الإغلاق المزدوج لهرمز وباب المندب: سيناريو يعيد رسم الاقتصاد والنظام الدولي

يواصل النظام السعودي حصاره الجائر على الشعب اليمني منذ نحو اثني عشر عاماً، عبر إغلاق الموانئ والمطارات ونهب الثروات، في عدوان أمعن في معاناة شعبٍ صامدٍ يرفض الخنوع، ولمّا كان الحق في مواجهة العدوان مشروعاً بكل الوسائل المتاحة، فقد أعلنت القوات المسلحة اليمنية، في بيانها الأخير، حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي وفق معادلة “الحصار بالحصار”، مؤكدةً جاهزيتها لكل الخيارات، ومواصلةَ السعي لإنهاء الحصار واستعادة الحقوق.

غير أن هذا التصعيد الإقليمي لا يقع في فراغ استراتيجي، بل يتكامل مع معادلة إقليمية ودولية أشمل، تتعلق بقلب النظام البحري العالمي ذاته، وهذا السيناريو، الذي وصفه بعض الاستراتيجيين بأنه أقرب إلى ملامح حرب عالمية ثالثة، ليس فقط أزمة عبور بحري، بل هو نقطة تحوّل تعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية للعالم بأسره، وتقلب موازين القوى التي استقرت منذ عقود على هيمنة الممرات المائية في خدمة النظام الرأسمالي العالمي.

حين يكون التهديد أقوى من الإغلاق

إن الأسواق المالية وشركات الشحن تتفاعل مع احتمالات الخطر بالسرعة نفسها التي تتفاعل بها مع الوقائع الميدانية، لأن ارتفاع منسوب اللايقين الجيوسياسي ينعكس مباشرةً على تكاليف النقل البحري، وأقساط التأمين، وأسعار الطاقة، وتقديرات المخاطر الاستثمارية، وفي أدبيات العلاقات الدولية المعاصرة، يُوصف هذا التحول بمفهوم “الترابط المسلح”، الذي يصف الكيفية التي يتحول بها الاعتماد المتبادل إلى أداة للتأثير والضغط وإعادة هندسة السلوك السياسي للدول.

ويحتل مضيق باب المندب موقعاً محورياً في هذا السياق، باعتباره البوابة البحرية التي تصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتمثل المدخل الجنوبي لقناة السويس. تشير التقديرات إلى أن ما بين 10% و12% من التجارة البحرية العالمية يعبر هذا الممر الضيق سنوياً، وترتفع النسبة في بعض التقديرات إلى 14%، فيما تمر عبر قناة السويس، التي يغذيها المضيق، ما يناهز 25% إلى 30% من حركة النقل بالحاويات على مستوى العالم. ويعبر المضيق، في الأحوال الاعتيادية، نحو 20 ألف سفينة سنوياً، بمعدل حمولة بلغ 1.6 مليار طن بين عامي 2020 و2023.

لقد برهنت أزمة البحر الأحمر، أواخر عام 2023، أن التحذيرات المتكررة واحتمالات الاستهداف، قبل أن تتجسد، دفعت عدداً كبيراً من شركات الملاحة إلى إعادة توجيه سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، فكان ذلك سبباً في تراجع حركة العبور عبر المضيق إلى أقل من نصف طاقته الاعتيادية.. وكل تحويل لمسار سفينة حاويات حول رأس الرجاء الصالح يضيف ما بين 10 و14 يوماً إلى جدول رحلتها، مسبباً ضغطاً على أزمنة المناولة في الموانئ العالمية، وارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الشحن، التي سجّلت زيادة تراوحت بين 200% و300% خلال اضطرابات البحر الأحمر مطلع عام 2024.

وتزداد قيمة هذه الورقة بحكم ارتباطها بممر يحمل وزناً مضاعفاً في أمن الطاقة. فوفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، ما بين 4.2 و4.8 ملايين برميل من النفط الخام ومشتقاته يعبر باب المندب يومياً، أي ما يقارب 5% من الإنتاج العالمي، فضلاً عن كونه ممراً أساسياً لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطري إلى أوروبا، البالغة نحو 30 مليون طن سنوياً. وتكتسب هذه الورقة زخماً مضاعفاً في ظل إغلاق طهران مضيق هرمز، الذي ينقل نحو 20% من النفط والغاز العالميين، ما دفع جزءاً معتبراً من صادرات الطاقة الخليجية إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب بري سعودي، لتصبح بذلك حركة العبور عبر باب المندب وحده ناقلة لما يقارب 7% من إمدادات الطاقة العالمية حالياً.

ومن الواضح أن غاية هذا السلوك هي ممارسة إكراه استراتيجي يصبو إلى تعديل سلوك الخصم عبر إبقاء احتمالات التصعيد قائمة، مع الحفاظ على مستوى منخفض من الانخراط المباشر في المواجهة. فقد أظهرت أحداث البحر الأحمر أن استهداف حركة أنصار الله بعض السفن، أو التهديد به، يمنح هذا السلوك مصداقية عالية، ويدفع الأسواق إلى التعامل معه كاحتمال دائم يستوجب الاحتياط.

وهكذا، تصبح القدرة على إنتاج الشك في استمرارية التدفقات التجارية شكلاً جديداً من أشكال القوة في النظام الدولي، وأداة من أدوات إدارة الصراع، حيث يظل باب المندب مفتوحاً تحت وطأة تهديد دائم، في منطقة رمادية تفصل بين الأمن والانقطاع، ويتحوّل اللايقين إلى مورد استراتيجي قائم بذاته.

الإغلاق الفعلي – من التهديد إلى الكارثة

يفضي انتقال التهديد من المجال الاحتمالي إلى المجال التنفيذي إلى شكل مختلف من المواجهة. فالهجمات اليمنية التي شهدها البحر الأحمر منذ عام 2023 ضد سفن محددة، أو مضايقة حركة الملاحة فيه، تختلف نوعياً عن سيناريو الإغلاق الكامل للمضيق، وهو السيناريو الذي ارتبط بالتهديدات الإيرانية المباشرة.

وتفرض الطبيعة الجغرافية للمضيق، الذي يتراوح عرضه بين 26 و32 كيلومتراً عند أوسع نقاطه، بينما لا يتجاوز عرض قناتيه الملاحيّتين الفعليتين نطاقاً يمتد من 3 إلى 22 كيلومتراً، تحديات عملياتية معقدة تجعل أي تعطيل شامل للملاحة فيه شديد الكلفة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. وعلى هذا الأساس، يبدو السيناريو الأكثر اتساقاً مع منطق الصراع الحالي هو الإبقاء على باب المندب في منطقة رمادية تفصل بين الأمن والانقطاع. بيد أن السؤال الأكثر إلحاحاً يظل: ماذا لو أُغلق باب المندب إلى جانب مضيق هرمز؟

التداعيات الكارثية للإغلاق المزدوج

صدمة عالمية مركبة

لا شك في أن العدو الأميركي قد جُن جنونه بسبب تحكم إيران في مضيق هرمز، لأنه أهم ممر مائي لنقل الطاقة في العالم؛ إذ تعبره يومياً ناقلات تحمل نحو 20 مليون برميل من النفط، وهو ما يعادل تقريباً 20% من الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال. وعندما يُضاف إلى ذلك شبح إغلاق مضيق باب المندب، فإننا نتجه إلى تعطيل 12% أخرى من عمليات نقل النفط العالمي، إضافة إلى 8% من الشحنات العالمية للغاز الطبيعي المسال.

وبالتالي، فإن إغلاق المضيقين معاً يضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة مزدوجة ومركبة، إذ لا تقتصر الأزمة على صدمة شحن مضافة إلى صدمة طاقة فحسب، بل يفاقم كل منهما أثر الآخر، فيرفعان أسعار الوقود والشحن والتأمين وكلفة التسليم في الوقت نفسه. وهنا تتحول تداعيات الحرب إلى تضخم، واضطراب صناعي، وركود تضخمي.

بذلك؛ نكون إزاء صدمة طاقة عالمية بخروج نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً من الخليج، وإغلاق منافذ عبور الغاز الطبيعي المسال، ما سيؤدي إلى ارتفاع قياسي وتاريخي في أسعار النفط والغاز، وأزمة غذاء وتضخم بسبب عرقلة خطوط إمداد الأسمدة الزراعية العالمية والسلع الاستهلاكية الحيوية، ما يُدخل الدول في مرحلة مزدوجة تجمع بين الركود الاقتصادي والتضخم المفرط.

الآثار الكارثية على الاقتصاد الخليجي

سيكون للإغلاق المزدوج تداعيات عالمية، لكن الصدمة ستتركز جغرافياً في الخليج، حيث تواجه دوله وضعاً يشبه الحصار البحري. فهي دول مصدرة للطاقة، لكنها تعتمد بشدة أيضاً على الواردات في الغذاء والأدوية والسلع الصناعية. ومع تعطل هرمز شرقاً وانسداد باب المندب غرباً، يتعرض نموذجها القائم على التصدير والاستيراد معاً للضغط في وقت واحد.

وقد بدأت المملكة العربية السعودية استخدام باب المندب كنقطة عبور لتصدير النفط السعودي من ميناء ينبع. وبالتالي، فإن إغلاق باب المندب يقطع الطريق على المتنفس السعودي الذي حاولت المملكة من خلاله تعويض خسائرها في هرمز، كما ستعاني الأسواق الأوروبية بصورة مماثلة لمعاناة الأسواق الآسيوية، التي تعتمد أساساً على مضيق هرمز.

الآثار الكارثية على الولايات المتحدة الأميركية

رغم تظاهر أميركا بأنها غير معنية بتداعيات إغلاق مضيق هرمز، ومحاولاتها ابتزاز الصين وأوروبا للتدخل في الأزمة بصفتهما أكبر المتضررين، ومحاولتها ابتزاز دول الخليج لدفع تكاليف الحرب باعتبار أميركا حامية لمصالحها وتتصدى لإنقاذ تجارتها، فإن واقع الحال يقول إن أميركا من أكبر المتضررين، رغم طفرة إنتاج النفط فيها ونهبها نفط فنزويلا. والسبب أن أميركا لا تستطيع عزل اقتصادها عن ارتفاع أسعار الطاقة، لأن النفط يُسعّر في سوق عالمية واحدة تقريباً. وبالتالي، فإن أي ارتفاع في الأسعار العالمية ينعكس مباشرةً على السوق الأميركية.

ففي النهاية؛ شكّلت عقيدة الهيمنة البحرية أول التحركات الإمبراطورية في العقيدة الأميركية، التي خرجت من حدودها لترتقي عرش الهيمنة العالمية على أنقاض الإمبراطورية البريطانية. ويبدو أن هذه الإستراتيجية البحرية هي التي ستقود إلى نهاية الحلم الأميركي، فما كان لإمبراطورية أن تنهار إلا من حيث قامت. فالإغلاق المزدوج لمضيقَي هرمز وباب المندب، مهما تكن درجة احتماله، لم يعد سيناريو هامشياً في حسابات البنتاغون ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لهشاشة النظام العالمي القائم على سلاسل إمداد طويلة ومعقدة، يعتمد أمنها على ممرات مائية يمكن لجهات غير دولية أن تهددها أو تغلقها.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية: أن القوة التي بنت هيمنتها على حرية الملاحة قد تجد نفسها أسيرة لورقة الملاحة ذاتها، في لعبة استراتيجية كشفت، أخيراً، أن التحكم في نقاط الاختناق البحرية ليس حكراً على الإمبراطوريات العظمى، بل هو سلاح من يمتلك الجرأة على استخدامه في اللحظة المناسبة. ولعل الأيام المقبلة وحدها هي التي ستكشف ما إذا كان العالم سيواجه صدمة عابرة أم ولادة جديدة لنظام دولي تغيّرت فيه معادلات القوة إلى الأبد.

د.محمد الأيوبي ـ كاتب صحفي فلسطيني

قد يعجبك ايضا