

وهذه تعتبر خيانة كبيرة للأمة، وقد سمى الله هذه النوعية من الناس بالمنافقين لأن من ينتمي للإسلام ويؤيد أعداءه، وأعداء أمته في مراميهم الواضحة للسيطرة على هذه الأمة، يسمى في القرآن بالمنافق قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)[النساء 139 ]

ومن المؤسف أن كل هذه المسارات التي يوظف فيها أبناء الأمة يتزامن ظهورها بشكل أوضح من حضور العدو نفسه مع كل عملية يريد تنفيذها فتنشط أكثر وتتحرك أكثر، مع كل ما في المسألة من وضوح بين فمثلا الوجود العسكريالأمريكي في هذه الأمة هو وجود يخدم مؤامراتها الاستعمارية ويثبتها  كما أنه وسيلة قمع بحق هذه الأمة، وتشهد بذلك عمليات الاغتيال المتتالية والمستمرة بحق أبناء الأمة وكوادرها العلمية، وأحرارها، وقادتها، كما هو حاصل في اليمن وسوريا والعراق وإيران ولبنان وغيرها من البلدان وهي بذلك تريد أن ترسخ في الذهنية العالمية أن لها حق في أن تعمل ما تشاء متى تشاء وحيثما تشاء وأن لها الحق في التحكم في قرارات ومصير الشعوب وخاصة شعوب أمتنا الإسلامية وأن لها الحق في نظرها أن تأتي بالجميع، وأن يتحرك معها الجميع لاستهداف هذا الشعب أو ذاك أو هذا المجتمع أو هذه الشخصية أو تلك.

فبين الماكينة الإعلامية الضخمة التي تعمل على تزييف الوعي وتبرير الإجراءات الأجنبية، وبين الجماعات الفكرية والثقافية التي تتبنى مفاهيم غريبة عن القيم الأصلية للمنطقة، تبرز شبكة معقدة من التأثيرات الأمريكية التي تصب في اتجاه واحد: تقويض وحدة الشعوب، وتكريس الهيمنة، وتأبيد الإذلال والتبعية.

الوقائع والشواهد على هذه السياسات متعددة، من الانقسام المجتمعي وتشرذم الولاءات، إلى تفاقم الأزمة الإنسانية بفعل الحصار وتدمير البنية التحتية، وإلى تعاظم أرباح شركات السلاح الأمريكية. شهادات الضحايا المدنيين في اليمن، وتقارير المنظمات الدولية، وبيانات الأمم المتحدة حول المجاعة والأمراض، كلها ترسم صورة قاتمة لسياسات لم تراعِ أدنى حدود الإنسانية، بل تعمدت إذلال الشعب اليمني وتدمير مقومات حياته.

في النهاية، تظل قضية التدخل الأمريكي في اليمن ومجمل سياساتها في المنطقة موضوعاً شديد التعقيد، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع العوامل السياسية والاستراتيجية، ويتعرض الشعب اليمني لأبشع أنواع السياسات الظالمة، بينما تستمر الآلة الأمريكية في ضخ وسائل تأثيرها بلا هوادة، في مشهد يكشف حجم التحديات القادمة والضرورات الملحة لامتلاك أدوات مقاومة وطنية فاعلة قادرة على حماية الهوية وصون السيادة، وفضح ممارسات التحالف الأمريكي-الإسرائيلي والخليجي في المنطقة.

توصيات جوهرية لمواجهة الأساليب الأمريكية القذرة

في ضوء ما سبق عرضه من تحليل وشواهد حول السياسات الأمريكية وأدواتها التخريبية والإقصائية في اليمن والمنطقة، تبرز ضرورة تبني مجموعة من التوصيات الجوهرية، التي من شأنها تعزيز الصمود الوطني وتحصين المجتمعات وحماية المشروع التحرري في مواجهة مخططات الهيمنة والاستغلال. ويمكن تلخيص هذه التوصيات في النقاط التالية:

أولاً: تعزيز الوعي الجمعي بالمخاطر الحقيقية للمشروع الأمريكي، من خلال نشر الحقائق ومواجهة خطاب التزييف الإعلامي، وفضح أهداف ذلك المشروع الذي يسعى لإضعاف المجتمعات وتفكيك نسيجها وضرب وحدتها الوطنية والدينية والثقافية. إن بناء إعلام حر مقاوم ومؤطر بالقيم الوطنية أمرٌ حتمي لكشف زيف الادعاءات وتعرية الأدوات المحلية والإقليمية التي تعمل لخدمة الأجندة الأمريكية.

ثانياً: توحيد الصف الوطني في مواجهة جميع مخططات الاختراق السياسي والاجتماعي والفكري، والابتعاد عن الاصطفافات المذهبية والعرقية والمناطقية التي تزرع بذور الفتنة، والعمل على تقوية الروابط القيمية والتاريخية الجامعة، بما يضمن وحدة الموقف الوطني وفاعلية أدوات المقاومة الشعبية والرسمية.

ثالثاً: تطوير استراتيجية واضحة لمواجهة الجماعات التكفيرية والتنظيمات المنفذة للسياسات الخارجية، من خلال تعزيز الجهود الأمنية التخصصية، والاهتمام بتجفيف منابع الدعم المالي والفكري، وفرض سيادة القانون، مع مواصلة كشف الحقائق حول خلفيات هذه الجماعات وارتباطاتها الوظيفية بالشبكات وأجهزة المخابرات الاقليمية والدولية المعادية.

رابعاً: رفض التطبيع بكل أشكاله مع الاحتلال الإسرائيلي وأدواته، والتصدي لموجة التماهي الإعلامي والثقافي مع خطاب الأعداء، وترسيخ الموقف الشعبي والرسمي الثابت مع القضية الفلسطينية وبقية القضايا المركزية للأمة.

خامساً: تشجيع وتحفيز المبادرات الوطنية والمجتمعية المتنوعة للدفاع عن السيادة وحماية الاستقلال، عبر الاستثمار في بناء الإنسان، واستنهاض المبادرات الذاتية، والدفع بالكفاءات الوطنية إلى مواقع التأثير الفاعل محلياً وإقليمياً، وقطع الطريق أمام روح الإحباط والتثبيط التي تروج لها بعض الأدوات الناطقة باسم أمريكا والعدو الإسرائيلي.

سادساً: التواصل البناء مع كل القوى التحررية المناهضة للهيمنة والمؤمنة بعدالة القضية اليمنية على المستوى الإقليمي والدولي، وفضح الانتهاكات أمام المحافل الحقوقية والبرلمانـية ومنظمات المجتمع المدني العالمية، لتكثيف الضغط على مراكز صُنع القرار في الغرب لتغيير سياساتها الظالمة والتوقف عن دعم العدوان والحصار.

سابعاً: مواصلة التوثيق والرصد بالكلمة والصورة لكل جرائم الحرب والانتهاكات، وإعداد الملفات القانونية والاستراتيجية اللازمة لملاحقة ومساءلة مرتكبي الجرائم، لتأكيد أن العدالة والإنصاف حق للشعب اليمني ولكل الشعوب المتضررة من السياسات الأمريكية وحلفائها.

إن مواجهة المشروع الأمريكي في اليمن والمنطقة تفرض تضافر جميع الجهود الوطنية، والانخراط الجاد في بناء جبهة مقاومة واعية وصلبة، تعيد الاعتبار للهوية والقيم الجامعة، وتمنع استلاب القرار السياسي والثقافي والاقتصادي، وتنتصر لإرادة الشعوب الحرة في التحرر والسيادة والاستقلال.

قد يعجبك ايضا