الإمام علي (عليه السلام) بحر العطاء ومحط الثناء الإلهي والنبوي

في رحاب ذكرى استشهاده الأليمة، يبرز الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ليس فقط كأعظم تلميذ في مدرسة النبوة، بل كعلم ورمز من رموز الإسلام العظمى فعلي الفدائي الأول في الإسلام وبطل بدر وأحد والأحزاب وخيبر وبطل النهروان وصفين والحديث عن “أمير المؤمنين” هو إبحارٌ في عالمٍ من المتناقضات التي وحّدتها الحكمة؛ فهو الشديدُ في ذات الله، الرؤوفُ بالمساكين، والرقيبُ الأمين على مسار الأمة حتى في أحلك ظروف مظلوميته.

في الحقيقة، حينما يريد الإنسان أن يتحدث عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يحتار ولا يدري من أين يبدأ؛ والسبب في ذلك أنك تجد نفسك أمام جبل شامخ من القوة في الإسلام، ومن العلم والعزة والمجد الأسمى، بل وفي شاطئ بحر من العطاء المنقطع النظير في خدمة الدين الحنيف، إن الإحاطة بهذه الشخصية العظيمة أمر يفوق قدرة البشر، ولا يعرفها حق المعرفة إلا الله ورسوله. فكيف لنا أن ندّعي المعرفة الكاملة به ونحن لم نستوعب بعد عمق المدائح والثناء الإلهي والنبوي في حقه، والتي تجلت في نصوص قطعية فعندما نتأمل في قوله تعالى: {قُل لَّاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِی ٱلۡقُرۡبَىٰۗ}، فهل لأحد أن يشرح لنا إلى النهاية كيف جعل الله المودة للإمام علي وأهله وذريته أجرةً كافية لنبي الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مقابل تبليغ رسالة الإسلام العظمى؟

وحينما نتأمل آية التطهير: {إِنَّمَا یُرِیدُ ٱللَّهُ لِیُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَیۡتِ وَیُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِیرࣰا}، وآية الولاية التي نصت على كفاءته لقيادة الأمة: {إِنَّمَا وَلِیُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِینَ یُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَیُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَ ٰ⁠كِعُونَ * وَمَن یَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَـٰلِبُونَ} وقد تجلى في هذه الآيات الكريمة المقاييس الإلهية لاختيار القيادة والولاية للأمة، وهي مقاييس لا تنطبق بدقة وإعجاز إلا على شخص الإمام علي (عليه السلام). فمن الناحية التاريخية والروائية، أجمع المفسرون وعلماء الحديث (كالثعلبي والواحدي وغيرهم) على أن هذه الآية نزلت في حق الإمام علي حينما تصدق بخاتمه وهو راكع في الصلاة، ليضع القرآن الكريم علامة فارقة وخاصة لا يشاركه فيها أحد؛ فعبارة {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} جاءت بصيغة “الحال”، وهي ترسم مشهدًا حيًا لواقعة فريدة حدثت في المسجد النبوي، لم تُسجل لغيره من الصحابة.

أما من الناحية المعنوية والقيادية، فإن حصر الولاية بـ “إنما” (أداة الحصر) يربط ولاية الله ورسوله بولاية هذا المؤمن “المزكي راكعًا”، مما يدل على مرتبة إيمانية تتصل فيها قمة العبادة (الصلاة والركوع) بقمة العطاء والإحسان (الزكاة)، وهي تجسيد حي لمنظومة القيم التي تحتاجها الأمة في قائدها: الخشوع للخالق والرحمة بالمؤمنين. وبموجب هذا المقياس القرآني، فإن الإمام علي هو “المصداق الأتم” الذي حدده الوحي ليكون امتدادًا لولاية النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن يتولاه يدخل في دائرة “حزب الله” الذين وعدهم الله بالغلبة والظفر، مما يجعل ولايته ضرورة إيمانية واختيارًا ربانيًا لا يخضع للأهواء البشرية.

 في العهد النبوي: أسبقية الإيمان وروح الفريق الواحد

خلال حياة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان الإمام علي أسبق الناس إلى الإسلام، ومع ذلك لم يترفع على الناس أو يتميز عليهم، بل عمل في أوساط المؤمنين بروح الفريق الواحد وبإخوة إيمانية راقية وانسجام تام، كان الأقرب إلى كل مؤمن، حراً كان أو عبداً، أبيضَ أو أسودَ، في جميع شؤونهم وهو من قال (عليه السلام): “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”.

وهنا تبرز ملاحظة هامة لواقعنا اليوم: كثيراً ما نرى بعض المتقدمين في مسار الحق يصعرون خدودهم للناس ولا يعيرونهم اهتماماً، مما يتسبب في إيغار صدور المؤمنين، بخلاف نهج الإمام الذي يعلمنا الحفاظ على الأخوة الإيمانية مصداقاً للدعاء القرآني: {وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلࣰّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟}.

 سيف الإسلام الرادع وقلب المؤمنين الخاشع

رغم أنه كان من أشجع الناس وأعظمهم فتكاً بالأعداء في معارك الإسلام –حتى قيل: “لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي”– إلا أنه كان أعظم الناس تواضعاً وخشوعاً وصبراً على المؤمنين، بلغ به الحِلم أن بعض الأقل شجاعة كان يتجرأ عليه بالكلام، فلا يقابل ذلك إلا بشكوى الحال لرسول الله ليتدخل ويدافع عنه، كما حدث حينما أساؤوا إليه عند استخلافه على المدينة في غزوة تبوك. لقد كان بحق “ذليلاً على المؤمنين، عزيزاً على الكافرين”.

وفي هذا درس بليغ للبعض في زماننا، ممن شاعت عنهم شجاعة في بعض المراحل، فأحبوا أن يظلوا على الصيت المخيف حتى بين المؤمنين، ويكرهون أن يوصفوا بالرحمة والخشوع؛ فاللهَ اللهَ في الاقتداء بالإمام علي.

 قمة النجاح وذروة التواضع لله

كان الإمام علي أعظم الناس محبة لربه ونبيه، والتزاماً بتعاليم الإسلام وتنفيذاً للمهام الصعبة، ومع توالي إنجازاته، لم يستطل على الناس ولم يَمُنَّ أو يتكبر، بل كان يزداد حمداً وشكراً وتسليماً ورحمة.

وهنا عبرة جوهرية: متى ما وصل الإنسان في نجاحاته إلى العُجب والخيلاء واستصغار الناس، فقد بدأت نفسيته بالانحراف. المفروض كلما رأى الإنسان التوفيق أن يقبل على الله تسبيحاً، وعلى الناس محبة وخدمة كما فعل الإمام.

التسامي فوق المظلومية لحماية بيضة الإسلام

بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، وازن الإمام الأمور بحكمة نادرة، فرغم إقصائه عن الخلافة، لم يقابل ذلك بجنايات أو إساءات بالغة، بل اكتفى ببيان الحقائق وإقامة الحجة، لم يخذل من أقصوه حين احتاجوه في علم أو تدبير للإسلام، لأنه آمن بأنه لا يجوز خذلان الدين بسبب أخطاء الأشخاص. لم تمنعه السياسة من التصريح بالأخطاء وإصلاح المسار، فكان يدخل مجالس الخلفاء ويفرض الحق، حتى صار يُقال: “القول ما قاله ابن أبي طالب”.

ورغم هضمه ومظلوميته، ظل الإمام بمثابة الرقيب من بعيد على مسار الدولة الإسلامية، تدخل في أيام الردة، وفي أحكام القضاء، وفي الفتوحات، وفي أيام عثمان، برز دوره بقوة في النصح والإرشاد، ومحاولة تهدئة الجماهير الناقمة، ظل ينصح ويُقسِم على عثمان لإصلاح الأمور وعزل الولاة المخالفين للشرع، حتى قُتل الخليفة الثالث في فتنة حالكة قادها طرف ثالث.

 دولة العدل الإلهي وضريبة المواجهة والشهادة

بعد أن أدركت الأمة خطر الضياع، عادت لتبايع الإمام علياً من كل حدب وصوب، أقام (عليه السلام) دولة لا مثيل لها جسدت عدل الله في الأرض، ومع ذلك، حاربه من عاشوا على الهوى وحب الدنيا في معارك “الجمل وصفين والنهروان”. وبعد أن نصره الله وأبهر الكون بعدله وانتصاراته، لجأ الخصوم الفجرة إلى الغدر، فاستُشهد ساجداً في محرابه بمسجد الكوفة في ليالي القدر، ليُفتح بمقتله أبواب الشر الأكبر على أمته.

فاجعة المحراب: شهادة الإمام وخسارة الأمة الكبرى

في لحظةٍ غادرة من أحلك لحظات التاريخ الإسلامي، امتدت يد الإثم لتغتال “نفس رسول الله” وصمام أمان الأمة، الإمام علي (عليه السلام)، وهو في أسمى حالات العبودية؛ ساجداً في محرابه بمسجد الكوفة في ليالي القدر المباركة،  لم تكن هذه الجريمة مجرد اغتيال لشخص، بل كانت محاولة لاغتيال مشروع العدل الإلهي وتفتيت وحدة المسلمين وباستشهاده (عليه السلام)، فُتح على العالمين باب “الشر الأكبر”، حيث خسرت الأمة قائداً كان يمثل الميزان الدقيق بين الحق والباطل، والرقيب الأمين الذي لم يهادن في دين الله قط.

أما عن قيمة الشهادة لديه، فقد كانت هي المبتغى والأمل الذي يراوده طوال حياته؛ فلم يرهبه الموت يوماً، بل كان يقول: “والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه”. وحين فلق المجرم ابن ملجم هامته الشريفة، لم تنطق شفتاه بشكوى أو عويل، بل صدح بصرخة النصر الأبدي: “فزت ورب الكعبة”. إنها الشهادة التي تتوج مسيرة “علي” الذي عاش لله، واستبسل في سبيله، وبذل روحه ليبقى الإسلام عزيزاً شامخاً، إننا اليوم في ذكرى استشهاده، لا نقف أمام فاجعة فحسب، بل أمام مدرسة متجددة تعلمنا أن الموت في سبيل الله هو الولادة الحقيقية، وأن الخسارة الكبرى ليست في رحيل الأجساد، بل في التفريط بالمنهج الذي سار عليه الإمام علي (عليه السلام).

 خاتمة: دعوة للاقتداء بـ “الموازنة العلوية”

ما تعيشه أمتنا اليوم من مآسي واستفحال خطر الأعداء وسعيهم للهيمنة المطلقة عليها ما هو امتداد لذلك التفريط ومن آثاره، إن علينا أن نعود إلى الإمام علي من جديد لنتعلم منه ومن وجهاده ومن عزيتمته وحكمته وصبره وثقته العالية بالله ما ينقذنا من هذا الوضع المحزن وكما يقول شهيد القرآن (رضوان الله عليه):((أن الأمة لن ترتفع كلمتها، ولن ترفع رأسها إلا إذا عادت من جديد لترفع يد علي ومحمد كما رُفعت يوم الغدير، وأن تلك اليدين التي امتدت أحداهما للأخرى هي من مددت الأمة ليطأ اليهود أعناقها، وظهرها يوم قال عمر: [أمدد يدك أبايعك] مدد الأمة فعلاً)).

علينا أن نقتدي بالإمام علي (عليه السلام) في كل الأحوال؛ وأن نعود إلى سيرته ومواقفه وإرثه، كنموذجاً مرجعياً وسلوكياً في شتى الظروف والمتغيرات؛ باعتباره يمثل المركزية المعرفية والهدائية في الفكر الإسلامي بوصفه ‘باب مدينة علم رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله’، وأن نتولى أولياء الله منهم أمتداد للنهج المحمدي العلوي وفي هذا الزمن نجد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي تجلياً عملياً لهذه ‘الموازنة العلوية’ في المنهجية القيادية؛ حيث تبرز رؤيته في المواءمة بين المبادئ والقيم وبين مقتضيات الواقع، انطلاقاً من استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على بيضة الإسلام، وصون أمن الأمة، وتعزيز التماسك والوحدة في صفوف المسلمين.

سلام على الإمام علي يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حياً.

 

قد يعجبك ايضا