معادلة “الحصار بالحصار”.. تحول استراتيجي يمني في إدارة الصراع وكسر رهانات التركيع الجزء 1

ــــ (1ـ 2) ــــــ

صادق البهكلي

المقدمة

عندما يُحاصر شعبٌ لسنوات في سمائه وبحره، وتُغلق أمامه المطارات والموانئ، ويُمنع المرضى من السفر، وتتحول الرحلات المدنية إلى أهداف عسكرية، فإن السؤال الحقيقي لا يعود: لماذا صعّد هذا الشعب؟ بل: إلى متى كان يمكن أن يبقى الحصار بلا ثمن؟

على امتداد سنوات الحرب، ظل الحصار أحد أكثر الأسلحة حضوراً في المشهد اليمني، فقد أُغلقت المنافذ الجوية والبحرية، وتعطلت حركة السفر والتجارة، وأصبح الوصول إلى العلاج أو العودة إلى الوطن رحلة شاقة تخضع لمزاج النظام السعودي الظالم أكثر مما تخضع للاعتبارات الإنسانية، ومع كل محطة جديدة كان يتسع الشعور في صنعاء بأن الحصار لم يعد إجراءً عسكرياً مؤقتاً، بل سياسة دائمة يُراد منها إخضاع اليمن واستنزافه.

غير أن التطور الذي أعاد رسم المشهد بأكمله تمثل في قصف مطار صنعاء الدولي، عقب منع هبوط طائرة مدنية إيرانية كانت تقل وفداً يمنياً إلى جانب جرحى ومرضى، فقد اعتبرت صنعاء هذا العدوان تجاوزاً لآخر ما تبقى من الخطوط، ورسالة مفادها أن حتى المنفذ الجوي الوحيد لليمنيين أصبح هدفاً مشروعاً ضمن معادلة الضغط والحصار.

عند تلك النقطة لم يعد الحديث يدور حول حادثة منفصلة أو رد فعل محدود، بل حول مراجعة شاملة لقواعد الاشتباك التي حكمت الحرب طوال السنوات الماضية، فإذا كان الحصار هو الأداة التي يمارسها النظام السعودي ومن خلفه الأمريكي والصهيوني لمحاولة إجبار اليمن على تقديم التنازلات، فإن صنعاء أعلنت أن هذه الأداة لم تعد حكراً على طرف واحد، وأن استمرار خنق اليمن سيقابله رد مماثل يستهدف المصالح الحيوية للطرف الآخر.

من هنا جاء إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض حظر على الملاحة البحرية المرتبطة بالمملكة العربية السعودية، بوصفه التطبيق العملي لما سمته صنعاء “معادلة الحصار بالحصار؛ وهي معادلة لا تعبر عن تصعيد عسكري فحسب، بل عن تحول إستراتيجي في إدارة الصراع، يقوم على أن كلفة الحصار لن تبقى أحادية الاتجاه، وأن من يغلق المنافذ عليه أن يتوقع وصول آثار الإغلاق إلى منافذه ومصالحه أيضاً.

هذا التقرير يُحاول أن يقدم قراءة متعمقة في منطقية وقانونية الخطوة اليمنية الأخيرة، مستعرضاً المآسي الإنسانية التي خلفها العدوان الأمريكي السعودي على اليمن، وصولاً إلى التحول الاستراتيجي الذي مثله بيان القوات المسلحة اليمنية، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات إقليمية ودولية، في سياقٍ يُفند الرواية السعودية – الأمريكية ويُبرز الحق المشروع للشعب اليمني في الدفاع عن النفس واستعادة سيادته.

أولاً: العدوان السعودي على اليمن: مسار الدمار والمآسي (2015-2026)

في فجر يوم 26 مارس 2015، استيقظ اليمنيون على وقع القصف الجوي الذي طال مختلف المدن والقرى اليمنية، معلنًا بداية ما سُمي بعملية “عاصفة الحزم” التي سرعان ما تحولت إلى “عاصفة الموت والدمار”. شنّ التحالف السعودي الإماراتي، بدعم لوجستي واستخباراتي أمريكي بريطاني، حربًا شاملة على اليمن تحت ذرائع واهية تتعلق بإعادة “الشرعية” المزعومة، متجاهلاً إرادة الشعب اليمني الذي رفض حكومة فاسدة ومرتهنة للخارج.

  • حصاد الدمار.. أرقام ووقائع صادمة

377,000+ شهيد وجريح يمني

4,000,000+ نازح داخلي

24,000,000 محتاج للمساعدات الإنسانية

80% من السكان تحت خط الفقر

على مدار أكثر من ثمان سنوات من العدوان المتواصل، شنّ طيران التحالف السعودي أكثر من 300,000 غارة جوية استهدفت المدن السكنية والبنى التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والأسواق والجسور والطرقات ومحطات المياه والكهرباء والمنشآت الزراعية. لم يكن هذا القصف عشوائيًا، بل كان ممنهجًا ومخططًا بهدف تدمير مقومات الحياة للشعب اليمني وإجباره على الاستسلام والخضوع.

  • جرائم حرب موثقة

وثقت المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية آلاف الجرائم التي ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك:

  • استهداف قاعات الأفراح والعزاء، مما أسفر عن مئات الضحايا من المدنيين
  • قصف مخيمات النازحين والتجمعات السكنية الآمنة
  • استخدام القنابل العنقودية المحرمة دوليًا في المناطق المأهولة بالسكان
  • تدمير المنشآت الصحية والتعليمية بشكل ممنهج
  • استهداف الحافلات المدرسية وقتل الأطفال
  • تدمير البنية التحتية: استراتيجية الإفقار الممنهج

لم يكتفِ العدوان السعودي بقتل المدنيين، بل عمد إلى تدمير كل ما يمكن أن يمثل مقومات حياة كريمة للشعب اليمني. فقد دُمرت المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية، وتوقفت معظم المرافق الطبية عن العمل بسبب نقص الأدوية والمعدات والكوادر الطبية. وانهارت منظومة التعليم حيث تضررت آلاف المدارس والجامعات، وحُرم ملايين الأطفال من حقهم في التعليم.

كما استهدف التحالف البنية التحتية الاقتصادية بشكل ممنهج، فدُمرت المصانع والمنشآت الإنتاجية والموانئ والمطارات ومحطات توليد الكهرباء، مما أدى إلى شلل اقتصادي شبه كامل. وتوقفت رواتب ملايين الموظفين الحكوميين، مما دفع معظم الأسر اليمنية إلى حافة المجاعة. وتحول اليمن، الذي كان يعاني أصلاً من تحديات تنموية، إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم وفقًا للأمم المتحدة.

“لقد استهدف العدوان السعودي كل شيء في اليمن، من الإنسان إلى الحجر، في محاولة يائسة لكسر إرادة شعب أبى إلا أن يكون حرًا مستقلاً سيدًا على قراره”

  • الأبعاد الإقليمية والدولية للعدوان

لا يمكن فهم العدوان السعودي على اليمن بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، فقد جاء هذا العدوان في إطار المشروع الأمريكي الإسرائيلي لإعادة رسم خريطة المنطقة وفرض الهيمنة الكاملة عليها، السعودية، التي تقدم نفسها كقوة إقليمية مستقلة، تعمل في الحقيقة كأداة تنفيذية لهذه المشاريع، وتتلقى الأوامر من واشنطن وتنسق مع تل أبيب.

الدعم الأمريكي والبريطاني للعدوان السعودي لم يقتصر على الدعم السياسي والدبلوماسي، بل شمل توفير الأسلحة المتطورة والطائرات والقنابل، وتقديم الدعم الاستخباراتي والتخطيطي، والمشاركة في عمليات التزود بالوقود الجوي. هذا الدعم جعل من الولايات المتحدة وبريطانيا شريكتين مباشرتين في جرائم الحرب المرتكبة بحق الشعب اليمني.

نقطة محورية: العدوان السعودي على اليمن ليس قرارًا سعوديًا مستقلاً، بل هو جزء من استراتيجية أمريكية إسرائيلية أوسع لإخضاع المنطقة وتصفية محاور المقاومة، والسعودية ليست سوى الواجهة التنفيذية لهذه الاستراتيجية.

ثانياً: الحصار على المطارات والموانئ: خنق شريان الحياة

إذا كان القصف الجوي يمثل الوجه العسكري المباشر للعدوان، فإن الحصار البري والبحري والجوي يمثل الوجه الأكثر قسوة وتأثيرًا على حياة المدنيين اليمنيين. فمنذ اليوم الأول للعدوان، فرض التحالف السعودي حصارًا خانقًا على اليمن، مستهدفًا المطارات والموانئ التي تمثل المنافذ الوحيدة لدخول الغذاء والدواء والوقود إلى بلد يعتمد على الاستيراد بشكل شبه كامل.

  • الآثار الإنسانية والاقتصادية جراء الحصار

إن الآثار الكارثية للحصار السعودي على اليمن تتجاوز بكثير مجرد الأرقام والإحصاءات، فهي لامست حياة كل يمني، وخلفت جروحًا عميقة في جسد الأمة اليمنية، من الطفل الذي يعاني من سوء التغذية، إلى المريض الذي يموت بانتظار فتح المطار، إلى الأسرة التي تعجز عن توفير لقمة العيش، إلى الطالب الذي حُرم من التعليم – الحصار يطال الجميع دون استثناء.

ويُعد إغلاق مطار صنعاء الدولي أمام الرحلات التجارية والإنسانية واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية التي ارتكبها التحالف السعودي بحق الشعب اليمني، فهذا المطار، الذي كان يخدم ملايين اليمنيين في المحافظات الشمالية والوسطى، تحول إلى رمز للحصار والمعاناة، آلاف المرضى اليمنيين الذين كانوا يحتاجون إلى السفر للعلاج في الخارج وجدوا أنفسهم محاصرين، وكثيرون منهم فارقوا الحياة وهم ينتظرون فتح المطار.

وقد انعكس الحصار على المطارات والموانئ اليمنية على الأوضاع الإنسانية للشعب اليمني حيث أدى إلى حرمان مباشر لملايين اليمنيين من حقهم الأساسي في الحياة والعلاج والتنقل. وفقًا للإحصاءات:

  • أكثر من 40,000 مريض يمني توفوا بسبب عدم قدرتهم على السفر للعلاج
  • آلاف الطلاب اليمنيين حُرموا من إكمال دراستهم في الخارج
  • عشرات الآلاف من حجاج بيت الله الحرام مُنعوا من أداء فريضة الحج
  • انقطعت الروابط الأسرية والاجتماعية لمئات الآلاف من اليمنيين
  • أكثر من 20 مليون يمني يفتقرون إلى الرعاية الصحية الأساسية
  • انتشار أكبر وباء كوليرا في التاريخ الحديث بأكثر من 2.5 مليون حالة مشتبهة
  • عودة أمراض كانت شبه مستأصلة مثل الدفتيريا والحصبة وشلل الأطفال
  • نقص حاد في أدوية الأمراض المزمنة كالسرطان والسكري والفشل الكلوي
  • ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والأطفال بشكل مخيف
  • أكثر من 2 مليون طفل يمني يعانون من سوء التغذية الحاد، ومئات الآلاف منهم في وضع حرج يهدد حياتهم. مشاهد الأطفال النحيلين بأجساد هزيلة وبطون منتفخة تملأ المستشفيات ومراكز التغذية. هؤلاء الأطفال، حتى لو نجوا، سيعانون من آثار سوء التغذية مدى الحياة، من تأخر في النمو العقلي والجسدي وضعف في المناعة.

“عندما يتحول الجوع إلى سلاح حرب، ويُستخدم الحصار لتركيع شعب بأكمله، فإننا أمام أبشع صور الهمجية التي تتستر بلباس السياسة”

إلى جانب إغلاق المطار، فرض التحالف الأمريكي السعودي حصارًا خانقًا على الموانئ اليمنية، وعلى رأسها ميناء الحديدة الذي يُعد شريان الحياة الأساسي لليمن، فرغم أن اليمن يستورد أكثر من 90% من احتياجاته الغذائية والدوائية عبر هذا الميناء، إلا أن التحالف السعودي عمد إلى تقييد حركة السفن التجارية، وإخضاعها لإجراءات تفتيش معقدة ومذلة، وإجبارها على الانتظار لأسابيع أو أشهر قبل السماح لها بالدخول.

هذا الحصار البحري أدى إلى نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية، وارتفاع جنوني في الأسعار وصلت إلى 400%، ودفع ملايين اليمنيين إلى حافة المجاعة، وفقًا للأمم المتحدة، فإن أكثر من 17 مليون يمني يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، وأكثر من 2 مليون طفل يعانون من سوء التغذية الحاد. هذه الأرقام المرعبة هي نتيجة مباشرة لسياسة الحصار الممنهجة التي تمارسها السعودية.

“عندما يُستخدم الغذاء والدواء كسلاح حرب، ويُحرم شعب بأكمله من الوصول إلى موانئه ومطاراته، فإننا أمام جريمة إبادة جماعية بطيئة تنفذ أمام أعين العالم”

  • الانهيار الاقتصادي.. شلل شامل

دُمر الاقتصاد اليمني بشكل شبه كامل. توقفت معظم المصانع والمنشآت الإنتاجية، وانهارت قيمة العملة المحلية، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وتوقفت رواتب أكثر من 1.2 مليون موظف حكومي لسنوات طويلة. الحصار على الموانئ وتقييد حركة الاستيراد والتصدير أدى إلى شلل اقتصادي شامل.

  • البطالة: وصلت معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، وملايين اليمنيين فقدوا مصادر دخلهم
  • الفقر: أكثر من 80% من اليمنيين يعيشون تحت خط الفقر، والكثير منهم في فقر مدقع
  • انهيار العملة: فقدت العملة اليمنية أكثر من 70% من قيمتها، مما ضاعف من معاناة المواطنين
  • النزوح: أكثر من 4 ملايين نازح داخلي يعيشون في ظروف إنسانية مأساوية
  • انهيار الخدمات: توقفت معظم الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصرف صحي ونظافة
  • التأثير النفسي والاجتماعي
  • الأبعاد القانونية لحصار المطارات والموانئ

من منظور القانون الدولي، يشكل حصار المطارات والموانئ اليمنية انتهاكًا صارخًا لعدة مبادئ ومعاهدات دولية، أبرزها:

مبدأ السيادة الوطنية: لكل دولة الحق السيادي في استخدام مطاراتها وموانئها دون تدخل خارجي، والحصار السعودي يمثل انتهاكًا فاضحًا لسيادة اليمن.

  • القانون الدولي الإنساني: يحظر القانون الإنساني الدولي استخدام التجويع كأسلوب حرب، ويلزم أطراف النزاع بتسهيل مرور المساعدات الإنسانية.
  • حقوق الإنسان: الحصار يحرم اليمنيين من حقوقهم الأساسية في الحياة والصحة والغذاء والتنقل، وهي حقوق كفلتها المواثيق الدولية.
  • العقاب الجماعي: معاقبة شعب بأكمله بحرمانه من الغذاء والدواء بسبب موقف سياسي هو عقاب جماعي محرم بموجب اتفاقيات جنيف.
  • حقيقة قانونية: الحصار المفروض على المطارات والموانئ اليمنية يشكل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وفقًا للقانون الدولي، وكل من يشارك فيه أو يدعمه يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن معاناة ملايين البشر.

معادلة “الحصار بالحصار” و”المطار بالمطار”: الأسس القانونية والمنطقية

في مواجهة سنوات طويلة من الحصار الظالم والعدوان المستمر، وبعد استنفاد كل السبل السلمية والدبلوماسية لرفع الحصار عن الشعب اليمني، اتخذت القيادة الثورية والسياسية اليمنية الممثلة بالسيد عبد الملك الحوثي الذي دعا الشعب اليمني للخروج المليوني لتأييد عملية فك الحصار عن الموانئ والمطارات تلى ذلك بيان القوات المسلحة اليمنية الذي عبر عن إرادة ملايين من اليمنيين الذين خرجوا في مختلف الساحات والميادين لمطالبة القوات المسلحة وتأييد ومباركة أي قرار يتخذ لرفع الحصار وقد كان قرارًا استراتيجيًا تاريخيًا بفرض معادلة “الحصار بالحصار” و”المطار بالمطار”، وهو قرار ينطلق من أسس قانونية راسخة ومنطق إنساني وأخلاقي لا يقبل الجدل منها:.

  • الأساس القانوني.. حق الدفاع المشروع عن النفس

يكفل القانون الدولي لكل دولة وشعب الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس ضد أي عدوان خارجي. وقد نصت المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة صراحة على أن “ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة”.

  • الأسس القانونية لمعادلة الرد

حق الدفاع المشروع: المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تكفل لليمن الحق في الدفاع عن نفسه بكل الوسائل المتاحة

  • مبدأ المعاملة بالمثل: القانون الدولي يعترف بحق الدولة المعتدى عليها في الرد بالمثل على الاعتداءات
  • مبدأ الضرورة والتناسب: الإجراءات اليمنية جاءت كرد ضروري ومتناسب مع حجم العدوان والحصار المفروض
  • حق السيادة: لليمن الحق السيادي في اتخاذ ما يراه مناسبًا لحماية شعبه ومصالحه الوطنية
  • المشروعية الدفاعية: كل ما تقوم به القوات المسلحة اليمنية يندرج تحت إطار الدفاع المشروع عن الوطن

إن السعودية التي فرضت حصارًا خانقًا على اليمن لأكثر من عقد من الزمن، وحرمت الشعب اليمني من استخدام مطاراته وموانئه، ليس لها أن تتذمر عندما يفرض اليمن معادلة الرد بالمثل. فالقانون الدولي واضح في أن من يبدأ بالعدوان يتحمل تبعات رد الفعل المشروع من الطرف المعتدى عليه.

  • المنطق الاستراتيجي.. تحقيق التوازن الرادع

من منظور استراتيجي، تهدف معادلة “الحصار بالحصار” و”المطار بالمطار” إلى تحقيق توازن رادع يجبر السعودية على إعادة النظر في سياساتها العدوانية. فطالما أن الشعب اليمني وحده من يدفع ثمن الحصار، فلن يكون لدى السعودية دافع حقيقي لرفعه. لكن عندما تبدأ السعودية بتذوق شيء من المرارة التي ذاقها اليمنيون، عندها فقط ستدرك حجم الظلم الذي مارسته وضرورة التوقف عنه.

قال السيد عبد الملك الحوثي: “العدو السعودي جعل مسألة حُرِّيَّة مطاراتنا، موانئنا، دخول بضائعنا كشعبٍ يمني، دخول المواد الغذائية، جعلها قضية يحاربنا عليها، ويعتبر أي شيءٍ منها خارج إذنه وخارج السماح منه أنه استفزاز وغير مقبول.. نحن شعب حرّ لا يمكن أن يقبل بهذه الوضعية وسنقاتل على حريتنا وكرامتنا!!

  • البعد الإنساني.. رفع الظلم عن الشعب

الهدف الأساسي من معادلة الرد ليس الانتقام أو إلحاق الأذى بالمدنيين السعوديين، بل هو رفع الظلم والحصار عن الشعب اليمني، فالقيادة اليمنية أعلنت مرارًا وتكرارًا أن كل ما تريده هو رفع الحصار عن الشعب اليمني، ووقف العدوان، والسماح للشعب اليمني بممارسة حقه الطبيعي في الحياة الكريمة، وأن أي إجراءات تتخذها القوات المسلحة اليمنية هي لتحقيق هذا الهدف الإنساني النبيل.

  • الفعالية العملية.. النتائج الميدانية

أثبتت الأحداث الميدانية فعالية هذه المعادلة، فالقدرات العسكرية اليمنية المتطورة، من صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وقوارب بحرية، أظهرت قدرة اليمن على فرض معادلات جديدة في الميدان، العمليات التي استهدفت منشآت نفطية سعودية، والطائرات المسيرة التي وصلت إلى عمق الأراضي السعودية، والعمليات البحرية في البحر الأحمر، كلها أرسلت رسالة واضحة: اليمن لن يبقى ضحية صامتة، ولديه القدرة على الرد والردع والهدف واضح يمتثل في:

  • كسر احتكار السعودية لورقة الضغط بالحصار، وخلق ورقة ضغط يمنية مقابلة
  • إجبار السعودية على التفكير جديًا في كلفة استمرار العدوان والحصار
  • رفع معنويات الشعب اليمني وتعزيز ثقته بقدرة قيادته على حمايته
  • إرسال رسالة واضحة للعالم أن اليمن لن يستسلم ولديه القدرة على الدفاع عن نفسه
  • دفع الأطراف الإقليمية والدولية للضغط على السعودية للقبول بحل سياسي عادل
  • الشرعية الشعبية.. موقف الشعب اليمني

تحظى معادلة “الحصار بالحصار” بدعم شعبي واسع داخل اليمن. فالشعب اليمني الذي عانى سنوات من الحصار والقصف والجوع يرى في هذه المعادلة رداً مشروعاً وعادلاً على الظلم الذي تعرض له. الملايين الذين خرجوا في مسيرات شعبية حاشدة للتعبير عن دعمهم للقيادة وللقوات المسلحة، يؤكدون أن هذا الموقف يعبر عن إرادة الشعب وتطلعاته.

الخلاصة القانونية: معادلة “الحصار بالحصار” و”المطار بالمطار” تستند إلى أسس قانونية راسخة في القانون الدولي، وتنطلق من منطق إنساني وأخلاقي سليم، وتحظى بشرعية شعبية واسعة، وأثبتت فعاليتها العملية في الميدان. إنها ليست عدوانًا، بل هي دفاع مشروع عن حق الشعب في الحياة والكرامة.

رابعاً: النظام السعودي يحاصر اليمن لموقفه النبيل المساند لغزة..

لم يكتف النظام السعودي بممارسة العدوان والحصار على اليمن، بل كشفت مواقفه من إسناد جبهة اليمن لمعركة طوفان الأقصى ومن العدوان الصهيوني الوحشي على غزة منذ أكتوبر 2023 حيث أظهر بيانه الأخير الذي عقب به على بيان القوات المسلحة اليمنية بفرض معادلة الحصار أنه يكمن حقداً اسوداً للموقف اليمني الديني والإنساني والعربي المساند لأبناء غزة وهو موقف لم يكن مفاجئ لكنه يحاول معاقبة الشعب اليمني بمواصلة حصاره معبراً عن علاقته العضوية بالمشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة، بينما كان اليمن يقف موقفًا تاريخيًا نبيلاً في الدفاع عن غزة ومساندة الشعب الفلسطيني، كان النظام السعودي يتخذ موقفًا سلبيًا ومعاديًا لشعب اليمني.

  • الصمت المريب والمواقف الخجولة

في الوقت الذي ارتكب فيه الكيان الصهيوني أبشع المجازر بحق الشعب الفلسطيني في غزة، وقتل عشرات الآلاف من المدنيين بينهم آلاف الأطفال والنساء، ودمر آلاف المنازل والمستشفيات والمدارس والمساجد، كان الموقف السعودي الرسمي يتسم بالبرود والفتور والمراوغة، بيانات خجولة ومواقف باهتة لا ترقى إلى حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون.

بل إن الإعلام السعودي الرسمي وشبه الرسمي ذهب أبعد من ذلك، حيث انحاز بشكل فاضح للرواية الإسرائيلية، وصور المقاومة الفلسطينية بصورة سلبية، وهاجم الموقف اليمني الداعم لغزة، واتهم محور المقاومة بـ”الإرهاب” و”زعزعة الاستقرار الإقليمي”، مستخدمًا نفس المصطلحات التي تستخدمها إسرائيل والولايات المتحدة ومن مؤشرات الانحياز السعودي للعدو الإسرائيلي:

  • عدم قطع أو حتى تجميد العلاقات مع الكيان الصهيوني رغم المجازر المرتكبة.
  • الاستمرار في مسار التطبيع والعلاقات الأمنية والاقتصادية مع إسرائيل.
  • انتقاد الموقف اليمني الداعم لغزة واتهامه بـ”التدخل” و”زعزعة الاستقرار”.
  • التنسيق مع أمريكا وإسرائيل في محاولة احتواء الدعم اليمني للمقاومة.
  • تصوير الإعلام السعودي للمقاومة الفلسطينية وقادتها بصورة سلبية.
  • عدم استخدام أوراق الضغط الاقتصادية والسياسية المتاحة لدعم غزة.

الجزء (2) يتبع غدًا في ملف جديد

قد يعجبك ايضا