النفط والموانئ في قلب المعركة: سباق سعودي إماراتي نحو الهيمنة على الشرق اليمني
أبوظبي تتقدم والرياض تتراجع: صراع الحلفاء يتحول إلى معركة نفوذ مفتوحة
مشروع التقسيم يتمدد: الإمارات تحسم المعركة والرياض تفقد أوراقها الثقيلة
الحقيقة ـ جميل الحاج
تعيش محافظة حضرموت شرق اليمن مرحلة فارقة من تاريخها الحديث، إذ تتسارع فيها الأحداث بشكل دراماتيكي يعيد تشكيل خارطة السيطرة والاحتلال والنفوذ في المحافظات الشرقية الغنية بالثروات النفطية والموانئ الاستراتيجية.
فالصراع المحتدم بين الأدوات المحلية الموالية لكلٍّ من السعودية والإمارات، لم يعد مجرد تنافس نفوذ، بل تحوّل إلى مواجهة مفتوحة تتغير فيها المعادلات بسرعة قياسية، في ظل انهيار مشروع الرياض وسعي أبوظبي لترسيخ احتلال عسكري مباشر عبر أذرعها المسلحة.
زيارة الوفد السعودي ومحاولة ضبط الإيقاع
وفي محاولة لضبط الإيقاع أتت زيارة وفد سعودي رفيع إلى حضرموت جاءت في لحظة حرجة، في محاولة متأخرة لاحتواء الانهيار المتسارع لفصائل المرتزقة المسلحة الموالية له، لضبط إيقاع الصراع بين ميليشيات “الانتقالي” المدعوم إماراتياً والميلشيا التابعة لحزب الإصلاح.
ورغم أن الرياض سعت لتقديم نفسها كصاحبة القرار، إلا أن التطورات الميدانية كشفت هشاشة نفوذها مقارنة بالتحرك الإماراتي السريع والمنسق.
وفي خطوة غير مسبوقة، سيطرت قوات ما يسمي بـ “المجلس الانتقالي الجنوبي” على مطار سيئون بعد اقتحام المدينة من عدة محاور.. وتحت عنوان “معركة تحرير وادي وصحراء حضرموت المستقبل الواعد”، بسطت ميلشيا “الانتقالي” سيطرتها على القصر الجمهوري ورفعت علم الانفصال بدلاً من علم الجمهورية اليمنية، في مشهد اعتُبر إعلاناً عملياً لسقوط المنطقة العسكرية الأولى دون مقاومة.
ومع التقدم السريع لقوات الانتقالي، تمت السيطرة على ما يسمي بـ ” مقر قيادة المنطقة العسكرية الأولى”، واغتنام عشرات الدبابات والأسلحة الثقيلة، إضافة إلى السيطرة على مجمع الدوائر الحكومية ومعسكري القطن والخشعة 37 ونقطة الوهد. وفي تطور لافت، أعلنت كتيبة من فصائل الحضارم والجنوبيين انضمامها لـ “لانتقالي”، ما شكّل ضربة معنوية إضافية لما تبقى من نفوذ الإصلاح.
الإمارات تكرس هيمنتها النفطية
في الوقت الذي كان “الانتقالي” يفرض سيطرته على وادي حضرموت، كانت قوات “النخبة الحضرمية” الموالية للإمارات تُعيد تموضعها في مواقع الحماية النفطية، وهو ما يشير إلى أن أبوظبي تسعى لوضع اليد على أهم الحقول والمنشآت في الهضبة النفطية، استعداداً لمرحلة تقاسم جديد لموارد اليمن.
وقد تزامنت هذه التحركات مع جولات لقيادات لما يسمي بـ “حلف القبائل” والمدعو قائد قوات حماية حضرموت إلى المواقع العسكرية المحيطة بالحقول النفطية، في محاولة لإعادة ترتيب النفوذ القبلي والعسكري داخل المحافظة.
امتداد الصراع إلى شبوة وسقوط آخر معاقل الإصلاح
لم يقتصر الانهيار على حضرموت، بل امتد إلى شبوة حيث أعلن “الانتقالي” السيطرة الكاملة على معسكر “عارين” في مديرية عرماء، في ضربة مؤلمة للإصلاح الذي خسر أحد أبرز معاقله الواقعة بين شبوة ومأرب.
وسائل إعلام “الانتقالي” تحدثت بوضوح عن أن الوجهة القادمة هي مدينة مأرب، ما يعني احتمال اندلاع جولة جديدة من الصراع بين الإمارات وحزب الإصلاح في عمق مناطق نفوذه المتبقية.
وسائل إعلام الإصلاح اعترفت بسقوط جميع مقراتها في سيئون وهضبة حضرموت، مؤكدة أن قواتها فقدت الاتصال بقياداتها السياسية والعسكرية، وفي مقدمتهم رشاد العليمي ووزير الدفاع الموالي للتحالف.
السعودية: حضور متأخر واتهامات بالخيانة
في محاولة لوقف الانهيار، أرسلت الرياض وفداً عسكرياً ليقنع لما تسمي بـ “قيادة المنطقة العسكرية الأولى” بتسليم مواقعها لميلشيا “درع الوطن” السلفية التي أنشأتها عام 2021.
إلا أن مصادر ميدانية أكدت أن الوفد السعودي لوّح لقادة الإصلاح بخيارين لا ثالث لهما: التسليم أو ترك “الانتقالي” يجتاح الوادي بالكامل.
وسائل إعلام الإصلاح اعتبرت هذه الخطوة “خيانة صريحة”، واتهمت الرياض بالتخلي عن حليفها الأهم، وبمنح الضوء الأخضر للإمارات للسيطرة على حضرموت.
سقوط مشروع الرياض وصعود النفوذ الإماراتي
التطورات المتسارعة تؤكد أن الإمارات تحسم الملف في حضرموت وشبوة لصالحها، فيما تبدو السعودية في موقع المتفرج العاجز عن حماية أدواتها.
هذا التراجع السعودي لم يأت من فراغ، بل نتيجة مسار طويل من التنافس الخفي بين الرياض وأبوظبي على السيطرة على الموانئ والحقول والطرق الاستراتيجية في شرق اليمن.
وبحسب محللين، فإن ما يجري جزء من مشروع أكبر لإعادة رسم خريطة الجنوب اليمني وتجزئته إلى مربعات نفوذ متعددة، تقودها أجندات خارجية تسعى لتثبيت واقع تقسيمي طويل الأمد.
صنعاء تراقب وتستعد
في المقابل، تتابع صنعاء المشهد بهدوء وحذر، وهي تدرك أن ما يجري في حضرموت وشبوة ليس إلا فصلاً جديداً من “مشروع الاستعمار الجديد”، الذي يُراد له أن يضع اليد على الموارد اليمنية تحت لافتات سياسية هشة وأدوات محلية ضعيفة.
وتؤكد مصادر قريبة من صنعاء أن هذه التطورات ستكون جزءاً من الحسابات الاستراتيجية في معركة التحرير الشاملة التي تعتبرها القيادة الوطنية خياراً محتوماً لا مفر منه.
ختاما: مشهد حضرموت اليوم يرسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع جنوب وشرق اليمن، حيث يتراجع النفوذ السعودي أمام تمدد إماراتي منظم، فيما تتلاشى أدوات محلية كانت لسنوات تمثل واجهة النفوذ الخارجي.
وبينما تستمر الانقسامات الداخلية وتضعف الرقابة الوطنية، تتقدم مشاريع التقسيم والاستحواذ على الموارد، في انتظار ساعة حسم قد تجلب معها تغيرات جذرية في ميزان القوى على مستوى اليمن بأكمله.