المشروع القرآني.. رؤية نهضوية لإعادة بناء الإنسان والأمة
قراءة صحفية في ورقة “الأسس والمنطلقات الرئيسية في المشروع القرآني”
في ظل التحولات العميقة التي تمر بها الأمة الإسلامية، ومع تصاعد التحديات الفكرية والسياسية والثقافية، تبرز الحاجة الملحّة إلى مشاريع فكرية قادرة على إعادة بناء الوعي واستعادة البوصلة, وفي هذا السياق، تأتي الورقة البحثية التي قدمها الباحث محمد محمد الدار ضمن فعاليات مهرجان شهيد القرآن رضوان الله عليه، التي تقيمها مؤسسة الشهيد زيد علي مصلح؛ لتسلّط الضوء على الأسس الفكرية والمنطلقات الكبرى لما يُعرف بـ«المشروع القرآني».
الورقة لا تتعامل مع المشروع القرآني بوصفه خطابًا دينيًا تقليديًا، بل تقدمه كـمشروع تغييري شامل، يسعى إلى بناء الإنسان، وإصلاح المجتمع، واستعادة دور الأمة الحضاري، انطلاقًا من القرآن الكريم كمرجعية عليا ومنهج حياة متكامل.
الإيمان بالله.. نقطة الانطلاق
تؤكد الورقة أن الإيمان بالله يشكل الأساس الجوهري الذي يقوم عليه المشروع القرآني، ليس باعتباره اعتقادًا ذهنيًا مجردًا، بل كمنطلق عملي ينعكس على الفكر والسلوك والموقف.
فالإيمان – وفق الرؤية التي يطرحها المشروع – يضبط مصادر المعرفة، ويحوّل العلاقة مع الله إلى التزام عملي، ويؤسس لثقة عميقة بالله ووعده ونصره، بما يمنح الإنسان قدرة نفسية وروحية على الصمود والعمل في أصعب الظروف.
القرآن مرجعية لا تُزاحم
وتنتقل الورقة إلى التأكيد على مرجعية القرآن الكريم، معتبرة أن أزمة الأمة المعاصرة هي في جوهرها أزمة منهج، نتجت عن إقصاء القرآن من موقعه الطبيعي كقائد للحياة.
ويعيد المشروع القرآني – كما توضّح الورقة – الاعتبار للقرآن بوصفه مصدر الهداية والمعرفة والتشريع، وحَكمًا على الثقافات الوافدة والنظم الوضعية، مع الإيمان بأن آياته تمثل حقائق ثابتة لا تخضع للمساومة أو التوظيف الانتقائي.
الولاية.. تحصين الهوية والقرار
وتتناول الورقة مبدأ الولاية باعتباره أحد أهم ركائز المشروع القرآني، حيث تُطرح الولاية وفق المفهوم القرآني كعلاقة هداية وقيادة، لا مجرد انتماء شكلي.
وترى الورقة أن الارتباط بولاية الله ورسوله والمؤمنين يشكل صمام أمان يحمي الأمة من الارتهان لأعدائها، ويمنحها وضوحًا في القيادة والموقف، خاصة في زمن تتزايد فيه مشاريع التطبيع والتبعية.
من الإيمان إلى المسؤولية
ولا يقف المشروع القرآني عند حدود التنظير، بل يحمّل الأمة مسؤوليات عملية واضحة، في مقدمتها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة العدل، ومواجهة الفساد، ونصرة المستضعفين، والجهاد في سبيل الله.
وتؤكد الورقة أن الإيمان الحقيقي هو الذي يترجم إلى فعل، وأن أي مشروع لا يتحول إلى حركة في الواقع يفقد قيمته التاريخية.
الأمة والوحدة.. شرط النهوض
وتولي الورقة أهمية خاصة لمبدأ الأمة والوحدة، معتبرة أن التغيير والإصلاح لا يمكن أن يتحققا في ظل التشرذم والانقسام.
فالمشروع القرآني يدعو إلى العمل الجماعي المنظم، وتجاوز الحواجز المصطنعة، وتوحيد الرؤى والمواقف في القضايا المصيرية، باعتبار الوحدة مصدر القوة والمنعة والاستقرار.
القيم قبل الشعارات
وتشدد الورقة على أن المشروع القرآني مشروع مبدئي قيمي، تحكمه منظومة أخلاقية واضحة، في مقدمتها: الحق، والعدل، والكرامة، والاستقامة، والأمانة، والحرية المسؤولة.
وترى أن هذه القيم يجب أن تكون ضابطًا للسلوك والسياسات، لا مجرد شعارات تُرفع عند الحاجة.
شمولية العمل والجهاد
وتطرح الورقة مفهومًا واسعًا للجهاد، باعتباره جهدًا شاملًا يشمل الكلمة، والتربية، والإعلام، والثقافة، والإعداد، إلى جانب المواجهة العسكرية عند الحاجة.
وتحذر من اختزال العمل في مجال واحد، مؤكدة أن النجاح مرهون بتكامل الأدوار وترابط المسارات.
مشروع إنساني عالمي
وفي ختامها، تؤكد الورقة أن المشروع القرآني ليس مشروعًا محليًا أو فئويًا، بل رؤية إنسانية عالمية، تخاطب الإنسان حيثما كان، وتسعى إلى تقديم نموذج حضاري قائم على العدل والكرامة والوعي.
خلاصة
تقدم ورقة «الأسس والمنطلقات الرئيسية في المشروع القرآني» قراءة عميقة لمشروع فكري نهضوي، يسعى إلى إعادة الاعتبار للقرآن كقائد للحياة، وإلى بناء إنسان واعٍ، وأمة موحدة، قادرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.