أبو الشهداء رئيساً لـ«حماس»: صوت غزة وبقيّتها الباقية

يكرّس انتخاب خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي لـ«حماس» استمرار نهج الحركة القائم على التمسك بخيار المقاومة، رغم الضربات القاسية التي تعرّضت لها قيادتها خلال الحرب، في رسالة تؤكد مركزية غزة وثقلها في القرار التنظيمي والسياسي.

إدراج خليل الحية هدفاً أوّل في لائحة الاغتيال. هذا ما ردّت به إسرائيل على انتخاب الرجل رئيساً للمكتب السياسي لحركة «حماس»، خلفاً للقائد الشهيد يحيى السنوار. كان لا بدّ من أن تفضي نتائج معركة «طوفان الأقصى»، وفق عقلية «الكابنيت» الأمني الإسرائيلي، إلى تصدير قيادات تنقلب على مسار الجناح «الراديكالي» الذي يمثّله قائد «حماس» الجديد، أكثر واقعية و«براغماتية» وتفهماً لواقع ما بعد الإبادة التي لم يفضِ الاستثمار الإسرائيلي – الأميركي فيها، حتى اللحظة على الأقلّ، إلى النتائج المرجوّة، في الفهم الإسرائيلي. على أن انتخاب الحية ليس استفتاءً داخلياً على مشروعية قرار «الطوفان» فحسب، بل تأكيد لمشروعية التموضع السياسي الإقليمي للحركة، في وقت ينصبّ فيه الزخم الإعلامي العربي على اعتبار «محور المقاومة» برمّته، سفينة أوشكت على الغرق ومن الفلاح القفز منها.
الانتخابات الداخلية التي أقيمت في ظروف أمنية بالغة الصعوبة، أفضت إلى فوز خليل الحية في مقابِل منافسه خالد مشعل، وهي جاءت استكمالاً للدورة الحالية التي فقدت فيها «حماس» عدداً كبيراً من قيادات الصفّ الأول ومجلس الشورى خلال سنوات الإبادة، كان أبرزهم قائدا المكتب السياسي على التوالي، الشهيدان إسماعيل هنية ويحيى السنوار، ومعظم أعضاء المكتب السياسي في غزة ومجلس الشورى. وفي خلال مدة الفراغ الإداري، بقي الحية رئيساً لـ«حماس» في غزة، ورئيساً لوفدها المفاوض لوقف إطلاق النار في القطاع، وأحد أعضاء المجلس القيادي الذي شُكِّل مؤقتاً من قادة أقاليم المناطق، وضمّ إلى جانبه ومشعل، زاهر جبارين قائد الحركة في الضفة، ونزار عوض الله بصفته أميناً للسرّ، ومحمد درويش رئيس مجلس الشورى.

لم يحتجْ «أبو أسامة» إلى كثير من الترويج الداخلي ليحظى بثقة القاعدة الحزبية المنتخِبة في «حماس». هو، في نظر هذه القاعدة، وليّ الدم والمؤتمن عليه، ومَن قدّم بين يدَي الحركة ومسيرتها المقاوِمة أبناءه الأربعة والعشرات من أقربائه شهداء. ابن حيّ الشجاعية (1960) كان قد انضمّ إلى «حماس» منذ تأسيسها عام 1987. وقبل ذلك، كان من اللبنات الأولى التي أسّست المجمع الإسلامي وجماعة «الإخوان المسلمين» في غزة التي انبثقت منها الحركة. تعرّض لعملية اغتيال استهدفته وقيادات من «حماس» في العاصمة القطرية الدوحة في أيلول/ سبتمبر 2025، ما أدّى إلى مقتل نجله همام، و3 مرافقين آخرين. فقدَ أيضاً نجله الرابع عزام في غارة استهدفته مع ناشط ميداني في «كتائب القسام»، الجناح المسلّح للحركة، بعدما قرّرت إسرائيل استخدام عمليات ملاحقة أبنائه وقتلهم للضغط عليه على طاولة التفاوض. لكن في فهم الحركات الإسلامية، الدم أصدق أنباءً، فيما أكثر ما تحتاجه «حماس» في ظرفها الحساس هذا، مَن يحفظ أمانة التضحيات، لا مَن يستثمر فيها أو في ضعف المقاومة ليؤكد واقعية مساره.

يُنظر إلى انتخاب الحيّة لهذا المنصب، على أنه انعكاس للحيوية التنظيمية داخل «حماس»

ليست محاولة الاغتيال الأخيرة هي الوحيدة التي تعرّض لها الرجل؛ إذ فقدَ في العام 2007 أكثر من 11 فرداً من عائلته، ثمّ تكرّرت محاولة تصفيته في العام 2014، عندما قُصف منزل نجله الأكبر أسامة، ما تسبّب باستشهاد الأخير وزوجته وثلاثة من أطفاله. القريبون من والد الشهداء الأربعة، يتحدّثون عن شخصية صلبة وعنيدة ومتجرّدة من حب السيطرة والتفرّد في القرار. يقول مصدر في «حماس» عَرف الحية عن قرب، إن الرجل الذي رافقه الفقد والمطاردة طوال مسيرة حياته التنظيمية، أصبح يتعامل مع الحياة كرحلة ورسالة وأمانة ثقيلة، في حين لم تُعطه الأعباء التنظيمية فرصة للزهو. «تحوَّل أبو أسامة في خلال الطوفان، وخصوصاً بعد فقد القادة الكبار، إلى الوالد المخلص المضحّي، الذي يشعر بالجميع، ويشعر جميع أبناء الحركة أنهم أولاده، يدينون له بالوفاء والحب والولاء»، يضيف المصدر، متابعاً أن «الواقع الذي خلّفته الإبادة، والعواصف التي تضرب بالحركة التي تتعرّض لعملية اجتثاث، يجعل من اختيار الحية قراراً بالتمسك بالجذور أيّاً كانت التحديات».

في «حماس»، يُنظر إلى «أبو أسامة» على أنه صوت غزة وبقيتها الباقية، والأكثر تقديراً لظروفها. فهو القائد الذي تنقَّل في مناصب قيادية محلّية داخل مدينة غزة، قبل أن يصبح قائداً على مستوى القطاع، ثمّ قيادياً عاماً؛ وهو أيضاً، شخصية قيادية ميدانية أمضى حياته إلى جانب قيادات الجناح العسكري للحركة في غزة، وعلى رأسهم أحمد الجعبري وعز الدين الحداد ومحمد الضيف. كما أنه من الشخصيات القليلة التي توضع في الميزان الحزبي في كفّة يحيى السنوار، وكان واحداً من القيادات التي أوعز إليها الأخير بمغادرة القطاع قبل أشهر من السابع من أكتوبر. على الصعيد الإقليمي، يشار إلى الحية بوصفه واحداً من الذين تبنّوا قرار السنوار الذي سبق «الطوفان»، بتوطيد العلاقة مع مكوّنات «محور المقاومة» كافة، بما فيها النظام السوري السابق. ووفقاً لمصادر «حمساوية»، فقد أسهمت توجهات الحية وصالح العاروري في رفع العلاقة بـ«حزب الله» ومحور المقاومة إلى درجة الحلف الاستراتيجي.
في المحصّلة، يُنظر إلى انتخاب الحيّة لهذا المنصب، على أنه انعكاس للحيوية التنظيمية داخل «حماس»، والتي لا تزال حيّة رغم الضربات التي تعرّضت لها الحركة وحال المطاردة المستمرّة لقياداتها. كما أن الانتخاب يؤكد مركزية ساحة غزة في المعادلة القيادية للحركة، وتمسّك الأخيرة بمحورية القطاع ووزنه الاستراتيجي، سواءً في توازناتها الداخلية أو في التوازنات الوطنية الفلسطينية. كذلك، تؤكد الخطوة الإصرار على استمرار البرنامج ذاته في المواجهة والمقاومة، وفي المقاربات السياسية الداخلية والإقليمية أيضاً، وهو ما من شأنه أن يبعث برسالة تحدٍّ لمحاولات تفكيك غزة وتقويض حضورها المركزي وإنهاء مقاومتها.

يوسف فارس الثلاثاء 21 تموز 2026

قد يعجبك ايضا