السعودية أمام الفخ اليمني مجددًا
من المفترض أن تكون حرب اليمن بالنسبة إلى السعودية مرحلة أغلقتها دون رغبة في العودة إليها. ثماني سنوات من المواجهة كانت كافية لتدرك الرياض أن الحرب التي دخلتها على أساس الحسم السريع تحولت إلى واحدة من أكثر جبهات المنطقة استنزافًا لها.
لكن بعد سنوات من خفض التصعيد، تجد السعودية نفسها أمام خطر العودة إلى المربع نفسه، بقرار أمريكي وفي ظروف أصبحت فيها كلفة المواجهة أكبر بكثير مما كانت عليه عند بدايتها.
فبعد المواجهة المباشرة التي خاضتها الولايات المتحدة و”إسرائيل” وبريطانيا ضد اليمن، يطرح السيد عبد الملك الحوثي احتمال أن تكون المرحلة المقبلة قائمة على دفع السعودية مجددًا إلى الواجهة.
وبحسب ما أعلنه، فإن واشنطن وحلفاءها، بعدما أخفقوا في وقف العمليات اليمنية وإخضاع صنعاء بالقوة المباشرة، يحاولون نقل المواجهة إلى طرف إقليمي سبق أن خاض الحرب نفسها لسنوات.
وفي هذا المسار، ستكون السعودية أمام معضلة. فهي تحاول منذ سنوات تقديم نفسها كدولة خرجت من مرحلة الحروب المفتوحة، فيما وضعت مشروعها الاقتصادي في سلم أولوياتها، وهو مشروع يحتاج قبل كل شيء إلى الاستقرار وجذب الاستثمارات. لكن العودة إلى الحرب في اليمن ستضع كل ذلك أمام الخطر، والسعودية اختبرت بنفسها ما يمكن لهذه الحرب أن تفعله بأمنها واقتصادها.
والمشكلة الأكبر بالنسبة إلى السعودية أن العودة، إن حصلت، لن تكون إلى الحرب نفسها التي بدأت عام 2015.
فاليمن الذي واجهته آنذاك تغير، وقدرات القوات المسلحة اليمنية توسعت، ووصلت المواجهة خلال السنوات الأخيرة إلى البحر الأحمر و”إسرائيل” والقوات الأمريكية نفسها. كما أن المعادلة التي أعلنها السيد عبد الملك هذه المرة كانت واضحة: «المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار».
فهل ستعود السعودية إلى فخ احتاجت سنوات للخروج منه؟ فالمواجهة المباشرة مع اليمن أصبحت مكلفة بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، ونقل العبء إلى السعودية قد يخفف عنهم جزءًا من هذه الكلفة. لكن ما تريده واشنطن من الرياض شيء، وما يمكن أن تتحمله السعودية في حرب جديدة شيء آخر.
إذا كانت واشنطن تريد إعادة السعودية إلى المواجهة، فإن السبب الأول يرتبط بما جرى في الجولات السابقة. فقد دخلت الولايات المتحدة وبريطانيا المواجهة المباشرة مع اليمن بهدف وقف العمليات في البحر الأحمر، ثم دخلت “إسرائيل” على خط المواجهة بضربات استهدفت منشآت مدنية وموانئ ومطار صنعاء.
ومع ذلك، لم تؤدِ هذه العمليات إلى إنهاء قدرة القوات المسلحة اليمنية على إطلاق الصواريخ أو فرض معادلتهم في البحر، فيما تحولت حماية السفن والقوات المنتشرة في المنطقة إلى مهمة عسكرية مكلفة ومفتوحة على احتمالات التصعيد. فيما اضطرت حاملات طائرات أمريكية إلى مغادرة البحر الأحمر.
وبحسب ما طرحه السيد عبد الملك الحوثي، فإن مؤشرات التصعيد لا تبدأ بالضرورة من عودة الطائرات السعودية إلى قصف صنعاء. فالحصار نفسه كان طوال سنوات الحرب جزءًا من أدوات المواجهة، والتحكم بحركة الموانئ والمطارات والثروة النفطية شكّل وسيلة ضغط لا تقل تأثيرًا عن العمليات العسكرية. ولذلك فإن ما يجري في هذه الملفات اليوم يُقرأ في صنعاء باعتباره اختبارًا للنوايا السعودية، ومؤشرًا إلى المسار الذي يمكن أن تتجه إليه المرحلة المقبلة.
فمرحلة خفض التصعيد كان يفترض أن تنعكس أولًا على حياة اليمنيين. لكن الملفات الأساسية بقيت معلقة، من مطار صنعاء والموانئ إلى النفط والغاز، فيما استمرت القيود التي ترفع كلفة دخول بعض الواردات، بحسب ما جاء في الخطاب، إلى مستويات تصل إلى أربعة أضعاف ثمنها الحقيقي. فإذا كانت الحرب قد توقفت عسكريًا، فلماذا بقيت أدوات الحصار قائمة؟
هذا الوضع يجعل التهدئة نفسها هشة. فبالنسبة إلى القوات المسلحة اليمنية، لا يمكن التعامل مع توقف الغارات باعتباره سلامًا فيما تبقى حقوق اليمنيين الأساسية خاضعة للضغط السياسي. كما أن صنعاء لم تعد مستعدة، بعد التحول الذي طرأ على موقعها العسكري والإقليمي، للعودة إلى المعادلة القديمة التي كانت تسمح بفرض القيود والحصار عليها دون كلفة.
ومن هنا جاءت المعادلة التي أعلنها السيد عبد الملك. كإعلان عن انتهاء المرحلة القائمة مع استمرار خروقات العدو. فإذا كان مطار صنعاء سيُستخدم أداةً للضغط، فإن صنعاء تقول مسبقًا إن البنية الحيوية للسعودية لن تبقى خارج المعادلة.
وأشار السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي خلال خطابه إلى الدور الذي لعبته السعودية خلال المواجهة اليمنية مع الاحتلال. حيث تم رصد تعاون استخباري بين الجهتين، كذلك نشاط لخلايا مشتركة سعودية أمريكية وبريطانية، شملت استخدام الأراضي السعودية في عمليات استطلاع، فضلًا عن مساهمة الموانئ السعودية في نقل بضائع إلى الاحتلال للتخفيف من أثر الحصار البحري اليمني. وكل هذه المعطيات تعكس حجم الانخراط السعودي، لذلك فإن الرياض لم تكن خارج المواجهة خلال مرحلة خفض التصعيد، وإنما بقيت جزءًا منها بصورة غير مباشرة.
وهنا تصبح محاولة دفع السعودية إلى الواجهة امتدادًا لدور قائم أكثر من كونها بداية لدور جديد. فالولايات المتحدة و”إسرائيل” تحتاجان إلى تحييد الجبهة اليمنية بعدما أثبتت قدرتها على التأثير في واحدة من أهم طرق التجارة العالمية، وربطت عملياتها بالحرب على غزة، وواصلت المواجهة رغم الضربات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية. وبعد تعذر تحقيق هذا الهدف بالقوة المباشرة، يصبح الانتقال إلى الضغط عبر الجوار أحد الخيارات المتاحة.
لكن ما تحاول واشنطن تجاهله هو أن سنوات الحرب السابقة غيّرت ميزان الردع. فصنعاء التي كانت تدافع عن أراضيها أمام تحالف واسع أصبحت اليوم قادرة على فرض حضورها في البحر الأحمر والوصول إلى عمق الاحتلال ومواجهة القوات الأمريكية.
وهذا ما يجعل انزلاق السعودية أكثر فأكثر في وحل اليمن خطراً هذه المرة.
كما أن ليس هناك أي مصلحة سعودية في هذه المواجهة. فصنعاء لم تفتح خلال السنوات الماضية جبهة ضد الرياض، بل وجهت عملياتها نحو إسناد غزة ومواجهة الاحتلال، ثم دخلت في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وبريطانيا عندما حاولتا وقف هذه العمليات.
وإذا كانت السنوات الماضية قد دفعت السعودية إلى إعادة النظر في سياسة المواجهة المفتوحة مع اليمن، فإن قبولها اليوم بالعودة إلى أدوات الحصار والضغط يعني أنها لم تستفد من التجربة السابقة. كما سيضع ذلك علامات استفهام حول المساحة التي حاولت الرياض بناءها بعيدًا عن القرارات الأمريكية، خصوصًا بعدما أظهرت الحرب على إيران أن الارتباط بالمظلة الأمريكية يجعل حلفاء واشنطن جزءًا من كلفة حروبها حتى عندما لا تكون هذه الحروب من أولوياتهم.
إذا قامت السعودية بشن عدوان جديد على اليمن، ستكون واشنطن قد نجحت في نقل جزء من عبء مواجهتها إلى حليفها، لكن الرياض ستكون قد عادت بإرادتها إلى الفخ الذي احتاجت ثماني سنوات حتى تدرك أن لا انتصار ينتظرها في داخله.
الكاتب: زهراء نعيم