جمعة رجب… هوية إيمانية متجذرة ووعي إسلامي متجدد

يمتلك الشعب اليمني سجلًا إيمانيًا ممتدًا في تاريخ الإسلام، يبدأ من مراحله الأولى ولا ينفصل عن مسيرته الكبرى. فمنذ المرحلة المكية، كان لليمنيين حضورهم المبكر عبر شخصيات سبقت إلى الإسلام، ثم تجلّى هذا الانتماء بصورة أوضح مع إسلام الأوس والخزرج وما قدّموه من إيواء ونصرة، وصولًا إلى انتشار الإسلام في اليمن في مراحل متعددة، في مسار يعكس انسجامًا مبكرًا وعميقًا مع الرسالة الإسلامية.

وتأتي مناسبة جمعة رجب كمحطة للاعتزاز بإحدى أنصع صفحات التاريخ اليمني، حين شكّل الإسلام تحولًا مفصليًا في مسار الشعب، واتجاهًا واضحًا نحو منظومة قيمية حملت القدسية والعظمة والبعد الإنساني الشامل، ويكتسب هذا الاعتزاز أهميته في كونه عنصرًا أساسيًا في بناء الوعي وحماية الهوية من التآكل أو التشويه.

وفي ظل الاستهداف الشامل للإسلام والمسلمين ومحاولات ضرب الوازع الإيماني لدى الشعوب الإسلامية وفي المقدمة الشعب اليمني كأبرز المستهدفين عبر العديد من الوسائل في مقدمتها الحرب الناعمة التي تستهدف فصل الناس عن الله وعن الدين وعن الأنبياء والمصلحين، تبرز الحاجة إلى تحويل هذه المناسبة إلى مساحة فاعلة لتعزيز الهوية الإيمانية، عبر العمل التربوي والتثقيفي، وحماية الجيل الناشئ من محاولات الاختراق التي تطال الوعي والثقافة والقيم والسلوك، في استهداف شامل وغير مسبوق، يجعل من ترسيخ الإيمان مسؤولية مستمرة لا تحتمل الغفلة أو التراخي.

الانتماء الإيماني لليمنيين: جذور راسخة وشهادة قرآنية حية

عندما نستحضر مناسبة جمعة رجب وما تمثّله من محطة تاريخية مفصلية في مسيرة الشعب اليمني الإسلامية، فإننا لا نتوقف عند البعد الزمني بل نعود إلى جوهر التحول الإيماني الذي شكّل وعي شعبٍ بأكمله، ورسّخ انتماءه للإسلام انتماءً أصيلاً وعميقًا ما زال مؤثرا في مساراته العملية حتى اليوم، إنها مناسبة كما يقول السيد عبد الملك «ترتبط بمحطة من أهم وأقدس وأسمى وأعظم المحطات التاريخية لشعبنا العزيز، في انتمائه الإيماني ودخوله في الإسلام.

ما يميز دخول اليمنيين الإسلام بكونه دخولًا طوعيًا، نابعًا من انسجام فطري مع قيم التوحيد والعدل والأخلاق، ففي الوقت الذي واجه فيه رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) في مكة والمدينة مواقف عدائية شرسة من قريش وغيرها، شملت التكذيب والحصار والحروب والدعاية ومحاولات الاغتيال، كان المشهد في اليمن مختلفًا جذريًا.
دخل اليمنيون في الإسلام بلا حروبٍ تُذكر، وبلا إكراه، بل بإقبال جماعي ورغبة صادقة، سواء عبر الوفود التي قصدت النبي (صلوات الله عليه وعلى آله)، أو من خلال الرسالات والدعاة الذين أرسلهم، وفي مقدمتهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ومعاذ بن جبل وغيرهم ولهذا شهد لهم رسول الله بعظمة نفوسهم ورجاحة عقولهم عندما قال (الإيمان يمان والحكمة يمانية) .

وقد أسلمت القبائل والمناطق أفواجًا، حتى ذُكر أن الآلاف كانوا يدخلون في الإسلام في اليوم الواحد، وهو ما يعكس استعدادًا فطريًا، وقيمًا أخلاقية لم تكن بعيدة عن روح الرسالة، فوجدوا في الإسلام امتدادًا طبيعيًا لما في فطرتهم من خير وعدل.

إن مسارعة اليمنيين في الاستجابة لله ولرسوله ولدعوة الإسلام لم تكن ادعاءً لفظيًا، بل تُرجم سريعًا إلى مواقف عملية، أبرزها الجهاد في سبيل الله، والبذل والتضحية في نصرة هذا الدين، وكان للأوس والخزرج – وهم من صميم اليمن – شرف الإيواء والنصرة، حتى سمّاهم الله بنفسه الأنصار، في وسام قرآني خالد، وقد خلد القرآن هذه الروحية الإيمانية بقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] وهي آية تكشف مستوى راقيًا من الإيمان العملي، إيمان تجسّد في الإيثار، والكرم، والشجاعة، والوعي، والصدق مع الله.

كما أنجبت اليمن نماذج إيمانية عظيمة كان لها أثر حاسم في مسيرة الإسلام، كعمار بن ياسر الذي قال فيه النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) بأنه: “مُلِئَ إِيْمَاناً مِنْ قِمَّةِ رَأسِهِ إِلَى أَخْمَصِ قَدَمَيه”، وكان له دور بارز في تاريخ الإسلام، وفي الجهاد في سبيل الله تعالى حتى الاستشهاد، كذلك المقداد، الأشتر، شخصيات كبيرة وبارزة وكثيرة كان لها دور عظيم ومميز، وحضور فاعل في التاريخ الإسلامي، ومؤثر، وعظيم، وَمُشَرِّف.

ويبرز الفارق الجوهري بين هذا الانتماء الإيماني العميق، وبين نماذج أخرى اكتفت بالدخول الشكلي في الإسلام دون أن يبلغ الإيمان شغاف القلوب، كما وصفهم القرآن الكريم بقوله:{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]

ثم يحدد القرآن ملامح الإيمان الحقيقي بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] وهنا تتجلى المفارقة الكبرى بين قوله (صلوات الله عليه وعلى آله): “الإيمان يمان”، وبين قوله تعالى: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا}، مفارقة بين إيمانٍ واعٍ راسخ، وإسلامٍ لم يكتمل بعد.

ولم يتوقف هذا الانتماء الإيماني عند جيلٍ بعينه، بل استمر متوارثًا عبر الأجيال، محافظًا على جذوره التحررية والأخلاقية والحضارية. ولهذا ظل اليمن حاضرًا في الوعي الإسلامي، حتى في روايات آخر الزمان، بوصفه ساحة ثبات، ونصرة، وموقف في مواجهة أعداء الأمة، وحملٍ لراية الحق والجهاد.

وهكذا، فإن الانتماء الإيماني لليمنيين لم يكن حدثًا عابرًا في التاريخ، بل مسارًا متصلًا، يشهد له القرآن، وتزكّيه السيرة، وتؤكده المواقف، ويظل شاهدًا حيًا على أن الإيمان حين يكون وعيًا وموقفًا، يصنع أمة ويغيّر مجرى التاريخ.

  جمعة رجب ومعركة الوعي في زمن الحرب الناعمة

في سياق الواقع المعاصر، لم تعد مناسبة جمعة رجب مجرد ذكرى تاريخية تُستحضر من باب التقليد، بل تحولت إلى محطة استراتيجية في معركة الوعي التي تخوضها الأمة اليوم أمام حرب ناعمة شرسة، هذه الحرب، كما يشير السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، “تستهدف الإنسان المسلم اليوم في كل الأقطار: تستهدفه في وعيه، في ثقافته، في فكره، في أخلاقه، في قيمه، في توجهاته، في مواقفه، في كل شؤون حياته، حتى في زيه، حتى في عاداته وتقاليده، استهداف شامل وغير مسبوق، وبوسائل لم يسبق لها مثيل” ، لم تعد المعارك تدار الطيران والقنابل وحدها، بل أضحت أدواتها المفاهيم المضللة، وأنماط السلوك المستوردة، والإعلام الموجه، إن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم هو محاولات إعادة تشكيل الوعي الجمعي عبر التشكيك في القيم الدينية، وتزييف المعايير، ودفع الأجيال الجديدة نحو اغتراب ثقافي يقطع الصلة بالجذور الأصيلة، هذه الحرب لا تستهدف الجسد، بل تستهدف العقل والروح، وتسعى لتشويه صورة الإيمان وتحويله إلى طقوس فارغة من المضمون الحي.

ترسيخ الهوية الإيمانية: مشروع يجب أن يستمر

في مواجهة هذه التحديات، يجب ترسيخ الهوية الإيمانية كمشروع تربوي وتثقيفي منظم وبشكل مستمر، وكذلك العناية الخاصة بالجيل الناشئ الذي يتعرض يومياً لمحاولات التشويه والتضليل، إن الإيمان، وفق هذا التصور، ليس حالة جامدة أو مجرد تقليد موروث، بل هو مشروع متجدد يحتاج إلى تغذية معرفية وروحية مستمرة، وإلى ربط دائم بين النص القرآني والواقع المعاش، حتى يصبح الإيمان طاقة فاعلة في حياة الإنسان تدفعه نحو تحمل المسؤولية ومواجهة التحديات.

في ضوء هذه المعركة، تتحول مناسبة جمعة رجب إلى محطة تعبئة فكرية وروحية تُستعاد فيها الجذور وتُستحضر فيها الرسالة الإلهية التي حملها الأنبياء والأولياء، ليس على قاعدة الحنين للماضي، بل على قاعدة الوعي بالمسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل. في هذه المناسبة، يُعاد وصل الحاضر بالماضي عبر استذكار المواقف البطولية والتضحيات العظيمة، ويُجدد العهد على مواصلة الطريق بنفس الروح الإيمانية التي صنعت المجد في التاريخ وواجهت التحديات الكبرى.

من هنا تتضح أهمية العودة إلى القرآن الكريم باعتباره المصدر الأصيل لهوية الأمة ووعيها، والمرجعية الكبرى في مواجهة الحملات التشويهية التي تستهدف العقيدة والسلوك. إن تلاوة الآيات، والتدبر في معانيها، وربطها بالواقع اليومي، يشكل حصناً حصيناً أمام محاولات التغريب، ويجعل من الإيمان قوة دافعة نحو الإصلاح والبناء، لا مجرد حالة شعورية أو ممارسة طقوسية.

ختاماً

إن معركة الوعي في زمن الحرب الناعمة تتطلب من كل فرد في الأمة أن يدرك حجم التحدي، وأن يسهم بفعالية في مشروع ترسيخ الهوية الإيمانية، بدءاً من الأسرة، مروراً بالمدرسة، وصولاً إلى وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع. وفي جمعة رجب، يتجدد العهد على أن الإيمان سيبقى مشروعاً عملياً يستمد طاقته من القرآن الكريم، ويصنع الفارق في حاضر الأمة ومستقبلها، مهما اشتدت الحرب وتنوعت أدواتها.

 

قد يعجبك ايضا