تقرير : رأس حربي يمني يضع تكنولوجيا الدفاع الجوي الإسرائيلي على حافة الانهيار
وفقا لتحقيقات سلاح الجو الإسرائيلي والتي نقلتها مختلف وسائل الإعلام العبرية، تم رصد الصاروخ والتعامل معه بنفس الآلية المعتمدة دائما، وهي تحليل المسار وتحديد أكثر النقاط المحتملة للاعتراض من قبل منظومات الطبقات العليا التي تشمل في الأغلب (حيتس2) و(حيتس3) و(ثاد)، ولكن الصاروخ كان قادما من خارج تلك الآلية المعتادة. لقد حلق في مسار غير منتظم، و”تفكك” حسب تعبير جيش الاحتلال، وهو ما ستوضحه التحقيقات لاحقا بأنه انقسم إلى ذخائر صغيرة متفجرة، تم الاعتراف بوصول إحداها إلى منطقة “اللد”.
هذا السلوك الذي أكد الإعلام العبري أنه كان مفاجئا، جعل محاولة الاعتراض تصبح أقل “إحكاما” بكثير مما كان يُعتقد، بل فوضوية تماما، حيث تم تفعيل كافة الطبقات الدفاعية في وقت واحد، بحسب تحقيق الجيش الإسرائيلي، في محاولة مرتبكة لإصابة كل ما يلمع في الأجواء، وبرغم التكلفة الهائلة التي تحملها هذه المحاولة فقد فشلت، وكانت البيانات التي استخلصها سلاح الجو الإسرائيلي من العملية هي أن الصاروخ من نوع جديد يحمل رأسا متشظيا، يحتوي على 22 قنبلة صغيرة، وهذه هي المرة الأولى التي يتم إطلاقه فيها من اليمن.
وفقا لصحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، فإن هذا “التطور الكبير والمثير للقلق العميق” جعل الجيش الإسرائيلي مضطرا لما وصفته بـ”الرد” غير أن قصف محطات الطاقة في صنعاء كان أقل بكثير من مستوى ذلك التطور، ولم تنجح صور أعمدة الدخان وكرات اللهب التي سببتها الغارات في تجسيد صورة “الفائدة المركبة” الذي قال وزير الحرب الإسرائيلي إن صنعاء ستدفعها، بل جسدت صورة معاكسة، وهي أن إسرائيل هي من تدفع هذه الفائدة بسبب “جهلها باليمن” مثلما حذر المحلل الإسرائيلي دين شموئيل إلماس قبل أيام على صحيفة “غلوبس”.
لقد اعترف قادة الجيش الإسرائيلي لاحقا بأنهم لا يعلقون أي أمل على الغارات الجوية في مواجهة القوات المسلحة اليمنية، وفقا لما كشف موقع “والا” العبري، وهو أمر تم تأكيده وتوضيحه كثيرا طيلة أكثر من عام ونصف، ووفقا لكلام القائد السابق لشعبة الدفاع الجوي الإسرائيلي زفيكا هيموفيتش في مايو الماضي، كانت إسرائيل “تعتمد على دفاع قوي غير محكم، وتأمل أن تقع إخفاقات عمليات الاعتراض ضمن منطقة ضبط النفس، ومن وقت لآخر، عندما تتراكم حوادث الإطلاق من اليمن، يتم إطلاق موجة من الغارات”.
لكن حتى هذا الذي لا يمكن اعتباره “حلا”، تغير يوم الجمعة الماضي، وربما بشكل لا رجعة فيه، وغير مسبوق أيضا، فبرغم أن سلاح الجو الإسرائيلي لا يزال يرفض ربط إخفاق الدفاعات الإسرائيلية بنوعية الصاروخ، إلا أنه كما يبدو يجد صعوبة كبيرة في إلقاء اللوم على وجود خطأ تقني أو بشري كما كان يفعل دائما، وقد حسم مسؤول في سلاح الجو الإسرائيلي المسألة عندما صرح لوكالة “أسوشيتد برس” أن هذا النوع من الذخائر “يجعل عملية الاعتراض أكثر صعوبة”.
ويؤكد تقرير لقسم الدفاع والتكنولوجيا في صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية أن أنظمة الدفاع الإسرائيلية لم يتم تطويرها لاعتراض الرؤوس الحربية المتشظية، وأن تجربة يوم الجمعة الماضي أثبتت بوضوح أنه لا يمكن حتى اعتراض الطيف الكامل للذخائر التي ينشرها الصاروخ بشكل فردي (وهي محاولة مكلفة للغاية). وفيما يجادل البعض في إسرائيل بأنه يفترض أن يتم الاعتراض قبل تشظي الرأس الحربي، فإن هجوم الجمعة قد أوضح فشل الدفاعات الإسرائيلية في ذلك، كما أثبتت المسارات غير المنتظمة للعديد من الصواريخ اليمنية أن الدفاعات الإسرائيلية لا تستطيع تنفيذ الاعتراض في اللحظة التي تريدها بالضبط، بل غالبا ما تم الاستعانة بأكثر من صاروخ ومنظومة لتنفيذ الاعتراض عند أكثر من نقطة، وهي خطوة ستكون “متأخرا” أمام الرؤوس المتشظية وفقا لتحليل الصحيفة.
بطبيعتها غير المحكمة والتي لا يمكن ان تصبح محكمة أبدا، كانت الدفاعات الجوية هي ما كل ما تسد به إسرائيل فجوة غياب الردع ضد اليمن، ولم يكن ذلك يكفي، والآن تقول التحليلات الإسرائيلية إن هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في سياسة وأساليب و”هندسة” الدفاعات الجوية لمواكبة التهديد الذي يمثله الصاروخ اليمني الجديد، وهو أمر ليس سهلا بل قد يكون مستحيلا، فما حدث يوم الجمعة جاء بعد تجربة الحرب مع إيران التي يفترض أن الجيش الإسرائيلي تعلم منها شيئا يمكن إصلاحه الآن، وليس بعد عقد من التطوير.. ولكن يبدو أنه لا يوجد ما يمكن فعله.
لقد قلبت القوات المسلحة اليمنية موازين الحرب البحرية إلى غير رجعة من خلال تكتيكاتها التي حولت السفن الحربية وحاملات الطائرات إلى “عبء” على البحرية الأمريكية، والآن ربما حان وقت تكنولوجيا الدفاعات الإسرائيلية التي -في الواقع- لم تحتفظ بـ”فاعليتها” أمام الهجمات اليمنية بشكل كامل خلال الأشهر الماضية بل اتكأت على المسافة وفوارق التكنولوجيا التي لم يعد يمكن التنبؤ بها في العصر الذي استطاعت فيه صنعاء أن تنتج صواريخ فرط صوتية.
ويبدو أن هناك شعور داخل إسرائيل بأن المؤسسة الدفاعية عاجزة عن احتواء هذا التحول.
تقول “جيروزاليم بوست” إنه “يتعين على إسرائيل أن تفهم أن التحدي لا يتمثل في اعتراض الصاروخ التالي فحسب؛ بل يتعلق أيضا بتوقع التطور التالي في قدرات الخصم”.
رأس حربي يمني يضع تكنولوجيا الدفاع الجوي الإسرائيلي على حافة الانهيار
رادار 360| تقرير
بمنظومة دفاعات متعددة الطبقات وعالية التكلفة وشبكة إنذار مبكر إقليمية تتيح بضعة دقائق للاستعداد، واجه جيش الاحتلال الإسرائيلي الهجمات الصاروخية اليمنية المساندة لغزة خلال الأشهر الماضية… pic.twitter.com/UlNE8AS9II
— رادار 360 (@Radar360_ar) August 28, 2025