حرب المصطلحات.. حين تُستعمَر العقول قبل الأوطان

الهيمنة الأمريكية على الأمة الإسلامية بين انعكاس الموازين وسُبُل المواجهة

قراءة في ضوء محاضرة “الإرهاب والسلام”

صادق البهكلي

مقدمة: حين تُحاصَر الأمة في زاوية المفاهيم

في عالمٍ باتت فيه الكلمة سلاحاً والمصطلح ساحةَ حرب، تجد الأمة الإسلامية نفسها في مواجهة من نوعٍ فريد؛ ليست مواجهةً بالمدافع والطائرات وحدها، بل هي مواجهة أعمق وأشد خطراً، تستهدف العقل قبل الجسد، وتسعى إلى استعمار الوعي قبل استعمار الأرض. وما يزيد المشهد مأساويةً أن المستهدَف يجلس متفرجاً على تفكيك هويته بيدَي الآخرين، بل ربما أسهم هو ذاته -دون أن يدري- في تهيئة أدوات اقتلاعه.

ما كشفه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي في محاضرته “الإرهاب والسلام” -التي ألقاها في اليمن مطلع عام 2002م، في خضم الموجة الأولى من “الحرب على الإرهاب” الأمريكية- يمثّل قراءةً تشخيصيةً نافذة لأزمة الأمة البنيوية مع مفهوم الذات والآخر. ولعل استحضار تلك المحاضرة اليوم -بعد عقود من صدورها- ينطوي على دلالة بالغة؛ ذلك أن الداء الذي شخّصه المحاضر لم يُعالَج، بل تعمّق وتكرّس، وأصبحت أعراضه أوضح، وتداعياته أشد إيلاماً.

يرصد هذا التقرير التحليلي واقع الهيمنة الأمريكية على الأمة الإسلامية من خلال الرؤى والمضامين التي طرحها شهيد القرآن في محاضرة “الإرهاب والسلام”.

أولاً: انقلاب الأدوار – حين يقعد من أُمر بالتحرك ويتحرك من يجب إيقافه

ثمة مفارقة تاريخية صارخة تطالع كل من يتأمل الخارطة الجيوسياسية للعالم الإسلامي في مواجهة المنظومة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية: فالأمة التي خاطبها الله سبحانه بقوله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، أمةٌ كان المفترض بها أن تجوب البحار وتخاطب الحضارات بنور رسالتها، باتت اليوم محصورةً في حدودها، مشلولة الإرادة، تراقب بعيون خاملة كيف تتحرك قطع بحرية أجنبية في المياه الإسلامية، وكيف تُنصب قواعد عسكرية على ترابها المقدس، وكيف تُفرض عليها صياغات تعيد تعريف عدوّها على أنه حليف، وتعيد تعريف دفاعها عن النفس على أنه جريمة.

هذا الانقلاب في الأدوار ليس وليد الصدفة، ولا هو نتاج قصور عسكري وحده؛ بل هو في جوهره نتاج غياب الوعي الحضاري بالمهمة المنوطة بهذه الأمة. ويلفت السيد حسين في محاضرته إلى مشهد مؤلم: حين تقعد الأمة الإسلامية في بيوتها كما تقعد النساء -وفق تعبيره- بينما الفرنسيون والبريطانيون والأمريكيون والإسبان يتحركون في البحار والسواحل الإسلامية حاملين أفتك الأسلحة ومحرّكين أساطيلهم في أعماق دار الإسلام، فذلك الانقلاب هو الذي يستوجب التأمل العميق والوقفة النقدية الجادة.

وحين نتأمل اليوم امتداد هذه الصورة، نجد أن القواعد العسكرية الأمريكية تنتشر في أكثر من خمسة وثلاثين دولة ذات أغلبية مسلمة، وأن الأساطيل الغربية تجوب خليج عدن والبحر الأحمر والخليج العربي والمتوسط دون أن تتعرض لأدنى اعتراض رسمي إسلامي منظّم. في المقابل، بات أي حديث إسلامي عن السيادة الكاملة أو الاستقلالية الاستراتيجية يُوصم فوراً بالتطرف والمغالاة. وهكذا تكتمل المعادلة المرّة: الأمة الأكثر استحقاقاً للحرية هي الأكثر تقييداً، والأمم الأكثر تمدداً هي من يرفع لواء الحرية والديمقراطية.

“{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}” – هذا القرآن العربي يخاطب العرب ويقول: أنتم كنتم من المفترض أن تجوبوا البحار طولاً وعرضاً، لكنكم اليوم تُؤمَرون بالقعود في حين يتحرك أولئك.

والخطورة الكبرى في هذا الانقلاب أنه بات يُرسَّخ عبر البنى السياسية والمؤسسية الإسلامية ذاتها؛ إذ تحوّلت دول إسلامية كثيرة إلى شريك في إعادة إنتاج هذا الاستسلام، ممارِسةً ضغطاً على شعوبها لقبول واقع الهيمنة باعتباره أمراً مُسلَّماً به لا يقبل الجدل. ومن هنا تبدأ المأساة الحقيقية، حين تتحوّل الدول الإسلامية من حكوماتٍ تُدير شعوباً إلى أدواتٍ تضمن طاعة تلك الشعوب لمشيئة غريبة.

ثانياً: معركة المصطلحات – حين تُسرَق اللغة لتُفرَغ الهوية

قد لا يدرك كثيرون أن أخطر معارك الأمة في هذا الزمان ليست في الميادين والساحات، بل في القواميس والمصطلحات. فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، أطلق الغرب بقيادة واشنطن حملة دولية منقطعة النظير لإعادة هندسة معجم الخطاب الإسلامي، مستعيضاً عن لغة القرآن الكريم بلغة الحرب الأمريكية. وكانت الضحية الأولى في هذه المعركة كلمة “الجهاد”، تلك الكلمة التي شرّف بها الإسلام أشرف الصراعات وأرقاها، فحوّلها إلى مرادف للإرهاب والتخلف والعنف الأعمى.

ويتوقف السيد حسين عند هذه المسألة بعين المحلل الحكيم: فكلمة “الجهاد” في الإسلام ليست مجرد عمل عسكري، بل هي تعبير عن أعلى درجات الارتباط بالله {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، وهي مفتاح شرعية المقاومة، ومسوّغ التحرك لمواجهة الظلم. أما حين تُبدَّل بـ”الإرهاب”، فإن الأمر لا يقتصر على تغيير مصطلح، بل يمتد إلى تغيير المشروعية كلياً؛ فيصبح المجاهد مجرماً يستحق العقاب، والمعتدي عليه مذنباً بدفاعه عن نفسه.

ثم يستوقفنا شهيد القرآن عند مفارقة مذهلة أخرى: إن كلمة “الإرهاب” ذاتها كلمةٌ عربية قرآنية، وردت في قوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ… تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}، ومعناها في القرآن الكريم إيجابي تماماً؛ إذ يأمر الله فيها المسلمين بإعداد القوة لإرهاب الأعداء وردعهم. فحين يتنازل المسلمون عن تعريف هذه الكلمة لصالح التعريف الأمريكي، يكونون قد أذعنوا لمفارقة تاريخية بالغة السخرية: يطالبون الرئيس الأمريكي -وهو أعجمي اللسان- بأن يفسّر لهم مفردةً عربية وردت في كتابهم المقدس!

“كلمة (إرهاب) هي كلمة داخل كتاب عربي عندما يقول الله سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}(الأنفال: من الآية60)، أصبحنا في واقعنا لا نعرف معاني مفرداتنا العربية، يطالب زعماء العرب الرئيس الأمريكي -وهو ليس عربياً- أن يفسر لهم مفردة عربية هي كلمة (إرهاب).”

وفي السياق الراهن، نجد أن هذه الحرب على المصطلحات قد توسعت لتشمل ميادين أكثر حساسية؛ فبات الحديث عن مقاومة الاحتلال “تحريضاً”، والمطالبة بالسيادة “تطرفاً”، والدفاع عن القدس “تهديداً للاستقرار الإقليمي”. أما المقاومون الفلسطينيون الذين يدافعون عن منازلهم وأرضهم، فلا تجد تسميتهم “مسلحين” أو “جماعات مسلحة” في وسائل الإعلام الغربية، بينما يحظى الجنود الإسرائيليون دائماً بصفة “قوات أمن”. وهذه ليست تفاصيل لغوية عابرة، بل هي هندسة متعمدة  لضرب الوعي الجمعي الإنساني.

ثالثاً: وهم السلام بالمناشدة – حين تغري كلمة “سلام” بالاستسلام

لعل أشد مواطن التشخيص حدةً وصرامةً في المحاضرة هو ذلك الذي يتعلق بأسلوب الزعماء العرب والمسلمين في التعامل مع الضغط الغربي، وهو أسلوب يتلخص في كلمة واحدة تتكرر على كل لسان، وتتصدر كل بيان، وتُرفع في كل لقاء: “السلام”. فقد اعتقد هؤلاء الزعماء -لسنوات طويلة- أن مناشدة الغرب بالسلام، والتعبير عن الحرص على استمرار مسيرته وعملياته، كفيلٌ بأن يردّ الغرب هذه المناشدة بالقبول والانكفاء. غير أن الواقع كذّب هذا الوهم مرةً بعد مرة.

يذكر السيد حسين مثالاً صارخاً: ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية، الذي ظل يردد كلمة “سلام” حتى وهو محاصر في مقره المدمّر، ومقرّ سلطته أشلاء، وطائراته محترقة، وقوات أمنه مشتتة. وعلى الرغم من كل ذلك، ما زال يخاطب إسرائيل وأمريكا بلغة الحرص على “عملية السلام”! ولا يقتصر الأمر على عرفات وحده، بل هو نهج منظومي تكرّس في مؤتمرات الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي؛ حتى إن الرئيس السوداني أفصح في مؤتمر الدوحة  قبل سنوات عن واقعة صادمة: أن دول المنظمة كانت قد أقدمت فعلاً على حذف كلمة “جهاد” من مواثيقها الجماعية، تقرباً من الغرب وطمعاً في رضاه -فلم يتحصّل لهم رضا، ولم يجنوا سلاماً.

وثمة منطق عقلاني صارم يشهد له الواقع: فالطرف الذي يُظهر ضعفه ويُعلن استسلامه المسبق لا يستدعي احتراماً، بل يستدعي مزيداً من الضغط والإملاء. أما الطرف الذي يُعلن امتلاكه لمشروعية المقاومة ويتحضّر لتطبيقها، فإن الطرف الآخر يحسب له ألف حساب. وما نموذج حزب الله في جنوب لبنان -الذي خرّج المحتلَّ الإسرائيلي عام 2000م- إلا دليلٌ دامغ على أن القوة والإرادة هما الطريق الوحيد لانتزاع حق الكرامة، لا المناشدات الصوتية التي تُلقى على أعتاب من لا يسمعون.

“لو تحرك الفلسطينيون كما تحرك حزب الله في لبنان، لو انطلقوا وهم الآلاف وفيهم الشباب وفيهم من يعرف كيف يستخدم الأسلحة، لحققوا لأنفسهم السلام كما حققه حزب الله لبلده.”

أما اليوم، فالمشهد يزيد إيلاماً؛ إذ تجد شعوب الأرض تتساءل: كيف يُقدَّم الفلسطيني الذي يدافع عن منزله بالحجر باعتباره إرهابياً، بينما يُقدَّم الجيش الذي يهدم المستشفيات ويقتل الأطفال باعتباره دولةً تمارس حق الدفاع عن النفس؟ هذا التلاعب بالمعايير الأخلاقية الدولية هو تحديداً ما حذر منه السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه قبل عقود، وها نحن نعيش تجليّاته كل يوم على شاشاتنا.

رابعاً: استراتيجية الحصار الشامل – تفكيك الأمة من الداخل

ما تقوم به الهيمنة الأمريكية على الأمة الإسلامية لا يقتصر على البعد العسكري أو السياسي، بل يمتد في استراتيجية متكاملة تستهدف المجتمع الإسلامي في كل مفاصله. يُجلّي المحاضر هذه الاستراتيجية الشاملة بتحليل رصين وعميق: الحرب ليست على الأرض فحسب، بل هي حرب على الاقتصاد وعلى الثقافة وعلى الأخلاق والقيم وعلى اللغة وعلى المصطلحات القرآنية العربية. كل ميدان يُوجَّه إليه سهم مدروس من أسهم هذا الحصار الشامل.

على صعيد الثقافة، يفضح المحاضر التناقض الجوهري: فالثقافة القرآنية تُنشئ الإنسان الذي “لا ينطلق الشر من يده ولا من لسانه”، المتشرب بقيم العدل والرحمة والمسؤولية الجماعية. أما الثقافة الغربية التي تُوصف بالتحضر والإنسانية، فهي -في واقعها- ثقافة إفراد متعطشة للتحرر من الضوابط الأخلاقية، ثقافة تفريغ القيم وتذويب الهوية وإعادة الإنسان إلى دائرة الشهوة والأنا والمادة. ومع ذلك، تجد هذه الثقافة من يُرحّب بها في أوساط المجتمعات الإسلامية باعتبارها “تقدماً” و”تنويراً”، بينما يُوصم المتمسك بقيمه الدينية بالرجعية والتخلف.

أما على صعيد التعليم والمؤسسات الدينية، فإن ما كشفه المحاضر يتجلى اليوم على نحو صارخ: تعمل قوى الهيمنة على تجفيف منابع التدين الراسخ، إذ تُصنَّف المدارس التي تدرّس القرآن الكريم وعلومه “مصانع للتطرف”، ويُوصف العلماء الذين يتحدثون عن حقوق الأمة ومسؤولياتها الجهادية بـ”رجال الدين المتشددين”. وبهذا تُقفَل أبواب الوعي من قِبَل من يحمل مفتاح البوابات الإعلامية والمالية الدولية.

وربما كان أشد أشكال هذا الحصار مكراً وخطورةً ما تُبديه الأنظمة الإسلامية ذاتها من استعداد للمشاركة في تنفيذه. فحين تُصدر دولة مسلمة تعميماً -كما أشار المحاضر صراحةً- يمنع المساجد من الحديث عن أمريكا، وحين تُقدّم حكومة إسلامية على تسليم مواطنيها لأجهزة مخابرات أجنبية بتهمة “الإرهاب”، فإنها تتحوّل من دولة تحمي شعبها إلى أداة في يد من يستهدف ذلك الشعب. وهذا تحديداً ما حذّر منه المحاضر بقوله إن الأمريكيين يريدون أن “يعملوا قواعد” في دول الإسلام لتصبح قرارات تلك الدول بأيديهم مباشرة.

خامساً: دروس من التجارب الحية – بين نموذج الاستسلام ونموذج المقاومة

لا يكتفي السيد حسين في محاضرته بالتشخيص النظري، بل يضرب لنا نماذج حيّة من الواقع المعاش تُجلّي الفرق المذهل بين مسارين: مسار من آثر الصمت والمهادنة، ومسار من اختار الصمود والمقاومة. ففي المقابلة بين التجربة الفلسطينية كما عاشها الفلسطينيون في عهد مرحلة أوسلو وما تلاها، وتجربة حزب الله في جنوب لبنان، يتجلى درس تاريخي بالغ الوضوح.

التجربة الفلسطينية في مرحلة التفاوض المديد هي نموذج مؤلم لما يحدث حين تُغرّر كلمة “سلام” بمن ينشدها من موقع الضعف. فمنذ أوسلو 1993م، وحتى اليوم، ظل الفلسطينيون يقدّمون التنازلات ويرهنون مستقبلهم بوعود لم تتحقق منها لبنة، فيما توسّعت المستوطنات وتعمّق الحصار وازدادت الأرض العربية ضيقاً وشحّاً. وهكذا ثبت عملياً أن الاعتراف بالضعف يفتح الباب لمزيد من الاستيلاء لا للرحمة والإنصاف.

في المقابل، تتجلى تجربة حزب الله في جنوب لبنان بوصفها نموذجاً عملياً يُفنّد أكذوبة أن القوة تستدعي القوة المضادة الفورية. فهذا الحزب -الذي تُصنّفه أمريكا وإسرائيل “إرهابياً” بامتياز- هو تحديداً من أجبر إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000م دون قيد أو شرط، وهو من جعل إسرائيل تتردد طويلاً قبل المغامرة بأي عمل عسكري في جنوب لبنان. أما الفلسطينيون الذين وقّعوا اتفاقيات “السلام”، فقد تلقّوا الضربات صباح مساء ولم يجدوا حتى صوتاً غربياً واحداً يحتجّ بجدية.

“[حزب الله] في لبنان هل التزم الصمت والسكوت؟ أم أنه مجاميع من المؤمنين تشبعوا بروح القرآن الكريم التي كلها عمل وجهاد.. هاهم الآن يعيشون في سلام، وإسرائيل لا تجرؤ أن تضربهم بطلقة واحدة، أليس هذا هو السلام؟”

وعلى الصعيد الإيراني، يستحضر المحاضر نموذجاً آخر لافتاً: حين وجّهت إدارة بوش تهديداً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، كانت ردة الفعل الإيرانية قاطعة: مسيرات شعبية صاخبة وخطاب رسمي صريح رافض، فتراجع الأمريكيون وانتقدهم حتى أعضاء الكونغرس الأمريكي بحجة “استفزاز الآخرين”! و اليوم تواجه أمريكا نتيجة عدوانها على إيران أكبر مأزق عسكري في تاريخها في مقابل تخلي الأمريكي عن الدول العربية التي فتحت له الأرض وشيدت لله القواعد العسكرية ومولتها فاستُبيحت سيادتها وانتُهكت كرامتها، وهنا يكشف معادلة بسيطة: الاستسلام المبكر لا يُفضي إلى السلام، بل يغري والعدو ويشجعه على تحقيق المزيد من المكاسب.

سادساً: التضامن الإسلامي في مواجهة التفتيت الممنهج

ينتهج الغرب في مواجهة الإسلام والمسلمين استراتيجية “فرّق تسُد” بامتياز، وليس هذا بجديد على أمة اكتوت بنيرانه في مراحل الاستعمار الكلاسيكي. غير أن صياغاته الجديدة قد تجاوزت البعد القُطري الضيق لتتعمق أكثر في نسيج الهوية الإسلامية نفسها؛ عبر إثارة النزاعات المذهبية وتوظيفها، وصناعة التوترات القومية وتغذيتها، وشراء ولاء النخب الدينية والسياسية وتحويلها إلى عناصر تحريض داخلي.

يؤكد السيد حسين بلغة القرآن الكريم على أن الوحدة ليست خياراً سياسياً بل فريضة إيمانية: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}. وهذه الوحدة هي الركيزة الأولى لأي مشروع نهضوي إسلامي جاد. فحين تتوحد الأمة في تحليل المشهد وقراءة المواقف وبناء مواقف موحدة، يُصبح اختراقها أمراً عسيراً، بل مستحيلاً في حالات كثيرة. أما حين يتفرق أبناؤها بين متشائم ومستسلم ومحتار، فإن حصون الأمة تتهاوى دون حاجة إلى قنبلة واحدة.

ويلاحظ أن الأمريكيين وأحلافهم يُدركون هذه الحقيقة جيداً؛ لذا فإن قمة أجندتهم في المنطقة الإسلامية ليست فرض نموذجهم السياسي، بل إشاعة الفتن الطائفية والقبلية والمذهبية التي تشغل الأمة عن همّها الوجودي الأكبر. وقد رأينا هذا جلياً في العراق ما بعد 2003م، وفي سوريا، وفي اليمن، وفي ليبيا و في السودان: حيث تتدفق الأسلحة إلى الجبهات الداخلية حتى أنهكتها حروب صنعتها أيدٍ خارجية.

ومن هنا تتضح الخطورة البالغة لأي نزاع داخلي بين أبناء الأمة، سواء أكان هذا النزاع بين فصائل وحكومات أم حركات أم مذاهب: فكل دم يُراق على يد مسلم من يد أخيه المسلم هو ربح صافٍ لمشروع الهيمنة الصهيوأمريكية الذي يحرص على إبقاء دار الإسلام ساحة نزاع لا ساحة نهوض. وليس أدل على ذلك مما يحدث اليوم سوى فيما يخص الإبادة الصهيونية لابناء غزة أو العدوان الصهيوني على لبنان أو العدوان الأمريكي الصهيوني على اليمن و إيران فقد بتنا نسمع الكثير من الأبواق العربية التي تتبنى رواية الأعداء ونسمع بيانات لأنظمة عربية تدين من يدافع عن نفسه من أبناء الأمة وتنحاز إلى المعتدين في مفارقة صارخة تؤكد الحال المحزن الذي وصلت إليه الأمة.

سابعاً: حروب الوعي – الإعلام ورهان من يملك الرواية

يُولي السيد حسين أهمية استثنائية لمسألة الوعي وصناعته والتحكم فيه، ويرى أن معركة الإعلام ومعركة المفاهيم هي من أكثر المعارك إلحاحاً في هذا الزمان. وفي عالم اليوم الذي تتحكم فيه خمس أو ست شركات إعلامية كبرى في مجريات الرأي العام العالمي، يصبح سؤال “من يملك الرواية؟” سؤالاً مصيرياً لا يقل خطراً عن سؤال “من يملك السلاح؟”.

فحين تقع مجزرة في غزة، تتحكم الآلة الإعلامية الغربية في تقديمها للعالم وفق سردية تجعل الضحية معتدياً والقاتل مضطراً للدفاع عن النفس. وحين تُحاصَر شعوب بسبب تمردها على الهيمنة، يُقدَّم ذلك الحصار باعتباره “ضغطاً دولياً مشروعاً” لا عقوبة جماعية. وحين ينتفض مسلمون في مكان ما رفضاً للاحتلال والظلم، تُوصف الانتفاضة بـ”العنف الطائفي” أو “التطرف الديني”. أما الاستعمار الصريح والقصف العدواني و الإبادة الممنهجه، فيُقدَّمان بوصفهما “عملية تحرير” أو “حفاظاً على الأمن الدولي”.

ويشير السيد حسين إلى خطورة أن تُسمح كلمة “الإرهاب” بمعناها الأمريكي أن تترسخ في أذهان الناس، لأن ترسّخها لا يعني فحسب انتصاراً في حرب المصطلحات للغرب، بل يعني توفير المسوّغ الأخلاقي لأي ضربة يوجّهها الغرب وأعوانه لأي فرد أو جماعة أو دولة “يصنّفها” إرهابية. وما أن تنتشر هذه التسمية في المحيط الإعلامي، تصبح عملية العقاب “مشروعة” في أعين الرأي العام الدولي، بل وفي أعين أبناء الأمة المسلمة أنفسهم.

“إننا الآن في معركة مصطلحات، إذا سمحنا لهم أن ينتصروا فيها فإننا سنكون من نُضرب ليس في معركة المصطلحات بل في معركة النار، إذا ما سمحنا لهم أن تنتصر مفاهيمهم وتنتصر معانيهم لتترسخ في أوساط الناس.”

إن مسؤولية بناء إعلام إسلامي مستقل يملك سرديته الخاصة، ويستطيع وضع الأحداث في سياقاتها الصحيحة، هي مسؤولية يتأخر في النهوض بها العقل الإسلامي الجمعي تأخراً مقلقاً. وفي حين يمتلك العدو الإسرائيلي وحده إمكانيات إعلامية وعلاقات عامة ضخمة، يتشتت الصوت الإسلامي في مئة قناة ومئة موقع لا تجمعها رسالة موحدة ولا رؤية استراتيجية مشتركة.

المقترحات والحلول: في ضوء منهج القرآن الكريم

استناداً إلى ما طرحه شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي على في محاضراته [ الإرهاب والسلام] من رؤى ومنطلقات قرآنية، وفي ضوء استقراء المشهد الراهن، يمكن صياغة جملة من المقترحات والحلول المنهجية:

١. معركة المصطلحات: استعادة اللغة من الاستعمار المفاهيمي

على العلماء والمثقفين والمنابر الإسلامية أن تُقدم على معركة إعادة تعريف المصطلحات من منظورها القرآني الأصيل. كلمة “الجهاد” يجب أن تُستعاد من الاستعمار المفاهيمي، وأن يُرسَّخ معناها الشريف في الوعي العام. وكلمة “الإرهاب” يجب أن تُقرأ بمعناها القرآني القائم على إعداد القوة لردع الأعداء، لا بمعناها الأمريكي الذي يجعل كل مدافع عن دينه وأرضه إرهابياً. وهذه المهمة ليست ترفاً فكرياً بل هي أولى خطوات تحرير الأمة.

٢. بناء الوعي القرآني: عودة إلى الينابيع

إن الحل الجذري لأزمة الأمة هو في العودة إلى القرآن الكريم مرجعاً أساسياً لقراءة الأحداث والمواقف. وهذه العودة لا تعني الانغلاق أو رفض العلوم والأدوات الحديثة، بل تعني ربط القرارات والتوجهات بمنظومة قيمية ومبدئية راسخة، لا أن تُرهن بردود أفعال الآخرين أو ضغوطهم. على المناهج الدراسية، وعلى خطب المساجد، وعلى برامج التوعية أن تُدرج مفاهيم الهوية والمسؤولية الحضارية والمواجهة بوعي.

٣. الوحدة الإسلامية: من الشعار إلى التكتل الفعلي

ترسيخ التضامن الإسلامي الفعلي -لا الإعلاني- بين دول الأمة، عبر تنسيق مواقف سياسية موحدة، وبناء منظومات اقتصادية مستقلة، وتعزيز التبادل الثقافي والعلمي. الوحدة التي يدعو إليها القرآن بقوله {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} هي الحصن المنيع الأول في وجه سياسات التفتيت والإضعاف. ومن أول أولوياتها: وقف التدخل في الشؤون الداخلية لدول الأمة، ووضع آليات لفض النزاعات البينية بعيداً عن الوساطة الغربية.

٤. إعداد القوة: السلام الحقيقي لا يُنتَزَع بالعجز

انطلاقاً من قوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}، على الأمة أن تستثمر مواردها الهائلة -البشرية والطبيعية والجغرافية- في بناء قدرات الردع الذاتي. السلام الدائم لا يُصنَع على طاولة المفاوضات المجردة من أي رافعة قوة، بل يُنتَزع حين يُدرك الطرف الآخر أن الإقدام على الإيذاء سيكون مكلفاً. وتجربة إيران وحزب الله وبعض حركات المقاومة خير شاهد على هذه الحقيقة.

٥. ثورة الإعلام: كسر احتكار السردية

لا نهضة دون سردية حرة. إن بناء إعلام إسلامي مستقل قادر على التعامل مع الأحداث بمهنية عالية وبمنظور حضاري خاص، هو من أهم الاستثمارات التي تستطيع الأمة أن تقدم عليها. ليس الأمر حكراً على الدول، بل يمتد إلى المؤسسات الأهلية والجامعات ومراكز البحث ومنصات التواصل الاجتماعي. الأمة التي لا تملك القدرة على تقديم قضاياها، والأمة التي تترك للآخرين حق رواية تاريخها تكون قد تنازلت عن جزء أساسي من وجودها.

٦. إصلاح المنظمات الدولية الإسلامية: من البيانات إلى القرارات

تحتاج منظمات التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الاقتصادي الإسلامي إلى إصلاح هيكلي جذري يُحوّلها من منابر للتصريح إلى أدوات لصنع القرار الاستراتيجي. و إعادة إصلاح هذه المؤسسات على أساس روح إسلامية حرة، وفك ارتباطها بالإملاءات الغربية.

خاتمة: الأمة في مفترق طريقَين

تقف الأمة الإسلامية اليوم، بعد كل ما تكشّف وتجلّى، على مفترق طريقين لا ثالث لهما: إما أن تستمر في نهج المناشدة والاستسلام المسبق وقبول الفتات، فتجد نفسها في نهاية المطاف أسوأ حالاً مما فيه الفلسطينيون اليوم وإما أن تستفيق على حجم التحدي الوجودي الذي تواجهه، وتنهض باستراتيجية شاملة تقوم على إعداد القوة والوعي والوحدة والاقتصاد والسرديةِ الحرة.

ما يجعل لمحاضرة السيد حسين -رغم مرور عقود على إلقائها- مواكبة ومؤلمة ودالة هو أن تشخيصها لم يتقادم، بل إن الأعراض التي رصدها باتت أكثر حدة ووضوحاً. وكأن الأمة كانت أمام مرآة تريها داءها جلياً، فآثرت أن تنصرف عنها وتُواصل مسيرتها نحو الحائط.

والحق أن الأمل لا يزال ممكناً؛ فهذه الأمة تمتلك من الثروات المادية والبشرية والروحية ما يكفي لأن تُعيد كتابة معادلات القوة على مستوى الكوكب. وما ينقصها ليس الموارد، بل الإرادة الجماعية والقيادة الواعية والمشروع الحضاري المُلهِم. وكما قال الإمام الخميني -رضوان الله عليه- في تشخيصه لأمريكا بـ”الشيطان الأكبر”، فإن الشيطان -مهما عظمت مكائده- {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}. ولن يضعف كيده إلا أمام أمة آمنت بربها وصدقت في معركتها وأحسنت إعداد عدتها.

{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} – البقرة: 250

قد يعجبك ايضا