اليمن من الحصار إلى التفوق: مسار تصاعدي يربك تل أبيب وواشنطن معاً

التكنولوجيا اليمنية تكسر ميزان القوى: الصواريخ الانشطارية تدخل الخدمة

من “بنك الأهداف” إلى بنك الأوهام: الاستخبارات الإسرائيلية في طريق مسدود

شكّل الهجوم الإسرائيلي الأخير على صنعاء، والذي ادّعى الاحتلال خلاله أنّه استهدف قياديين في حركة أنصار الله، حلقة جديدة في مسار عسكري وإعلامي تسعى تل أبيب من خلاله إلى ترميم صورة الردع المتآكلة. غير أنّ غياب أي أدلّة كل مرة تعكس المأزق البنيوي الذي تواجهه (إسرائيل) في التعامل مع التهديد اليمني المتصاعد.

فالضربات الجوية خلال الفترة الماضية التي جرى الترويج لها باعتبارها عمليات دقيقة، لم تُسفر سوى عن تدمير منازل ومنشآت مدنية، ما كشف محدودية الخيارات المتاحة أمام الاحتلال في معركة باتت معقّدة.

هذا العجز ليس جديداً. فرغم عمليات استطلاع جوّي مكثّفة، وتعاون وثيق مع أقمار صناعية أميركية، لم تتمكّن (إسرائيل) حتى الآن من تحقيق اختراق استخباراتي يمكّنها من استهداف قيادات الصف الأول في صنعاء، أو تعطيل منصّات الإطلاق المتقدّمة.

وهو ما جعل “بنك الأهداف” الإسرائيلي ضيّقاً ومشوّشاً، بحيث تتحوّل معظم الضربات عملياً إلى قصف مواقع خدماتية ومدنية لا تغيّر شيئاً في معادلة الردع.

الصواريخ الانشطارية اليمنية تدخل المعادلة

في المقابل، واصلت القوات المسلحة اليمنية تطوير قدراتها النوعية، حيث أعلنت أخيراً عن إنجاز تكنولوجي جديد يتمثّل في إنتاج صواريخ انشطارية تنقسم إلى رؤوس متعددة، وهو تطوّر يضع صنعاء في مصافّ القوى القادرة على تهديد العمق الإسرائيلي بأسلحة استراتيجية.

ولم يكن هذا الإعلان معزولاً عن واقع ميداني سبق أن شهد استخدام صاروخ باليستي برأس عنقودي باتجاه مطار بن غوريون، في سابقة كشفت هشاشة منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية أمام هذا النوع من التهديدات.

أمام هذه المعطيات، اتضح أنّ الشبكة الدفاعية الإسرائيلية متعددة الطبقات ـــ القبة الحديدية، مقلاع داوود، حيتس ـــ غير مجهّزة بالكامل للتعامل مع الصواريخ الانشطارية عند تفتتها في الجو.

وأثبتت التجربة الأخيرة وجود فجوة تكنولوجية خطيرة، أجبرت خبراء الأمن على الدعوة إلى تحديثات عاجلة وإعادة النظر في العقائد الدفاعية.

واللافت أنّ هذا الهاجس لم يعد إسرائيلياً حصراً، بل أصبح مشتركاً بين القوى الكبرى التي تابعت تجربة البحر الأحمر باعتبارها مختبراً عالمياً للحروب غير المتماثلة، حيث تبيّن أن الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة منخفضة الكلفة قادرة على إرباك أساطيل عملاقة وكلفة تشغيلية باهظة.

بالنسبة لـ (إسرائيل)، تتداخل مجموعة من القيود البنيوية: عجز استخباري عن الوصول إلى القيادات اليمنية، محدودية الغارات الجوية التي لا تغيّر مسار المواجهة، غياب الحماسة لدى شركاء إقليميين كبار كالسعودية ومصر للانخراط في مواجهة مباشرة مع صنعاء، إضافة إلى تردّد الولايات المتحدة في توسيع انخراطها العسكري خشية الانزلاق إلى مواجهة اخرى.

ومع ذلك، تُظهر العمليات الأخيرة أن واشنطن لا تزال تقدّم دعماً استخبارياً ولوجستياً حاسماً لتل أبيب، خاصة أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي.

هذا الدعم يعكس تناقضاً واضحاً في السياسة الأمريكية. فمع بداية ولايته، أطلق الرئيس دونالد ترامب وعوداً بخفض التصعيد في الشرق الأوسط والتركيز على أولويات داخلية واقتصادية، لكن الوقائع الميدانية في اليمن تحديداً تكشف استمرار انخراط واشنطن في عمليات عسكرية حساسة، ولو بشكل غير مباشر. بل يمكن القول إن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم أمام معضلة مزدوجة: فهي من جهة تؤكد التزامها بتقليص الأكلاف البشرية والمادية عبر تقنيات مسيّرة ورخيصة نسبياً، ومن جهة أخرى لا تزال تمارس سياسة دعم عسكري واستخباري لـ (إسرائيل) في معارك لا تبدو مضمونة النتائج.

على هذه الخلفية، يدور نقاش واسع داخل المؤسسة الإسرائيلية حول الخيارات المقبلة. البعض يقترح تشكيل تحالف دولي يضم دولاً عربية متضررة من الهجمات اليمنية، فيما يذهب آخرون إلى خيار أكثر تعقيداً يتمثل بدعم معارضة داخلية في اليمن على أمل إضعاف سلطة صنعاء. غير أنّ كلا الخيارين يفتقران إلى مقوّمات عملية في المدى القريب، ما يترك (إسرائيل) في مواجهة شبه منفردة، تعتمد فيها على سلاح الجو والدعم الأمريكي، من دون أي قدرة على خوض عمليات برية أو تغيير جوهري في مسار الصراع.

الأكيد أنّ المواجهة مع اليمن لم تعد تفصيلاً هامشياً في الحسابات الإسرائيلية. فهي تندرج ضمن مشهد إقليمي متكامل يفرض على تل أبيب تحديات متزامنة من غزة ولبنان وايران وسوريا والعراق، وصولاً إلى البحر الأحمر.

ومع كل ضربة صاروخية أو هجوم مسيّر يمني، يتعمّق السؤال داخل (إسرائيل): كيف يمكن مواجهة خصم غير متماثل يزداد قوة بمرور الوقت، في ظل تقلّص التحالفات وتراجع القدرة على الحسم؟ العدوان الأخير على صنعاء لم يكن سوى محاولة يائسة للردّ على هذا السؤال، لكنه كشف في الوقت ذاته أن معادلة الردع التقليدية باتت في أزمة مفتوحة، وأن البحث عن بدائل سياسية وعسكرية جديدة لم يعد خياراً بل ضرورة.

قد يعجبك ايضا