السيد القائد في خطاب المرحلة المفصلية.. ▪محور المقاومة ثابت بوجه جبهة “الشر الصهيوني-الأمريكي” ويعلن معادلة “الحصار بالحصار والمطار بالمطار”

 

مقدمة

تناول السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، في كلمة تاريخية ألقاها الخميس الموافق 2 صفر 1448هـ، آخر التطورات والمستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، مستعرضاً بمنهجية تحليلية عميقة تستند إلى المرجعية القرآنية والتاريخ الإسلامي، ملامح المعركة المصيرية التي تخوضها الأمة الإسلامية ضد محور الطغيان الصهيوني-الأمريكي. وقد جاء الخطاب في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتصاعد وتيرة العدوان على إيران وفلسطين ولبنان، فيما يتواصل الحصار الظالم والتضييق على الشعب اليمني، ليقدم السيد القائد تحليلا دقيقا للسلوك السعودي الإجرامي تجاه الشعب اليمني و المراوغة ومحاولة التنصل  عن التزاماتهم تجاه عدوانهم المستمر منذ ١١ عام ومعريا لطبيعة النهج الاستعلائي لهذا النظام تجاه محاولته حرمان الشعب اليمني من ثرواته ومن استخدام مطاراته وموانئه و في ذات الوقت الذي يفتح اجزاءه واراضيه للعدو الصهيوني مقدمت معادلة لفك الحصار تقوم على مبدأ الندية( الحصار بالحصار و المطار بالمطار) مؤكدا أن من غير المسموح ابدا استمرار الحصار ومنع اليمنيين من السفر للعلاج و من استيراد الوعي الأداء الدواء و الغذاء..

الإطار الفكري والمنطلقات القرآنية للمواجهة

افتتح السيد القائد خطابه بالاستناد إلى الآية الكريمة: “إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ” [الأنفال: 19]، معتبراً أن هذه الآية، التي نزلت في سياق غزوة بدر الكبرى، تمثل “الفاتحة المهمة والكبيرة في جهاد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله”، وترسم سنّة إلهية ثابتة في مواجهة الطغيان الكافر. وبيّن السيد القائد أن “الجهاد في سبيل الله سبيلاً للنصر، وللعزَّة، ولكسر شوكة الطغاة، الكافرين، المعتدين، الظالمين، المجرمين”، مؤكداً أن هذه السنة تجددت على مر التاريخ، وأن التحرك في إطار المسؤولية الإيمانية هو الكفيل بتحقيق الحرية الحقيقية التي تحصن المؤمنين من “كلِّ أشكال العبودية لغير الله”. واستشهد السيد القائد بقول الله تعالى: “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ” [البقرة: 251]، موضحاً أن التحرك المنطلق من الموقف الحق والتزام تعليمات الله “ثمرتها الحُرِّيَّة الحقيقية”، والتمكين لأداء الدور الإيجابي في الحياة على أساس من العدل والحق والخير.

تحديد العدو وطبيعة التهديد الصهيوني-الأمريكي

انتقل السيد القائد إلى تحديد طبيعة العدو الرئيسي الذي تواجهه الأمة الإسلامية في هذا العصر، موضحاً أننا “نواجه أطغى الطغاة، وأسوأ الأشرار، وأجرم الظالمين والكافرين على مرِّ التاريخ: الصهيونية، والحركة اليهودية، وأذرعها، وأتباعها، والموالون لها”. وفرّق السيد القائد بين مستويين للاستهداف: “الحرب الناعمة المفسدة المضلة” التي تسعى إلى “تفريغ الإنسان من إنسانيته، والسيطرة التامة عليه، واستعباده من دون الله”، و”الحرب الصلبة، التدميرية، الظالمة” التي ترتكب فيها “الإبادة الجماعية، والتعامل مع المجتمعات البشرية بكل وحشية”. وأكد السيد القائد أن “أمريكا وإسرائيل، ومن معهم، ومن يدور في فلكهم، ومن يواليهم، هم مصدر الشر، والإجرام، والإخلال بالأمن”، مشيراً إلى أن هذا المحور “لم تتوقَّف يومًا واحدًا” في استهداف الأمة الإسلامية والمنطقة العربية، عبر “المؤامرات تلو المؤامرات”، وتحت عناوين مثل “تغيير الشرق الأوسط” و”إقامة إسرائيل الكبرى”.

الدور التخريبي للأنظمة المتواطئة وعلى رأسها النظام السعودي

أبرز السيد القائد ما وصفه بـ”المشكلة التي تزيد من معاناة الأمة”، وهي “الدور التخريبي والسلبي والسيء لبعض الأنظمة العربية” التي “تتَّجه على أساس التعاون مع أعداء هذه الأمة بكل أشكال التعاون”، سواء على المستوى السياسي أو المالي أو العسكري والأمني أو الإعلامي. وخصص السيد القائد حيزاً واسعاً للحديث عن الدور السعودي، موضحاً أنه يتعاون “مع أمريكا، مع إسرائيل، مع بريطانيا، على مستوى إثارة الفتن في العالم الإسلامي من الداخل”، و”ضرب أي موقف جماعي للأمة في الاتِّجاه الصحيح لنصرة القضية الفلسطينية”. وذكر أن “أول المتضررين هو الشعب الفلسطيني”، حيث “تجلَّى الدور التخريبي السلبي السعودي” في معركة طوفان الأقصى، إذ “نجح الموقف السعودي في تكبيل الأمة من الداخل”، حتى “تمكَّن من منع أي موقف يُجْمِع عليه المسلمون بحكوماتهم وأنظمتهم”، مقتصراً على “بيانات بعبارات مهذَّبة، ومؤدبة، ومحترمة، وبسقفٍ هابطٍ جدًا”، لا تتجاوز التوصيفات البسيطة “حتى لا يستاء” الأمريكي.

فلسطين: الإبادة الجماعية واستمرار العدوان رغم الاتفاقات

تناول السيد القائد بالتفصيل الوضع في فلسطين، مؤكداً أن “العدو الإسرائيلي في عدوانه على غزَّة، ارتكب أبشع وأفظع الجرائم الرهيبة جدًّا”، وأن هذا العدو “لا يلتزم بأي اتِّفاق، يتنكَّر لكل المواثيق”، حيث قتل “أكثر من (ألف شهيد فلسطيني)” بعد الاتفاق الأخير، “في ظل الاتِّفاق، في ظل الهدنة القائمة على الاتِّفاق”، بالإضافة إلى “أكثر من (ثلاثة آلاف مصاب)”. وانتقد السيد القائد  سلوك الأنظمة المتخاذلة التي “تتوجَّه حتى هي باللوم للشعب الفلسطيني، ولمجاهديه”. كما أشار إلى استمرار العدوان في الضفة الغربية عبر “توسيع البؤر الاستيطانية بشكل هائل” و”الهدم اليومي للبيوت” و”انتهاك حرمة المسجد الأقصى بشكلٍ يومي”، وصولاً إلى “منع رفع الآذان من المسجد الإبراهيمي بمكبرات الصوت”. وحذر من أن العدو “يسعى على الدوام لأن يثبِّت مسألة الاستباحة لهذه الأمة”، وأن الهدف هو “تهجير سكان قطاع غزَّة” عبر “صناعة هذه المأساة”، مع استمرار “التعذيب المستمر للأسرى في السجون الإسرائيلية بأبشع جرائم التعذيب”، وتصاعد “جرائم الاغتصاب للنساء وللرجال” بحسب تقارير دولية.

لبنان: المقاومة الشريفة والطعن في الظهر

أشاد السيد القائد بدور المقاومة الإسلامية في لبنان، واصفاً إياه بـ”الدور الأساس والعظيم والمهم للمقاومة الإسلامية في لبنان، لحزب الله، في التصدي للعدوان الإسرائيلي، التصدي الفاعل الذي يشرِّف هذه الأمة، مفخرةٌ للإسلام والمسلمين جميعًا”. وأكد أن “المحور إلى جانبها، لن يتخلَّى عنها أبدًا، المحور بكله، في المقدِّمة: الجمهورية الإسلامية في إيران”. وفي المقابل، انتقد السيد القائد السلطة اللبنانية التي “تحاول التنكُّر” للموقف الإيراني العظيم، و”الذهاب إلى مسار فيه خضوع للعدو الإسرائيلي، إذعان للعدو الإسرائيلي”، محذراً من أن يتحول دورها “كدور السلطة الفلسطينية في الضفَّة الغربية: سلطة لا تفعل لشعبها شيئًا”. كما فضح الدور السعودي في لبنان، واصفاً إياه بـ”دور قذر لخدمة العدو الاسرائيلي”، حيث “السفير السعودي في لبنان يقوم بدور نشط جدًّا في التأثير على المسؤولين اللبنانيين بـ”شراء مواقفهم بالخيانة لشعبهم”، عبر توزيع “الشنيط المحملة بالأموال المغرية لبعض المسؤولين وبعض الشخصيات”.

الجمهورية الإسلامية في إيران تنكل بالعدو الأمريكي

ركز السيد القائد على أهمية الموقف الإيراني في إعادة توازن القوى بالمنطقة، مؤكداً أن “ثبات الجمهورية الإسلامية العظيم، والفاعلية العالية، وهي تنكِّل بالعدو الأمريكي”، يمثل “شرفاً كبيراً لأمَّتنا الإسلامية”. وبيّن أن “أمريكا كانت متعوِّدة أن تسقط أنظمة كبرى من الأنظمة العربية في معركة بسيطة”، لكن “أن يكون هناك بلد إسلامي، وبنظامه الإسلامي، يقف هذه الوقفة الشجاعة، القوية، الصامدة، في مواجهة الطغيان الأمريكي والإسرائيلي”، فهذا “ثبَّت معادلات” لم تكن موجودة سابقاً، حيث “تقوم بالرد عليه ردًا قويًا فاعلًا بالصواريخ، وبالطائرات المسيَّرة، وتدمِّر القواعد الأمريكية”. وحذر من أن “الإسرائيلي لو تمكَّن ومعه شريكه الأمريكي من تحقيق أهدافهم المعلنة الرئيسية من العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران؛ لكانوا… اتَّجهوا إلى ابتزاز دول الخليج بأسوأ أشكال الابتزاز”، مستشهداً بقول الله تعالى: “وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ” [البقرة: 120].

اليمن: معركة الحرية والكرامة في وجه الحصار الشامل

خصص السيد القائد جزءاً كبيراً من خطابه للحديث عن معاناة الشعب اليمني، مؤكداً أن “شعبنا العزيز صمد وثبت”، وأن “استمرت معادلة فرض الحصار البحري، ومنع الملاحة على العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر، وعبر باب المندب، وخليج عدن بشكلٍ مستمر لم يتوقَّف”. وتحدث عن “الفشل الأمريكي والإسرائيلي والبريطاني في المواجهة المباشرة ضد شعبنا العزيز”، حيث “هربت حاملات طائراته من البحر الأحمر”، مؤكداً أن “أربع حاملات طائرات هربت في ميدان المواجهة”. لكنه أشار إلى استمرار “الدور السعودي السلبي”، حيث يصر السعودي على “التشديد للحصار على شعبنا”، عبر “وضع القيود على البضائع التي تدخل إلى البلد”، وحرمان الشعب من “تسعين مليون برميل سنويًا” من النفط، ما أدى إلى “أن تزدحم المدن بالمتسولين من شدَّة الجوع، وينتشر البؤس إلى درجة أكل الشجر في بعض الأسر”.

واستذكر السيد القائد أنه “في ذروة المواجهة في معركة (طوفان الأقصى)”، كان السعودي “يقوم بإجراءات إضافية في تشديد الحصار”، عبر التعاون مع البريطاني في وضع قيود في جيبوتي تؤخر وصول السفن “لشهرين” أو “أربعة أشهر”، ما يجعل التكاليف تصل إلى “أربعمائة بالمائة من سعرها”. كما تحدث عن الحرمان من الخدمات الصحية، حيث “أدى إلى وفيات بالآلاف، بالآلاف من المرضى الذين لم يتمكنوا من الخروج للعلاج خارج البلد”. واستذكر قصف مطار صنعاء الدولي “في وضح النهار”، معتبراً أن “المعادلة الحقيقية هي: (مطار صنعاء بمطار الرياض)، المعادلة: المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار”.

وفضح السيد القائد التعاون السعودي المباشر مع العدو الإسرائيلي، موضحاً أن “السعودي فتح بعضًا من مطاراته للطائرات التجسُّسية الإسرائيلية”، وأنه “يستقبل بضائع إليه إلى موانئه، ثم يقوم لاحقًا بنقلها للعدو الإسرائيلي”، كما أن “كل الخلايا الاستخباراتية التي تشتغل لخدمة العدو السعودي، قدَّم العدو السعودي معلوماتها للإسرائيلي في إحداثيات للاستهداف والقصف”. وأكد أن السعودي “يريد أن يكون شعبنا العزيز مأزومًا اقتصاديًا”، وأن يجعل “السبيل الوحيد للحصول على المال هو الخيانة”، في ظل مشروع سعودي لا يمتلك “أجندات له” سوى “المشروع الصهيوني، الأمريكي، البريطاني، الإسرائيلي”.

المرحلة المفصلية: بين العزة الإيمانية والخضوع للطغيان

ختم السيد القائد خطابه بالتأكيد على خيار الشعب اليمني، مستشهداً بقول رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله: “الإِيْمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَّة”، مؤكداً أن “نحن شعبٌ حُر، الحُرِّيَّة تجري في دمائنا، الحُرِّيَّة هي ديننا، نحن لن نقبل أن نكون عبيدًا إلا لله”. وندد بمحاولات السعودي “أن يكون شعبنا العزيز مأزومًا اقتصاديًا”، وأن يفرض عليه التحكم في “مطاراتنا، موانئنا، ثروتنا، أرضنا، بضائعنا، حركتنا”. وأكد أن “خيار الاستسلام في اليمن غير وارد، غير وارد؛ لأنه يعني: الخنوع والاستعباد لغير الله”، مشيراً إلى أن السعودي “لم يرعَ السعودي له حرمة الجوار”، وأنه “ابتدأه بعدوانٍ ظالمٍ غاشمٍ” استمر اثني عشر عاماً.

وقد لبى الشعب اليمني دعوة السيد القائد إلى “خروجًا جماهيريًا عظيمًا غير مسبوق” يوم الجمعة الماضي حيث امتلأت الميادين بسيول بشرية وتأكيد على ما أكده القائد: إمَّا أن يكون الخيار هو الحُرِّيَّة، والكرامة، والعزَّة… وإمَّا أن يكون الخيار الآخر هو القبول بالخنق، بالإذلال”. وتوعد بأن “كل المنشآت النفطية السعودية، والمنشآت الحيوية هي هدف لصواريخنا وطائراتنا المسيَّرة”، إذا “ورَّط نفسه في العدوان الشامل على بلدنا”. وختم بقوله: “نفسي فداءٌ لكم يا شعبي العزيز، روحي لله، وحياتي لله في خدمتكم، وبأن لا تظلموا، أن لا تهانوا، أن لا تقهروا، أن لا يستعبدكم أي طاغية في هذه الدنيا، أنا فداء لكم، لعزتكم، لكرامتكم، لأن تكونوا أحرارًا، لا تخضعون إلَّا لله”.

خاتمة

لقد تمكن السيد القائد من رسم خريطة واضحة لطبيعة الصراع، محدداً محور الشر الصهيوني-الأمريكي، وفاضحاً دور الأنظمة المتواطئة وعلى رأسها النظام السعودي، ومؤكداً على ثبات محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران، ومناصرة الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني. كما جسد الخطاب إرادة شعب يمني عزيز لا يقبل الذل، يواجه الحصار الشامل بإيمان راسخ وثبات عظيم، محذراً من أن أي تصعيد سعودي جديد سيلقى تصعيداً شاملاً، وأن معادلة الحصار بالحصار والعدوان بالعدوان هي المعادلة الحاكمة للمرحلة المقبلة. ويبقى الخطاب شاهداً على أن المعركة اليوم هي معركة وجود وأن الخيار بين العزة بالإيمان والذل بالاستسلام ليس خياراً ممكناً لشعب حرٍّ آمن بالله ورسوله.

 

قد يعجبك ايضا