حكمة القيادة ووَحدة الساحات تكسر غطرسة أمريكا وتفرض معادلة النصر لغزة ولبنان
نبيل الجمل
في عالم تمزّقه البراغماتيةُ السياسية الغربية وتتحكّم في مساراته لغة المصالح الاستعمارية، تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية كركيزة ثبات وحصن استراتيجي لا يتزعزع، مقدّمةً نموذجًا فريدًا في الإدارة السياسية والعسكرية القائمة على الحكمة والصلابة والوفاء للمبادئ.
إن القراءة المتأنية للمشهد الإقليمي والدولي تكشف بوضوح حجم الخداع والمراوغة التي تمارسها أمريكا إلى الواجهة بسياساته القائمة على الابتزاز وإضاعة الوقت والالهاء، محاولًا فرض شروط تعجيزية ومستحيلة على طهران لإفشال المفاوضات وتحميلها المسؤولية، من خلال ربط أي اتّفاق سياسي بملف التطبيع ودفع دول عربية وإسلامية جديدة إلى “اتّفاقيات أبراهام” الخيانية.
هذا الاشتراطُ الأمريكي يمثل ذروةَ الصلف السياسي؛ فالتطبيع مع كيان غاصب هو طعنة في جسد الأُمَّــة يرفضها كُـلّ حر ومقاوم وعربي ومسلم، وهي محاولة بائسة لشرعنة وجود الاحتلال على حساب دماء الشعب الفلسطيني واللبناني.
أمامَ هذا المنعطف التاريخي الخطير، وفي ظل استمرار قوات الاحتلال الصهيوني في اعتداءاتها الهمجية وحرب الإبادة المُستمرّة على قطاع غزة وفلسطين وجنوب لبنان، لم تقف طهران موقف المتفرج، فقد أثبتت قيادتها الحكيمة والرشيدة بُعد نظر وعمقًا استراتيجيًّا غيّر قواعد الاشتباك السياسي والعسكري.
لقد صاغت القيادة الإيرانية معادلة جديدة تقوم على الصمود وبسالة القوات المسلحة، معلنةً بكل حزم: لا اتّفاق ولا مفاوضات مع أمريكا ما لم يتم وقف إطلاق النار والعدوان بالكامل على لبنان وغزة.
هذا الموقفُ التاريخيُّ يمثِّلُ تجسيدًا حقيقيًّا لمفهوم “وَحدة الساحات” لمحور المقاومة؛ حَيثُ رفضت إيران بشكل قاطع فصل مِلفها النووي أَو السياسي عن قضايا الأُمَّــة، جاعلةً من فلسطين وغزة شرطًا أَسَاسيًّا غير قابل للتفاوض، لتؤكّـدَ للعالم أجمعَ أن دماءَ الشهداء في غزة وبيروت هي خطٌّ أحمر إيراني لا يمكن تجاوزه.
هذه الحكمةُ السياسيةُ لم تكن لتؤتيَ أُكُلَها لولا الاستنادُ إلى قوة رادعة على الأرض، وهو ما ترجمته تصريحاتُ القيادة العسكرية للحرس الثوري الإيراني بدقة وبأس شديد.
إن تحذيراتِ طهران بأن تجاوُزَ الخطوط الحُمْرِ في لبنان وغزة يعد بمثابة مواجهة مباشرة مع الجمهورية الإسلامية هي عقيدة عسكرية مفعلة.
وجاء الموقف الصارم؛ ليعيد رسم حدود الردع، محذرًا سكانَ المستوطنات العسكرية الشمالية في الأراضي المحتلّة بضرورة المغادرة الفورية في حال نفّذ بنيامين نتنياهو تهديداته بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت، معتبرًا أن هذه التحذيراتِ تأتي ردًّا طبيعيًّا على الانتهاكات الصهيونية المتكرِّرة لاتّفاقيات وقف إطلاق النار.
بالتوازي مع ذلك، جاءت كلمات قائد فيلق القدس لترسخ الرعب في قلوب الأعداء، مؤكّـدًا أن الاستمرار في الاعتداء على غزة ولبنان سيجعل الملاحة في باب المندب مطابقة للأوضاع في مضيق هرمز، مما يعني شللًا للاقتصاد الصهيوني والدولي الداعم له، ومشدّدًا على أن هذا الصلفَ الإسرائيلي لن يؤدي إلا إلى ترسيخ عزم محور المقاومة على تفعيل جبهات أُخرى وأكثر إيلامًا.
هذا التلاحم العضوي والضغط الإيراني الذكي، عسكريًّا وسياسيًّا، أثمر في نهاية المطاف تراجعًا أمريكيًّا وصهيونيًّا واضحًا وانكسارًا لغطرسة ترامب ونتنياهو.
والنتيجة السياسية اليوم تتحدث عن نفسها؛ إذ يجد الرئيس الأمريكي نفسه مجبَرًا على تحديد السياسة الإسرائيلية القادمة بناءً على قاعدة “الهدوء مقابل الهدوء”، وهي القاعدة التي فرضتها المقاومة بصمودها وضرباتها.
وما تصريحاتُ ترامب الأخيرة إلا اعترافٌ صريحٌ بالهزيمة السياسية والعسكرية وفشل مشروع الابتزاز؛ فحين يصرح بأن نتنياهو أكّـد له عدمَ إرسال أية قوات إلى بيروت وإعادة القوات التي كانت في طريقها، وحين يقر بإجراء اتصالات رفيعة المستوى مع حزب الله للالتزام بوقف إطلاق النار الشامل، فإن ذلك يمثل إعلانًا رسميًّا بانتصار إرادَة المحور.
إن انصياعَ الاحتلال لمعادلة “كيان الاحتلال لن تهاجم حزب الله وهو لن يهاجم كيان الاحتلال ” هو نتاج مباشر للموقف الإيراني الحكيم والتلاحم الأُسطوري لساحات المقاومة، ليثبت التاريخ مجدّدًا أن الحقوق لا تُستجدى في أروقة المفاوضات المخادعة، بل تُنتزع بصمود الشعوب وبنادق المقاومين وحكمة القيادة التي لا تساوم على دماء أمتها.