بعد التفويض الشعبي.. إعلان القوات المسلحة اليمنية يرسم ملامح مرحلة جديدة في معادلة المواجهة
الحقيقة ـ جميل الحاج
تشهد الساحة اليمنية تطوراً سياسياً وعسكرياً متسارعاً، يأتي هذا بعد إعلان القوات المسلحة اليمنية أنها ستصدر بياناً مهماً يوم غد يتضمن موقفاً حسب ما نشرة المتحدث الرسمي العميد يحيى سريع بأنه يليق بتطلعات شعبنا العظيم.
ويأتي هذا الإعلان في وقت حساس بعد سلسلة من المؤشرات والتطورات العسكرية التي رسمت ملامح مرحلة جديدة، بدءاً بخطاب السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ مروراً بالمسيرات المليونية التي شهدتها العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة، ووصولاً إلى التحركات الأممية والإقليمية الهادفة لاحتواء أي تصعيد محتمل بين صنعاء والرياض.
ولا يُنظر إلى إعلان القوات المسلحة باعتباره حدثاً منفصلاً، بل يُقرأ في سياق متكامل يجمع بين الخطاب السياسي، والحشد الشعبي، والرسائل العسكرية، والتحركات الدبلوماسية، بما قد تنتقل هذه المرحلة والأزمة إلى مرحلة قد تشهد قرارات أكثر حسماً في التعامل مع ملف الحصار والحقوق السيادية، وانتزاعه حقوق الشعب اليمني انتزاعا من العدو السعودي.
في خطابه يوم الخميس، وضع السيد القائد معادلة واضحة تكشف وتربط الإرادة الشعبية والقرار القادم، عندما دعا الشعب اليمني إلى الخروج في مسيرات “جمعة التحذير والنفير”، مؤكداً أن المشاركة الجماهيرية تمثل تعبيراً عن الحرية والكرامة، وأن ما بعد الخروج سيكون لنا موقف وخيار وقرار يعبر عن توجه هذا الشعب.
وقد اعتبر مراقبون هذه الدعوة بمثابة استفتاء شعبي يمنح القيادة تفويضاً لاتخاذ ما تراه مناسباً في مواجهة استمرار الحصار والتدخلات الخارجية في السيادة اليمنية، خصوصاً أن الخطاب ربط بشكل مباشر بين حجم المشاركة الشعبية في الساحات وبين المواقف الذي ستتخذه القيادة اليمنية في المرحلة المقبلة.
وجاءت الاستجابة الجماهيرية واسعة، حيث شهدت صنعاء والمحافظات الحرة مسيرات مليونية لا مثيل لها ولم يسبق لها مثيل رفعت فيها شعارات تؤكد رفض استمرار الحصار والتدخل الخارجي، وتعلن الوقوف خلف خيارات القيادة السياسية والعسكرية، باعتبار أن قضية الموانئ والمطارات والثروات الوطنية تمثل قضية سيادة لا يمكن التنازل عنها.
الإعلان الصادر عن القوات المسلحة اليمنية اكتسب أهمية إضافية لأنه جاء بعد أقل من يومين من الخطاب الذي تحدث فيه عن الموقف والخيار والقرار، الأمر الذي دفع كثيراً من المراقبين إلى الربط بين الإعلان العسكري وبين مخرجات الحراك الشعبي والسياسي.
ويعكس توقيت البيان المرتقب وجود تنسيق واضح بين المسار السياسي والعسكري، بحيث يظهر القرار القادم باعتباره تعبيراً عن إرادة شعبية أعلنت عنها المسيرات المليونية، وليس مجرد خطوة عسكرية منفصلة.
كما يحمل الإعلان رسائل إلى الأطراف الإقليمية والدولية بأن القيادة اليمنية في صنعاء تعتبر أن المرحلة الحالية تختلف عن المراحل السابقة، وأن استمرار القيود المفروضة على الموانئ والمطارات والثروات لم يعد قابلاً للاستمرار، وأن ذلك لن يقبل به الشعب اليمني وقيادته.
ركز خطاب السيد القائد بصورة لافتة على ملف الحصار باعتباره ملف أنساني وسيادي، باعتباره القضية المركزية في المرحلة الراهنة، مؤكداً أن النظام السعودي لا يمتلك أي حق في التحكم بالموانئ والمطارات أو الثروة النفطية اليمنية.
وأشار إلى أن حرمان اليمن من الاستفادة من موارده الطبيعية يمثل سبباً مباشراً في استمرار المعاناة الاقتصادية والإنسانية، وأن استمرار هذا الواقع يعني إطالة أمد الأزمة، في حين أن تنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقاً بشأن خارطة الطريق كفيل بفتح الباب أمام مسار أكثر استقراراً.
ومن خلال هذا الطرح، تبدو الرسالة واضحة بأن أي موقف مرتقب لن ينفصل عن المطالبة بإنهاء الحصار واستعادة الحقوق السيادية، باعتبارهما المدخل الحقيقي لأي تسوية سياسية مستدامة.
في موازاة التصعيد السياسي التي أتت عقب المناورة العسكرية الأخيرة، شهدت الأيام الماضية نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً، حيث عاد المبعوث الأممي إلى اليمن، غروندبرغ، إلى مسقط بعد سلسلة لقاءات أجراها في الرياض مع مسؤولين سعوديين وسفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.
وركزت المشاورات على ضرورة خفض التصعيد والحفاظ على المسار السياسي والبناء على المكاسب التي تحققت منذ هدنة عام 2022، بما في ذلك خارطة الطريق التي تم التوافق عليها بوساطة عمانية، حسب ما نشر حساب المبعوث الأممي في أكس.
وتشير هذه التحركات إلى وجود إدراك دولي بأن المنطقة تقف أمام احتمال دخول مرحلة أكثر تعقيداً إذا لم يتم التعامل مع المطالب المتعلقة بالحصار والحقوق الاقتصادية، وهو ما يفسر تسارع الجهود الرامية إلى منع تحرك القوات المسلحة لانتزاع الحقوق اليمينية.
خلال المسيرات المليونية، حملت الشعارات والبيان الموحد الصادر عن المسيرات عنها رسائل تؤكد الجهوزية للدفاع عن السيادة الوطنية، ورفض أي استمرار للحصار أو التدخل الخارجي، مع التأكيد على أن الشعب يقف خلف الخيارات التي ستتخذها القيادة.
كما أعادت تلك الرسائل التذكير بأن أي تصعيد جديد ستكون له تداعيات أوسع من السابق، في ظل ما تؤكد صنعاء أنه تطور في قدراتها العسكرية، واستعدادها لاستخدام وسائل الردع إذا استمرت القيود المفروضة على الشعب اليمني.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى البيان المرتقب للقوات المسلحة باعتباره حلقة ضمن مسار تصاعدي بدأ بالخطاب الثوري، ثم الحشد الشعبي، وصولاً إلى الإعلان العسكري الذي قد يحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
تجمع المؤشرات السياسية والميدانية على أن اليمن يقف أمام لحظة مفصلية، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الجهود السياسية والدبلوماسية، فمن جهة، تؤكد القيادة أن استمرار الحصار وحرمان اليمنيين من حقوقهم السيادية لم يعد خياراً مقبولاً، ومن جهة أخرى تتواصل الوساطات الدولية والإقليمية للحفاظ على فرص الحل السياسي.
وبين هذين المسارين، يكتسب إعلان القوات المسلحة المرتقب أهمية استثنائية، ليس فقط لكونه إعلاناً عسكرياً، بل لأنه يأتي بعد خطاب حدد ملامح المرحلة المقبلة، وبعد حراك جماهيري واسع اعتُبر تعبيراً عن الموقف الشعبي، وفي ظل تحركات أممية تسعى إلى تجنب السعودية والمنطقة من ضربات يمنية.
وعليه، فإن البيان المنتظر يبدو أقرب إلى محطة فاصلة ستحدد اتجاه المرحلة القادمة، سواء من خلال تثبيت مسار سياسي يستند إلى تنفيذ الالتزامات المتعلقة برفع الحصار والحقوق السيادية، أو من خلال الانتقال إلى التصعيد العسكري وانطلاق عمليات عسكرية يمنية ضد المنشاءات النفطية والاقتصادية السعودية.