الرياض وأبو ظبي: تحالف مضطرب يُدار عبر فصائل المرتزقة على الثروة والسلطة جنوبي اليمن

حضور دولي متزايد: حضرموت تتحول إلى عقدة استراتيجية في صراع الممرات والطاقة

وادي حضرموت بين الميليشيات والتحالفات: صراع مفتوح على الثروة والسلطة

الحقيقة ـ جميل الحاج

تشهد محافظة حضرموت واحدة من أخطر التحولات منذ بداية الحرب اليمنية، حيث تتقدّم القوات الموالية للإمارات ممثّلة فيما يسمي بـ “المجلس الانتقالي الجنوبي” نحو آخر مواقع النفوذ السعودي في وادي حضرموت والصحراء، وسط تراجع واضح للدعم السعودي للفصائل التي كانت تمثّل ذراعها المحلية طوال السنوات الماضية.

هذا التحول لم يعد صراعًا محليًا بين فصائل يمنية، بل أصبح تجلّيًا مباشراً لتباينات استراتيجية بين أبوظبي والرياض اللتين تتشاركان تحالفًا عسكريًا ظاهريًا، لكنهما تخوضان صراع نفوذ مكتومًا شرق اليمن، في المنطقة الأكثر حساسية وثروة وتأثيرًا على ممرات البحر العربي.

ومع سيطرة الفصائل المدعومة من الإمارات دون مقاومة تُذكر، تبدو حضرموت أمام منعطف تاريخي قد يعيد تشكيل مستقبل اليمن برمته، ويطرح أسئلة جوهرية حول خارطة النفوذ الإقليمي وإمكان نشوء كيانات جديدة في الجنوب والشرق.

السعودية تعيد التموضع.. وتترك فراغًا يبتلعه “الانتقالي”

تراجع الدعم السعودي.. وتبدّل الأولويات

شكّل تقليص السعودية دعمها لـ«ائتلاف قبائل حضرموت» نقطة تحول مركزية في المشهد. فبعد أعوام من الاعتماد على الحلف القبلي كأداة لحماية النفوذ السعودي في مناطق النفط، قررت الرياض الاكتفاء بدعم ما تسمي بـ «قوات درع الوطن» المتمركزة قرب حدودها، تاركةً وادي حضرموت لقدرٍ مجهول.

وترتبط هذه الخطوة بمجموعة عوامل منها سعي السعودية لتقليل الانخراط العسكري المباشر بعد سنوات مكلفة وغير حاسمة، وكذلك رغبة الرياض في تجنّب مواجهة مباشرة مع الإمارات رغم اختلاف الأجندات، وانشغال السعودية بمسار التفاوض مع صنعاء وترتيبات ما بعد الحرب.

الفراغ الأمني: فرصة ذهبية للفصائل الموالية للإمارات

مع انسحاب السعودية التدريجي، انهارت معادلة النفوذ القديمة في الوادي، فوجدت الفصائل التابعة للإمارات فيما تسمي بـ ” قوات النخبة والدفاع الحضرمي والانتقالي” فرصة سانحة للتوسع، وسقطت مواقع كانت محمية بغطاء قبلي وسعودي بدون مقاومة تُذكر.

لم يأتِ التحرك الإماراتي فجأة، بل هو جزء من استراتيجية ممتدة منذ سنوات تهدف إلى:

تأمين نفوذ على طول الساحل الجنوبي والشرقي لليمن.

السيطرة على الموانئ الحيوية وممرات الملاحة في البحر العربي.

إحكام السيطرة على حقول النفط في حضرموت وشبوة.

تعمل الإمارات على بناء فصائل محلية مرتبطة بها تنظيمياً وعقائدياً مثل “النخبة الشبوانية” و”قوات الدفاع الحضرمي” و”تشكيلات المجلس الانتقالي”.. ومع تفكك حكومة الفنادق الموالية للرياض وتراجع حضورها، باتت هذه الفصائل تتحرك بمرونة أكبر.

إنهاء آخر نفوذ سعودي في الوادي

تركّز أبوظبي اليوم على تحييد  قطاعات ما يسمي بـ ” الجيش اليمني” المرتبطة بالسعودية، مثل اللواء 135 مشاة وقوات المنطقة العسكرية الأولى.

ورغم اعتمادها خطاب «مكافحة الإرهاب»، إلا أن هدفها الحقيقي يكمن في إنشاء خارطة نفوذ مستقرة تمتد من المهرة إلى عدن، مرورًا بأهم حقول النفط اليمني.

وبالرغم من امتلاك “حلف قبائل حضرموت” قوة قبلية وعسكرية معتبرة، إلا أن مقاومته كانت محدودة لعدة أسباب منها ـ توقف الدعم السعودي بشكل شبه كامل ـ وعدم قدرة القبائل على تمويل مقاتلين في مواجهة قوات منظمة ومدعومة إماراتيًا ـ وإدراك القيادات القبلية أن الرياض لن تعود للدفاع عن نفوذها السابق، وتفضيل بعض الأطراف الحياد لتجنّب خسائر بلا جدوى.

كما يرى جزء من المجتمع الحضرمي أن دخول “الانتقالي” قد يكون خيارًا أفضل من فوضى التعددية العسكرية السابقة.

اتفاقٌ يُنقَض.. وبيانٌ غاضب من الحلف

رغم جهود التهدئة، أعلن «حلف قبائل حضرموت» أن مليشيات مدعومة إماراتيًا نقضت اتفاق الهدنة الذي وُقّع برعاية السلطة المحلية والسعودية، وهاجمت مواقع الحلف في حقول المسيلة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.

واتهم الحلف الإمارات بتمويل وتسليح الفصائل المهاجمة و“مليشيات وافدة” بمحاولة السيطرة على النفط، وأطرافًا حضرمية بالتواطؤ.

وطالب الرباعية الدولية والتحالف بالتدخل لمنع “سودنة حضرموت” وتحويلها إلى ساحة حرب على غرار السودان.

يعتبر “الانتقالي” أن السيطرة على حضرموت ضرورة استراتيجية لمشروع الدولة الجنوبية، ويُدرج تحركاته تحت لافتة «محاربة الإرهاب» و«استعادة بترو مسيلة».

ويقود بن حبريش حراك «الحكم الذاتي الحضرمي» الذي يقدّم نفسه كحامٍ للثروة النفطية، ومواجهة لما يسميه “المليشيات الوافدة”.

سلطة العليمي: الطرف الأضعف في معادلة القوة ويحاول ما يسمي بـ “المجلس الرئاسي” المحسوب على الرياض احتواء التصعيد وإعادة “الانتقالي” إلى مناطقه.

البعد الإقليمي.. صراع سعودي إماراتي يُدار بأدوات يمنية

ترى الإمارات في حضرموت امتدادًا لنفوذها البحري، بينما تعتبرها السعودية بوابتها الشرقية وأهم مناطق عمقها الاستراتيجي.. وينعكس التباين بين الأجندتين في تنازع السيطرة على المنطقة العسكرية الأولى، وتشكيل ألوية جديدة ممولة سعوديًا، خلق قوى محلية موالية لكل طرف، وهو ما جعل حضرموت ساحة صراع نفوذ خليجي أكثر منها صراعًا محليًا.

حضرموت.. بوابة مستقبل اليمن

ما يجري في حضرموت لم يعد صراعًا محليًا؛ إنها أكبر ساحة إعادة تشكيل للنفوذ الإقليمي والدولي في اليمن.

امتلاك المحافظة لأكبر الحقول النفطية وأطول السواحل جعلها مركز الاهتمام الخليجي والغربي، وورقة تفاوض صلبة لأي تسوية قادمة.

ومع أن الأطراف المحلية تبدو في الواجهة، إلا أن قرار الحرب والسلم ما يزال بيد القوى الإقليمية والدولية.

حضرموت اليوم ليست مجرد محافظة تتنازعها المليشيات، بل ميزانًا يحدد شكل اليمن القادم: موحدًا؟ مجزأً؟ أم خاضعًا لمعادلات نفوذ خارجية تمتد لعقود؟

قد يعجبك ايضا