اليمن بين الاستعمار القديم والاحتلال الحديث: 30 نوفمبر درس التاريخ.. وواجب اللحظة
الحقيقة ـ جميل الحاج
في تاريخ الأمم محطات تُشكّل الذاكرة الجمعية وتحدد اتجاهات الشعوب في طريقها نحو الحرية، بالنسبة لليمنيين، يظل يوم 30 نوفمبر يوم جلاء آخر جندي بريطاني من عدن عام 1967 أحد أبرز هذه المحطات، ليس فقط باعتباره ذكرى استقلال، بل لكونه رمزًا للمقاومة والصمود والوحدة في وجه الاحتلال.
وبينما تحلّ الذكرى اليوم، يجد اليمنيون أنفسهم أمام واقع جديد يراه كثيرون امتدادًا لحقبة استعمارية قديمة، وإن تغيّرت الأسماء والرايات وبقيت الأدوات والأهداف.
بدأ الوجود البريطاني في جنوب اليمن عام 1839 حين سيطرت البحرية البريطانية على عدن تحت ذريعة حماية مصالحها التجارية في البحر الأحمر والمحيط الهندي. وبفضل موقع عدن الاستراتيجي على طريق التجارة العالمية، أصبحت قاعدة بحرية وتجارية محورية في المشروع الإمبراطوري البريطاني.
لم يقتصر الاحتلال على المدينة وحدها، بل توسّع تدريجيًا ليشمل المحميات الجنوبية والسلطنات التي شكّلت في مجموعها ما عُرف لاحقًا بـ”إمارات الجنوب العربي”. اعتمدت بريطانيا على سياسة التقسيم، فدعمت سلطنات متفرقة، وأشعلت خلافات محلية، وأدارت المناطق بأسلوب يسمح باستمرار النفوذ وعدم توحّد القوى اليمنية ضدها.
من جبال ردفان اندلعت شرارة الثورة المسلحة عام 1963، في مواجهة مفتوحة مع قوات الاحتلال البريطانية.
اتسعت رقعة المواجهات بدعم أُسري وشعبي واسع، من كل ربوع مناطق الجمهورية في الشمال والجنوب، لتصبح الثورة مدرسة نضالية مهدت للتحرير الكامل بعد أربع سنوات فقط.
انهارت بريطانيا أمام تصاعد المقاومة والضغط الدولي، لتنسحب من جنوب اليمن، ويُعلن قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.
وتحوّل يوم 30 نوفمبر إلى رمز للتحرر وإلى علامة في ذاكرة اليمنيين تُذكّرهم بأن الاحتلال مهما طال، فإن إرادة الشعوب قادرة على كسر سلاسله.
منذ عام 2015، دخل اليمن مرحلة جديدة بعد بدء عمليات التحالف بقيادة السعودية والإمارات، ومع مرور السنوات، اتضح أن المحافظات الجنوبية والشرقية باتت مسرحًا لوجود واسع لقوات أجنبية بمن فيهم الأمريكي والإسرائيلي، وقواعد عسكرية، وتشكيلات أمنية متعددة الولاءات.
يرى اليمنيين اليوم أن سياسات السعودية والإمارات في الجنوب منذ بدء عمليات العدوان العسكرية عام 2015 ، تحمل جوانب تشابه كبيرة مع ممارسات بريطانيا سابقاً، فقوي تحالف العدوان، وفق القراءة للواقع عمد إلى:
ـ إنشاء مليشيات متعددة الولاءات تحت مسميات الأحزمة والنخب والدروع.
ـ تغذية الانقسامات المناطقية وتفتيت البنية الاجتماعية.
ـ السيطرة على الموانئ والسواحل والجزر الاستراتيجية.
ـ فرض حصار اقتصادي وتجاري عبر السيطرة على الممرات والمنافذ.
ويرى مراقبون أن تحالف العدوان السعودي الإماراتي يشرف عليه ويدعمه الأمريكيون والبريطانيون بشكل وثيق، مدفوعين بأهمية الموقع اليمني المطل على باب المندب والبحر الأحمر.
لم يختفِ الدور البريطاني بعد 1967، بل عاد عبر بيع السلاح للسعودية والإمارات بمليارات الجنيهات، وتدريب قوات سعودية بشكل سري، وفق تقارير بريطانية، وتسيير بوارج حربية في البحر الأحمر، والتأثير في صياغة قرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، وطرح مشاريع تقسيم اليمن إلى أقاليم متعددة.
وهو ما وصفت صحيفة “ديلي ميل” هذا الدور بـ”الحرب القذرة”، مؤكدة أن أكثر من 50 عسكرياً بريطانياً يشرفون على تدريب وحدات سعودية على الحرب غير النظامية.
في خطابات متتالية، ومنها خطابه بمناسبة ذكرى الثلاثين من نوفمبر 2024، يؤكد السيد عبد الملك بدرالدين الحوثي أن هذه الذكرى تمثل:
ـ محطة تذكير بأهمية التحرك الشعبي.
ـ دليلاً على أن “المحتل مهما كان قوياً فإنه يُهزم”.
ـ فرصة لغرس الوعي لدى الأجيال عن جرائم الاحتلال البريطاني.
ـ مناسبة تثبت أن الشعب اليمني قادر اليوم على صناعة انتصارات أكبر.
وقال السيد القائد أن الـ 30 نوفمبر محطة تذكر شعبنا العزيز بأهمية التحرك وحتمية الانتصار، وفيها الكثير من الدروس المهمة.
يحذّر السيد القائد من المؤامرات الساعية لتمزيق اليمن عبر دعم التشكيلات المسلحة، مؤكداً على ضرورة الحفاظ على الوحدة الداخلية، وعدم الإصغاء لدعاة الفتنة، والتمسك بالمسار التحرري الذي يعزز القوة والمنعة.
ويرى اليمنيون اليوم أن جنوب اليمن لم يخرج من دائرة الصراع الدولي منذ رحيل بريطانيا، إذ تحكمت المملكة المتحدة في الملف اليمني في مجلس الأمن، بينما نفذت السعودية والإمارات مشاريع سياسية وعسكرية في الجغرافيا الجنوبية.
وبينما يحن بعض الجنوبيين إلى فترة الاستعمار البريطاني، يؤكد آخرون على أن الاحتلال الإماراتي والسعودي يفرضون استعمار جديد عبر التحكم في الثروات النفطية والسواحل والموانئ والقرار السياسي والبنى العسكرية والأمنية.
وتعتبر استراتيجية السيطرة على المضائق، منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، ظل هدف القوى الدولية واحداً، وأن من يسيطر على باب المندب، يسيطر على جنوب العالم ولهذا احتلت بريطانيا عدن عام 1839، وتنافست مع إيطاليا وألمانيا على جزر اليمن، واليوم تعمل الأدوات ـ السعودية والإمارات ـ خدمتا للعدو الإسرائيلي والأمريكي على أخالهم بعباءة عربية للهيمنة على المضيق والجزر اليمنية.
بين الاحتلال البريطاني في الماضي والاحتلال السعودي تتشابه الخطط والغايات، بينما يظل الشعب اليمني هو الثابت الوحيد في معادلة الصمود، وأن الاحتلال لا يدوم، وأن الاستعمار يتبدل شكله لكنه لا يتغير في جوهره، وأن الشعب الذي أسقط بريطانيا قادر على إسقاط أي قوة تحاول كسر إرادته.
وهو ما أكده السيد القائد بالقول “شعبنا العزيز فيما هو عليه الآن من مسار تحرري جهادي يسلك المسلك الصحيح إلى العزة والتمكين والنصر.”
وهكذا يبقى الجنوب اليمني اليوم بين ماضٍ كتبه المستعمر البريطاني، وحاضر تحاول قوى أخرى صناعته، بينما يصر الشعب اليمني على أن يكون هو من يكتب مستقبل هذه الأرض.. كما فعل قبل قرون، وكما سيكرر في كل عصر.
