خريف “الوكلاء” وعزلة “المغامرة”: أبوظبي في مواجهة إعصار الردع الإقليمي وتحالفات الضرورة
لم تعد التحركات الإماراتية في المنطقة مجرد “طموح جيوسياسي” عابر، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى نقطة ارتكاز لأزمات متلاحقة بدأت تضيق الخناق على صانع القرار في أبوظبي. فبعد سنوات من العمل في “المناطق الرمادية”، تواجه دولة الإمارات اليوم عزلة متسارعة الجرعات، مدفوعةً بانكشاف أدوارها في رعاية الميليشيات العابرة للحدود، وبناء شبكات مسلحة موازية للدول، وتعميق تحالفات أمنية مع الكيان الصهيوني تضرب في صميم الأمن القومي العربي.
ساحات مكشوفة: من اليمن إلى السودان.. عبث بالخرائط
تؤكد المعطيات المتقاطعة من أكثر من ساحة صراع أن الاتهامات الموجهة لأبوظبي لم تعد حبيسة السجالات الإعلامية، بل تحولت إلى “قرائن ميدانية” دامغة.
في اليمن، مثّل الدعم الإماراتي الصريح للمشاريع الانفصالية طعنة في خاصرة فيما سمي بـ “التحالف” مع السعودية، حيث رأت الرياض في هذه التحركات تهديداً مباشراً في نشر فوضى تهدد حدودها الجنوبية، مما حوّل العلاقة من “تنسيق عسكري” إلى “مواجهة سياسية باردة” أعادت تعريف موازين القوى في شبه الجزيرة العربية.
أما في السودان، فقد انقشع الضباب عن مشهد شديد الخطورة؛ حيث برز اصطفاف (سعودي – تركي) غير مسبوق لدعم مؤسسات الدولة السودانية في وجه قوى مسلحة تتلقى مدداً مباشراً من أبوظبي.
هذا الاصطفاف نابع من قناعة استراتيجية بأن تفكيك السودان سيفجر برميل بارود يمتد أثره من البحر الأحمر إلى أعماق القرن الإفريقي، وهو ما لا يمكن للقوى الإقليمية الكبرى السماح به.
التحالف مع (إسرائيل): مظلة حماية أم فخ عزلة؟
في الوقت الذي تحاول فيه أبوظبي تسويق تحالفها مع الكيان الصهيوني كـ “شراكة سلام”، يرى المراقبون أن هذا التحالف تجاوز الأبعاد الاقتصادية ليصبح “عقيدة أمنية” مشتركة تعتمد على تقنيات المراقبة والاستخبارات الصهيونية للتدخل في الساحات العربية الحساسة.
هذا التموضع لم يوفر لأبوظبي الحماية المنشودة، بل ضاعف منسوب الريبة لدى جيرانها، وصنفها كلاعب يسعى للإخلال بموازين الأمن القومي لصالح أجندات دخيلة على المنطقة.
محور الردع الجديد: التكنولوجيا العسكرية تعيد رسم القواعد
في مقابل التراجع الإماراتي، يبرز صعود واثق للاعبين الإقليميين الذين استثمروا في “صناعة الردع”.
تتقدم تركيا بخبراتها العملياتية وطائراتها المسيّرة التي غيرت قواعد الاشتباك، وإلى جانبها باكستان بعمقها العسكري النوعي.
هذا التكتل (غير المعلن) أوجد إطاراً لرفع “كلفة العمل بالوكالة”، وبعث برسالة حازمة مفادها أن زمن فرض الوقائع بقوة المال أو الميليشيات قد ولى.
مفترق الطرق الحرج
تجد أبوظبي نفسها اليوم أمام استحقاق تاريخي مرّ؛ فالمسارات التي اختطتها لنفسها في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، عبر الموانئ المشبوهة والقواعد غير الشفافة، اصطدمت بجدار الصد السيادي للدول الكبرى في المنطقة.
الخلاصة: إن استمرار الإمارات في نهج “الدول الموازية” والارتهان للتحالف الأمني مع (إسرائيل) لن يقودها إلا إلى مزيد من الانكفاء.
وأمامها خياران لا ثالث لهما: إما العودة إلى كنف الإجماع الإقليمي واحترام سيادة الدول، أو الاستمرار في مقامرة سياسية ستجعل من عزلتها الراهنة “واقعاً مستداماً” في ظل نشوء تكتل إقليمي مضاد، أكثر تماسكاً، وأعلى قدرة على الردع، وأقل استعداداً للمجاملة.