اليمن يوسّع حصاره البحري ويقلب حسابات “إسرائيل” في القرن الأفريقي
يشهد الإقليم الممتد من البحر الأحمر إلى خليج عدن تحولات متسارعة فرضتها تداعيات الحرب في غزة والتصعيد الإقليمي المرتبط بالعدوان على إيران ولبنان، ما أدى إلى إعادة تشكيل أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين في واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة للتجارة العالمية وأمن الطاقة.
في هذا السياق، برز الإعلان اليمني بشأن توسيع نطاق القيود المفروضة على السفن “الإسرائيلية” ليشمل خليج عدن بوصفه تطوراً استراتيجياً يتجاوز أبعاده العسكرية المباشرة، ويعكس انتقالاً واضحاً في قواعد الاشتباك البحرية، من التركيز على البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى توسيع نطاق التأثير العملياتي نحو الممرات البحرية المتصلة بالمحيط الهندي.
يتزامن هذا التحول مع مؤشرات متزايدة على تنامي الحضور “الإسرائيلي” في مناطق مطلة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي حول السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، ويطرح تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل التوازنات العسكرية وأمن الملاحة الدولية.
خليج عدن.. عقدة استراتيجية في معادلات التجارة والأمن
يُعد خليج عدن أحد أهم الممرات البحرية في العالم، نظراً إلى موقعه الاستراتيجي الذي يربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي عبر مضيق باب المندب، ما يجعله شرياناً أساسياً لحركة التجارة الدولية ونقل الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وتنعكس أهمية هذا الممر في حجم التدفقات التجارية التي تعبره سنوياً، إذ إن أي اضطراب أمني أو قيود ملاحية في هذه المنطقة يؤدي إلى تداعيات مباشرة على حركة الشحن العالمية وأسعار الطاقة وكلفة النقل البحري.
ومن هذا المنطلق، فإن توسيع نطاق الحصار البحري اليمني إلى خليج عدن يعكس إدراكاً متقدماً للأهمية الجيوسياسية لهذا الممر، كما يمنح صنعاء قدرة أكبر على مراقبة التحركات البحرية المتجهة نحو البحر الأحمر، ويوسع هامش تأثيرها في معادلات الردع الإقليمي وحسابات القوى الدولية المنخرطة في أمن الممرات البحرية.
الحضور “الإسرائيلي” في القرن الأفريقي.. بين الضرورات الأمنية والهواجس الجيوسياسية
تتزايد المؤشرات المرتبطة بتنامي النشاط “الإسرائيلي” في مناطق مطلة على البحر الأحمر، ولا سيما في السواحل المقابلة لليمن ضمن فضاء القرن الأفريقي، في إطار سعي تل أبيب إلى تعزيز حضورها الأمني والاستخباراتي بالقرب من الممرات البحرية الحيوية.
وتستند هذه المقاربة إلى إدراك “إسرائيلي” متزايد لأهمية البحر الأحمر بوصفه امتداداً للأمن القومي “الإسرائيلي”، خاصة في ظل تنامي التهديدات التي تواجه حركة الملاحة المرتبطة بالموانئ الإسرائيلية.
في المقابل، تنظر صنعاء إلى أي تمركز عسكري “إسرائيلي” بالقرب من السواحل اليمنية باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي ولمعادلات الأمن الإقليمي، الأمر الذي يفسر التصريحات المتكررة بشأن “استهداف أي خطوط إمداد أو بنى تحتية عسكرية يمكن أن تُستخدم لدعم الأنشطة الإسرائيلية في المنطقة”.
وبذلك، لا تقتصر المواجهة على بعدها العسكري المباشر، بل تمتد لتشمل صراعاً أوسع على النفوذ والقدرة على التأثير في الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
معادلات ردع جديدة
من المرجح أن يسهم توسيع نطاق الإجراءات البحرية اليمنية إلى خليج عدن في تعزيز قدرة صنعاء على فرض معادلة ردع جديدة ترفع كلفة أي تحركات عسكرية أو لوجستية معادية في الممرات البحرية المحاذية للسواحل اليمنية.
كما أن الحفاظ على مستوى من السيطرة العملياتية في محيط باب المندب وخليج عدن من شأنه أن يرسخ مكانة صنعاء بوصفها فاعلاً مؤثراً في أمن البحر الأحمر، بما يدفع القوى الإقليمية والدولية إلى أخذ مصالحها ومواقفها في الاعتبار عند مناقشة أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالأمن البحري.
وفي حال نجحت صنعاء في إظهار قدرة عملية على مراقبة واستهداف خطوط الإمداد العسكرية المحتملة، فإن فرص إنشاء قواعد أو مراكز عسكرية داعمة لـ”إسرائيل” أو لحلفائها في المناطق المقابلة للسواحل اليمنية ستصبح أكثر تعقيداً وأعلى كلفة من الناحيتين الأمنية والسياسية.
وفي الوقت نفسه، قد يمنح امتلاك أوراق تأثير في أحد أهم الممرات البحرية العالمية صنعاء هامشاً تفاوضياً أوسع في أي تسويات سياسية أو أمنية مقبلة، سواء على المستوى اليمني الداخلي أو ضمن الترتيبات الإقليمية الخاصة بأمن البحر الأحمر.
نحو واقع جيوسياسي جديد
تشير المعطيات الراهنة إلى أن البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتجهان نحو مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ الإقليمي، حيث لم تعد السيطرة على الممرات البحرية حكراً على القوى التقليدية، بل أصبحت جزءاً من معادلات الردع التي تفرضها القوى المحلية والإقليمية الصاعدة. وفي هذا الإطار، تبدو التحركات اليمنية جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى منع تشكل بيئة إقليمية تسمح بتمركز عسكري “إسرائيلي” دائم في المناطق المقابلة للسواحل اليمنية.
وعلى المدى المتوسط، من المتوقع أن يؤدي توسيع الحصار البحري إلى تعزيز موقع صنعاء ضمن تحالفات محور المقاومة، بما يفرض واقعاً جيوسياسياً جديداً يعيد صياغة موازين القوة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ويحد من هامش الحركة “الإسرائيلي” والأميركي في هذه المنطقة الحيوية.
وفي ضوء هذه التحولات، تبدو المنافسة على باب المندب وخليج عدن مرشحة لمزيد من التصعيد، ليس فقط باعتبارها صراعاً على أمن الملاحة الدولية، بل بوصفها مواجهة مفتوحة على إعادة تعريف النفوذ والسيادة في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.