الصماد.. مدرسة السيادة وهندسة الصمود: “يدٌ تحمي.. ويدٌ تبني” تجربة حياة أمة
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
في لحظة من أدق اللحظات التاريخية التي مر بها اليمن، وبينما كانت السماء ساحة مفتوحة لغارات العدوان السعودي الأمريكي، والأرض محاصرة بآلة الحرب والجوع، برز الشهيد الرئيس صالح علي الصماد كقائد استثنائي لم يأتِ ليتصدر المشهد السياسي فحسب، بل ليصيغ نظرية وجودية يمنية حديثة.
تولى الصماد رئاسة المجلس السياسي الأعلى في اليمن في اختبار كينونة حاسم، فكان “رجل المرحلة” الذي لم يحتمِ بأسوار القصور، بل اختار أن يكون مرجعية للموقف، وقائداً يستلهم بصيرته من أنات الشعب وتطلعاته نحو السيادة.
لم تكن قيادة الرئيس الصماد نتاج طموح سياسي تقليدي، بل كانت تجسيداً لـ “الوعي القرآني” الذي شكل نواة شخصيته.
لقد انطلق في رؤيته السياسية من فهم إيماني يميز بوضوح بين مساري الحق والباطل، محولاً القيم القرآنية التي تعلمها من المشروع القرآني “دليل عمل” في إدارة شؤون الدولة.
كان خطابه يعكس روحية المجاهد وزهد العارف، وهو ما أكده السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ بوصفه نموذجاً راقياً في أداء المسؤولية، تحلى بالنزاهة والتواضع.
ويذكر التاريخ شهادة مفتي ديار تعز، العلامة الراحل سهيل بن عقيل، الذي قال في حضرة الصماد: “والله يا سيادة الرئيس لا نقولها مجاملة، لقد تكلمت حتى لم تترك لنا ما نتحدث به بعدك”.
لقد كان عالماً حين يتحدث في الدين والثقافة القرآنية، وقائداً ملهماً حين يخاطب ضباط الجيش، وصوتاً منصفاً حين يتحدث عن كرامة المرأة.
أدرك الشهيد الصماد مبكراً أن “الجبهة الداخلية” هي الحصن الأخير للقرار الوطني. عمل بكل ثقله على تعزيز الاصطفاف الوطني وترسيخ مناخ الشراكة مع كافة المكونات السياسية.
لم يكن يرى في التباينات عائقاً، بل أدارها بروح وطنية تضع “معركة السيادة” فوق كل اعتبار.
جسد الصماد لغة تجمع ولا تفرق، محولاً التحديات إلى مساحة تلاحم شعبي، كانت رؤيته تقوم على أن تماسك الداخل هو الذي يغلق منافذ الابتزاز الخارجي، وهو ما جعل من فترة رئاسته حقبة من الاستقرار السياسي النسبي رغم ضراوة العدوان العسكري على اليمن.
في عهد الصماد، لم تعد القوات المسلحة اليمنية مجرد قوة دفاعية كلاسيكية، بل شهدت نقلة نوعية تمثلت في التوجه المنظم نحو التصنيع الحربي الذاتي، تحت إشرافه المباشر، وُضعت اللبنات الأولى لتطوير الطائرات المسيرة والمنظومات الباليستية التي غيرت موازين القوى.
كان الصماد يرى في “امتلاك القوة” ضرورة قصوى لحماية القرار الوطني، لم تكن الصواريخ بالنسبة له مجرد أداة حرب، بل كانت “ضمانة سيادة” استطاعت أن تفرض معادلة الردع وتحمي المكتسبات الوطنية من الضياع، مؤكداً أن اليمن الذي يمتلك قراره يجب أن يمتلك سلاحه.
بالتوازي مع أصوات الغارات الجوية واحتدام المعارك في الجبهات، أطلق الصماد مشروعه الخالد “يدٌ تحمي.. ويدٌ تبني”.. كان يدرك بوعيه الثاقب أن “الحرب الاقتصادية” التي شنتها قوى العدوان، عبر نقل البنك المركزي وحصار الموانئ، لا تقل خطورة عن الغارات الجوية.
محاور الرؤية الاقتصادية للصماد:
ـ النهضة الزراعية: دعا إلى تحويل محافظة الحديدة والمناطق الخصبة إلى سلة غذاء لليمن، مشدداً على أن “الاكتفاء الذاتي” هو السبيل الوحيد للعيش بكرامة واستقلال.
ـ حماية الثروات السيادية: وجه بدراسة إلغاء تصاريح الصيد الأجنبي وحماية المياه الإقليمية من النهب، مع دعوة القطاع الخاص للاستثمار الوطني المباشر.
ـ الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد: كانت كلمته الشهيرة “المسؤول الذي يشتري أرضاً أو بيتاً.. اكتبوا في جبينه سارق” صرخة هزت عروش الفاسدين، مرسياً معايير النزاهة في الوظيفة العامة.
ارتبط اسم الصماد بالوجود الدائم في الجبهات، فلم تكن إدارة الدولة بالنسبة له تعني المكاتب المغلقة، بل كانت “متابعة الجبهات” ركناً أساسياً في جدول أعماله اليومي. كان يخاطب المرابطين قائلاً: “نحن لم نأتِ لنرفع معنوياتكم، بل نحن من يستمد المعنويات منكم”.
لقد جعل من التواصل مع “رجال الله” في الجبهات رسالة عملية بأن القيادة تسير في نفس الطريق الذي يسير فيه المجاهد في الخنادق والارتاب.
هذا الالتصاق بالواقع منحه قدرة فائقة على الموازنة بين مقتضيات المواجهة العسكرية وضرورات الحياة المعيشية للمواطنين.
لم يكن اغتيال الرئيس الصماد في أبريل 2018 وفي مثل هذه الأيام وفق التاريخ الهجري بمحافظة الحديدة مجرد عملية عسكرية، بل كان استهدافاً مباشراً من قبل الإدارة الأمريكية لـ “مشروع بناء الدولة” الذي كان الصماد حامله الأول.
كما أكد السيد القائد عبد الملك الحوثي ـ يحفظه الله ـ فإن النظام السعودي تحمل المسؤولية كواجهة، لكن القرار والتنفيذ كانا بتخطيط ورعاية أمريكية كاملة لإيقاف النهضة التي بدأها هذا الرجل.
رحل الشهيد الرئيس صالح الصماد وهو لا يملك لأولاده منزلاً، مجسداً أسمى معاني الزهد والنزاهة، تركاً خلفه إرثاً من المواقف التي تؤكد أن اليمن يمضي نحو المجد حين يقوده رجال أوفياء..
ثوابت مدرسة الصماد:ـ السيادة المطلقة: القرار اليمني يجب أن يصنع في صنعاء، لا في عواصم الوصاية ـ الاعتماد على الذات: في الغذاء، الدواء، والسلاح.
إن ذكرى استشهاد صالح الصماد ليست مجرد مناسبة للبكاء على رحيل قائد، بل هي محطة لاستلهام الثبات، وسيبقى مشروع “يدٌ تحمي ويدٌ تبني” هو البوصلة التي تهتدي بها الأجيال، مؤكدة أن دماء الشهيد الرئيس قد أنبتت في كل شبر من أرض اليمن عزةً، وفخراً، وإرادةً لا تلين.