اتفاق مسقط لتبادل الأسرى.. نافذة إنسانية في جدار العدوان وامتحان جديد لمسار السلام في اليمن والمنطقة
اتفاق مسقط لتبادل الأسرى.. انفراجه إنسانية تكسر جدار العدوان في اليمن
الدور العُماني والأممي في إنجاح الصفقة.. دبلوماسية هادئة بآثار إقليمية
من الملف الإنساني إلى أفق السلام.. هل يمهد تبادل الأسرى لإنهاء العدوان؟
الحقيقة ـ جميل الحاج
في لحظة إنسانية فارقة، وبينما لا يزال اليمن يرزح تحت وطأة عدوان أمريكي سعودي ممتد منذ أكثر من عقد، برزت العاصمة العُمانية مسقط كمركز ثقل دبلوماسي إقليمي ودولي، عقب التوقيع على اتفاق جديد لتبادل الأسرى والمحتجزين بين حكومة صنعاء وحكومة الفنادق الموالية للرياض.
اتفاق وُصف بأنه الأوسع منذ اندلاع العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، وأعاد ملف الأسرى إلى صدارة الاهتمام الدولي، محركًا آمال آلاف العائلات اليمنية التي أنهكها الانتظار، ومختبرًا في الوقت ذاته قدرة المسار الإنساني على اختراق أكثر الملفات تعقيدًا في الملف اليمني.
مسقط.. الدبلوماسية الهادئة في لحظة حاسمة
شهدت العاصمة العُمانية مسقط، في ديسمبر 2025، توقيع اتفاق تاريخي لتبادل الأسرى بعد مفاوضات شاقة استمرت اثني عشر يومًا، من 9 إلى 23 ديسمبر، وسط أجواء وصفت بالإيجابية.
وقد أعلنت سلطنة عُمان ترحيبها بالاتفاق، مثمنة الروح البنّاءة التي سادت النقاشات، ومؤكدة أن التفاهم جاء ثمرة تعاون إقليمي ودولي، بمشاركة فاعلة من مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى جانب الأطراف اليمنية المعنية.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الجولة يمنح الدبلوماسية العُمانية زخماً جديداً، ويعيد تسليط الضوء على أهمية القنوات الهادئة والوساطات المتوازنة في إدارة الصراعات الإقليمية، خصوصًا في ملفات شديدة الحساسية كاليمن.
أرقام الصفقة ومضامينها الأساسية
وفق ما أُعلن رسميًا، يقضي الاتفاق بالإفراج عن نحو 2900 أسير من الطرفين، في إطار الجولة العاشرة من المشاورات الإنسانية الخاصة بملف الأسرى.
وأوضح رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى في صنعاء، العميد عبدالقادر المرتضى، أن الصفقة تتضمن تبادل 1700 أسير من الجيش واللجان مقابل 1200 أسير من الأطراف الأخرى، بينهم 7 سعوديين و23 سودانياً.
وأكد المرتضى أن الاتفاق لا يقتصر على عملية تبادل تقليدية، بل يتضمن ثلاث نقاط محورية، أولها تنفيذ “صفقة رقمية” تشمل 2900 أسير من الطرفين، سيتم الاتفاق على أسمائهم خلال شهر.
وثانيها انتشال جميع الجثامين من مختلف الجبهات والمناطق وتسليمها عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في خطوة تهدف إلى إغلاق واحد من أكثر الملفات إيلامًا في مسار العدوان. أما ثالثها، فيتمثل في تشكيل لجان مشتركة لزيارة جميع السجون بعد تنفيذ الصفقة، وحصر من تبقى من الأسرى، والعمل على إطلاقهم.
شمولية الاتفاق ودور السعودية
وبيّن المرتضى أن الاتفاق يشمل جميع الأطراف المشاركة في العدوان، بما فيها الأطراف اليمنية التابعة لتحالف العدوان في مأرب والساحل الغربي وتعز والمحافظات الجنوبية المحتلة.
كما أكد أن السعودية شاركت بصفة الطرف الأصيل والموقّع والضامن عن جميع تلك الأطراف، بما فيها الجهات المرتبطة بالإمارات، مشددًا على أن أي خلافات سياسية داخل تحالفهم لن تعيق تنفيذ الاتفاق.
من جانبها، رحبت السعودية بالاتفاق، وأكدت دعمها لكل الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار، فيما أشادت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر بالدور المحوري لسلطنة عُمان في رعاية المفاوضات وتسهيل التفاهمات.
البعد الإنساني.. أولوية تتقدم على السياسة
يمثل تبادل الأسرى بعدًا إنسانيًا أساسيًا في سياق الملف اليمني، إذ يخفف من معاناة آلاف العائلات التي عاشت سنوات من القلق والترقب.
فالإفراج عن الأسرى لا يعني فقط عودتهم إلى ذويهم، بل إعادة دمجهم في المجتمع بعد فترات طويلة من الانفصال القسري، وما رافقها من أعباء نفسية واجتماعية.
كما يعكس الاتفاق التزام الأطراف، ولو جزئيًا، بالمعايير الإنسانية التي طالبت بها المنظمات الدولية، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ويرى متابعون أن هذا البعد الإنساني يعزز إمكانية بناء الثقة، ويمنح العملية السياسية جرعة أمل طال انتظارها.
دلالات سياسية واختبار للالتزام
إلى جانب البعد الإنساني، يحمل الاتفاق دلالات سياسية مهمة، إذ يُظهر استعداد الأطراف المتصارعة، السعودية وحكومة الفنادق التابعة لها من جهة، وحكومة صنعاء من جهة أخرى، للجلوس على طاولة المفاوضات والتوصل إلى معالجة لأضرار العدوان في أحد أكثر الملفات حساسية.
ويُعد الاتفاق اختبارًا عمليًا لمدى التزام الأطراف بتنفيذ تعهداتها، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على مستقبل العملية السياسية في اليمن.
نجاح التنفيذ قد يفتح الباب أمام محادثات أوسع تشمل القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية، ومعالجة ما خلفه العدوان من دمار واسع في البنية التحتية والمنازل والممتلكات العامة والخاصة، إضافة إلى ملف التعويضات وإعادة الإعمار.
تفاعل شعبي ومنصات تعكس المزاج العام
منذ الإعلان عن الصفقة، تواصل التفاعل اليمني الواسع عبر المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي. فقد غرد رئيس الوفد الوطني محمد عبدالسلام مؤكدًا أن الاتفاق تم بحمد الله في مسقط، ويشمل الإفراج عن آلاف الأسرى اليمنيين، بمن فيهم أسرى سعوديون وسودانيون، مثمنًا الدور العُماني الكبير في إنجاح الجولة.
كما أشار ناشطون وإعلاميون إلى أن خروج الأسرى لا يمثل انتصارًا لطرف بعينه، بل هو انتصار للإنسانية، حيث تقف خلف كل أسير عائلة تنتظر وأم تدعو وأطفال حُرموا من آبائهم. واعتبر آخرون أن الاتفاق يعيد الأمل إلى المشهد السياسي، ويفتح الباب أمام حلحلة بقية الملفات الإنسانية والاقتصادية.
تحديات التنفيذ ومخاوف المرحلة المقبلة
رغم الأهمية الكبيرة للاتفاق، إلا أن طريق التنفيذ لا يخلو من التحديات.. فنجاح الصفقة يتطلب التزامًا عمليًا من جميع الأطراف، وقد يتأثر بأي تصعيد عسكري أو خلافات سياسية داخلية. كما أن بعض القوى قد ترى في الاتفاق تهديدًا لمصالحها، ما قد يدفعها إلى محاولة عرقلة التنفيذ أو التشكيك في جدواه.
إضافة إلى ذلك، فإن استمرار الأزمة الإنسانية في اليمن، من نقص الغذاء والدواء وتدهور البنية التحتية، قد يحد من الأثر الإيجابي للاتفاق إذا لم يُرافق بخطوات إضافية لمعالجة هذه القضايا.
اتفاق مسقط.. خطوة أولى أم بداية مسار؟
يمكن النظر إلى اتفاق تبادل الأسرى باعتباره خطوة أولية نحو مسار تفاوضي أوسع، لا نهاية الطريق. فنجاح هذه الخطوة الإنسانية يعزز إمكانية الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيدًا، ويمهد الطريق أمام مفاوضات مستقبلية قد تسهم في إنهاء العدوان والحصار بشكل شامل.
وبينما تتجه الأنظار إلى مرحلة التنفيذ، يبقى اتفاق مسقط حدثًا إنسانيًا ذا أبعاد دولية، أعاد ملف الأسرى إلى قلب المشهد اليمني، وفتح نافذة أمل حذرة في صراع طويل لا يزال يبحث عن سلام عادل وشامل، وسط متابعة إقليمية ودولية دقيقة لما ستؤول إليه هذه الخطوة المفصلية.