السيادة في مواجهة الوصاية.. قراءة تحليلية لمرتكزات خطاب السيد القائد بشأن التصعيد السعودي ومستقبل المواجهة
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
جاء خطاب السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ حفظه الله ـ حول آخر التطورات والمستجدات في مرحلة يصفها بأنها شديدة الحساسية، تتزامن مع تصعيد سعودي جديد يتمثل في استمرار الحصار واستهداف مطار صنعاء الدولي، وما يرافق ذلك من تشديد القيود على حركة اليمنيين ومنافذهم البرية والجوية والبحرية.
وفي هذا السياق، لا يقتصر الخطاب على الرد على حدث ميداني بعينه، بل يقدم رؤية متكاملة لطبيعة العدوان والحصار، ويحدد الأسس التي تقوم عليها المواجهة، ويعيد رسم معادلات الردع والسيادة والحرية بوصفها مرتكزات لا يمكن التنازل عنها.
وتظهر القراءة العامة للخطاب أن مضمونه يتجاوز البعد العسكري المباشر، ليقدم تفسيراً شاملاً للحصار باعتباره مشروعاً لإخضاع اليمن سياسياً واقتصادياً، وليس مجرد إجراء مرتبط بالعدوان، مؤكداً أن استمرار هذه السياسة سيقابل بخيارات تصعيدية تستهدف المصالح الحيوية والمنشاءات النفطية والمطارات السعودية.
يقدم الخطاب الحصار باعتباره القضية المركزية في المواجهة، ويرى أن المشكلة لا تكمن فقط في العمليات العسكرية، وإنما في محاولة فرض الوصاية على القرار اليمني والتحكم في أدق تفاصيل الحياة اليومية، ابتداءً من حركة المطارات والموانئ، وصولاً إلى دخول الغذاء والدواء وسفر المرضى والعالقين.
ومن هذا المنطلق، يصور الخطاب استمرار القيود على المنافذ اليمنية باعتباره انتهاكاً لحقوق ثابتة يكفلها القانون الدولي والأعراف الإنسانية، ويعتبر أن تحويل الحقوق الطبيعية للشعب اليمني إلى امتيازات تمنح أو تمنع بإرادة السعودي الذي يقف خلفة الأمريكي والبريطاني يمثل حالة غير مسبوقة لا يمكن القبول باستمرارها.
كما يلفت الخطاب إلى أن هذا النوع من الحصار لا يستهدف الجانب الاقتصادي فقط، وإنما يستهدف كرامة الإنسان اليمني وحريته وسيادته، وهو ما يجعل إنهاء الحصار هدفاً يتجاوز الاعتبارات السياسية ليصبح قضية وجودية ترتبط باستقلال القرار الوطني.
ومن أبرز الرسائل التي يحملها الخطاب إعادة التأكيد على معادلات الردع التي سبق الإعلان عنها، مع توسيع نطاقها بصورة أكثر وضوحاً.
فالخطاب يوضح أن الرد الذي استهدف مطار أبها بعد استهداف مطار صنعاء لم يكن سوى رد محدود ورسالة تذكير، وأن المعادلة الحقيقية تقوم على مبدأ التكافؤ في الاستهداف، بحيث يقابل استهداف المطارات بالمطارات، والحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد.
ويأتي الإعلان بأن جميع المنشآت النفطية والمنشآت الحيوية السعودية تدخل ضمن بنك الأهداف ليؤكد أن خيارات الرد لم تعد مقتصرة على الأهداف العسكرية التقليدية، وإنما تشمل البنية الاقتصادية التي تمثل مصدر القوة الرئيس للنظام السعودي.
وتعكس هذه الرسالة محاولة لترسيخ معادلة ردع جديدة تقوم على رفع كلفة استمرار الحصار، ونقل آثار الحرب إلى المجالات الاقتصادية والاستراتيجية إذا استمر التصعيد.
لا يقدم الخطاب الصراع باعتباره نزاعاً حدودياً أو خلافاً سياسياً محدوداً، بل يصوره كمعركة دفاع عن الحرية والسيادة الوطنية.
ولهذا يكرر التأكيد على أن الشعب اليمني كما هو معرف لا يمكن أن يقبل بأن يكون قرار سفره أو اقتصاده أو موارده أو قيادته السياسية خاضعاً لإرادة خارجية، ويرى أن أي محاولة لفرض هذا الواقع تمثل شكلاً من أشكال الاستعباد السياسي الذي يتناقض مع تاريخ اليمن وشعب الإيمان وثقافته وقيمه.
ومن خلال استحضار القبائل اليمنية والهوية الوطنية والإيمانية، يسعى الخطاب إلى ترسيخ فكرة أن رفض الوصاية يمثل موقفاً مجتمعياً عاماً، وليس مجرد موقف سياسي تتبناه القيادة أو المؤسسة العسكرية.
كما يؤكد أن الثبات طوال سنوات العدوان والحصار يعكس رسوخ هذا الخيار لدى المجتمع اليمني، وأن حجم التضحيات التي قدمت خلال سنوات المواجهة دليل على أن خيار الاستسلام لم يكن مطروحاً منذ بداية العدوان.
لا يضع الخطاب المواجهة مع السعودية في إطار ثنائي فحسب، وإنما يربطها بسياق إقليمي ودولي أوسع، معتبراً أن التحركات السعودية تأتي ضمن مشروع تقوده الولايات المتحدة وتدعمه بريطانيا و(إسرائيل)، وأن ما يجري في اليمن ليس معزولاً عن الصراع الدائر في فلسطين أو عن السياسات الغربية في المنطقة.
وفي هذا السياق، يربط الخطاب بين استمرار الحصار على اليمن واستمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، معتبراً أن الطرفين يستخدمان الأدوات نفسها القائمة على الحصار والتجويع والاستهداف المباشر للمدنيين والبنية التحتية، بما يجعل المعركة جزءاً من مواجهة واحدة ضد مشروع يستهدف شعوب المنطقة واستقلالها.
كما يلفت إلى أن العدوان على اليمن لم يكن نتيجة خلافات حدودية أو مصالح متعارضة بين البلدين، بل جاء في إطار اصطفاف سياسي وعسكري يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يفسر استمرار السياسات السعودية رغم ما ترتب عليها من خسائر وتداعيات طوال سنوات العدوان.
ومن هذا المنظور، يقدم الخطاب العدوان على اليمن مواجهة مع منظومة متكاملة من القوى الدولية والإقليمية، الأمر الذي يبرر توسيع نطاق الرد وعدم حصره في الجانب السعودي وحده.
يمنح الخطاب مساحة واسعة للحديث عن مفهوم الجهاد، مقدماً إياه باعتباره سنة ثابتة في الرسالات الإلهية، ووسيلة لحماية الإنسان من الطغيان والاستعباد، وليس مجرد خيار عسكري مرتبط بظروف مرحلية.
ويؤكد أن التجارب التاريخية تثبت أن الشعوب التي تتخلى عن مسؤولية الدفاع عن نفسها تصبح أكثر عرضة للاستغلال والهيمنة، بينما يقود التمسك بخيار المقاومة إلى الحفاظ على الحرية والكرامة والاستقلال.
وفي هذا الإطار، يربط الخطاب بين الجهاد والمسؤولية الدينية والأخلاقية، معتبراً أن مواجهة العدوان ليست مجرد حق مشروع، بل واجب يفرضه الانتماء الديني والإنساني، وأن التخلي عنه يؤدي إلى اتساع نفوذ الطغيان واستمرار الظلم.
كما يبرز الخطاب أن ثمرة هذا النهج لا تقتصر على تحقيق الانتصار العسكري، وإنما تتمثل في بناء مجتمع قادر على حماية هويته واستقلاله وممارسة دوره الحضاري بعيداً عن الهيمنة الخارجية.
إلى جانب المواجهة العسكرية، يتناول الخطاب الحرب الناعمة، باعتبارها أحد أخطر أدوات المشروع الصهيوني في المنطقة.
ويرى أن هذه الحرب تستهدف تغيير وعي الشعوب وإضعاف هويتها الدينية والثقافية والأخلاقية، بما يسهل السيطرة عليها دون الحاجة إلى الاحتلال العسكري المباشر.
ويؤكد أن المشروع الصهيوني لا يقتصر على السيطرة الجغرافية أو الاقتصادية، وإنما يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة سياسياً وفكرياً بما يخدم مشروع “إسرائيل الكبرى”، معتبراً أن ما يجري في عدد من دول المنطقة يأتي ضمن هذا السياق.
ومن هنا، يربط الخطاب بين المقاومة العسكرية والمواجهة الفكرية والثقافية، معتبراً أن الحفاظ على الهوية يمثل ركناً أساسياً في معركة التحرر، وأن الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا فقدت الأمة مقوماتها الفكرية والثقافية.
يفرد الخطاب مساحة كبيرة لتقييم الدور السعودي في الإقليم، مقدماً رؤية تعتبر أن الرياض لم تكتف بالمشاركة في العدوان على اليمن، بل لعبت أدواراً سياسية وإعلامية ومالية دعمت السياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
ويرى أن انعكاس هذا الدور برز بصورة أوضح خلال العدوان على غزة، حيث عمل النظام السعودي على الحيلولة دون تبني مواقف عربية وإسلامية عملية لمساندة الشعب الفلسطيني، والاكتفاء ببيانات سياسية لا تتجاوز حدود الإدانة اللفظية.
كما ينتقد الخطاب الأداء الإعلامي السعودي، معتبراً أنه اتجه إلى مهاجمة قوى المقاومة الفلسطينية وتبرير السياسات الإسرائيلية، وهو ما يراه انسجاماً مع توجهات سياسية أوسع تهدف إلى حماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
ويخلص الخطاب إلى أن هذا الدور لم يقتصر على فلسطين، بل امتد إلى ملفات عربية وإسلامية متعددة، الأمر الذي يجعله أحد العوامل التي ساهمت في تعميق الانقسامات وإضعاف الموقف العربي والإسلامي.
يؤكد الخطاب أن القضية الفلسطينية تمثل معياراً أساسياً للحكم على مواقف الدول والأنظمة، ويعتبر أن الجرائم الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة، واستمرار الاحتلال والحصار، تكشف حقيقة المواقف الدولية والإقليمية.
ويشير إلى أن (إسرائيل) تواصل التنصل من الاتفاقات، وتوسيع احتلالها، واستهداف المدنيين والبنية التحتية، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، ومنع المرضى من السفر للعلاج، وهو ما يعكس غياب أي التزام بالقانون الدولي أو المواثيق الإنسانية.
ومن خلال هذا الطرح، يربط الخطاب السيد القائد بين ما يتعرض له الفلسطينيون وما يعانيه اليمنيون من حصار واستهداف، معتبراً أن مصدر السياسات واحد، وأن مواجهة هذه السياسات تتطلب موقفاً موحداً من شعوب الأمة.
تعكس مضامين الخطاب السيد القائد رؤية تعتبر أن المواجهة الحالية تجاوزت حدود النزاع العسكري التقليدي لتصبح صراعاً على السيادة والحرية والاستقلال الوطني. ومن هذا المنطلق، يربط الخطاب بين استمرار الحصار والتصعيد العسكري وبين اتساع خيارات الرد، مؤكداً أن استهداف المنشآت الحيوية والنفطية يأتي ضمن معادلة ردع تهدف إلى رفع كلفة استمرار العدوان.
وفي الوقت نفسه، يوسع الخطاب إطار الصراع ليشمل أبعاده الإقليمية والدولية، رابطاً بين ما يجري في اليمن وفلسطين وبين المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة، كما يطرح الجهاد باعتباره منهجاً للتحرر من الهيمنة، ويضع الحرب الناعمة في صدارة التحديات التي تستهدف هوية الأمة وثقافتها.
وبذلك، يقدم الخطاب رؤية متكاملة تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية: التمسك بالسيادة الوطنية ورفض الوصاية الخارجية، تثبيت معادلات الردع في مواجهة أي تصعيد، وربط معركة اليمن بالسياق الأوسع للصراع الدائر في المنطقة، باعتبارها جزءاً من مواجهة مفتوحة مع مشاريع الهيمنة والاستعباد.