شهيد القرآن.. وميلاد المشروع الإنقاذي: ندوة فكرية بصنعاء تستعرض عالمية وحركية المنهج القرآني
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
في إطار فعاليات مهرجان “شهيد القرآن” السنوي، احتضنت العاصمة صنعاء اليوم الثلاثاء ندوة ثقافية وفكرية رفيعة المستوى، نظمتها مؤسسة الشهيد زيد علي مصلح، تسلط الضوء على فكر وحياة شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي.
الندوة التي حضرها عدد من قيادات الدولة وشخصيات قضائية وأكاديمية وباحثين من دول عربية، ناقشت الأبعاد الروحية، والسياسية، والمنهجية للمشروع القرآني الذي أضحى اليوم مساراً عملياً يغيّر وجه المنطقة.
حضور رفيع وقراءات منهجية
شهدت الندوة حضوراً رسمياً واجتماعياً بارزاً، تقدمه عضو المحكمة العليا القاضي أحمد المتوكل، وأمين العاصمة الدكتور حمود عُباد، ونائب وزير الإعلام الدكتور عمر البخيتي. وتوزعت المادة العلمية للندوة على أربع أوراق عمل بحثية، تناولت “جينات” المشروع القرآني ومنطلقاته التي نقلت الأمة من ضفة الإحباط إلى ضفة المواجهة والبناء.
في الورقة الأولى، استعرض عضو المكتب التنفيذي لأنصار الله، الأستاذ يحيى أبو عواضة، البدايات الأولى للمسيرة.
وأشار إلى أن عبقرية شهيد القرآن تجسدت في قدرته على استنهاض القرآن الكريم من بطون الكتب وتحويله إلى “حركة واقعية” تقارع الطغاة.
وأوضح أبو عواضة أن هذا المشروع لم يكن محلياً أو فئوياً، بل جاء بـ “رؤية عالمية” كشفت زيف المخططات الأمريكية والتحركات الصهيونية الاستعمارية التي تسعى للهيمنة على مقدرات الأمة الإسلامية، مؤكداً أن شهيد القرآن أعاد الاعتبار للقرآن بجعله مرجعية حاكمة على السلوك والتشريع.
من الإحباط إلى الإرادة: صناعة الإنسان
من جانبه، قدّم الدكتور حمود الأهنومي، أستاذ التاريخ بجامعة صنعاء، ورقة عمل ركزت على “النتائج الميدانية” للمشروع.
وأشار إلى أن أعظم إنجاز حققه السيد حسين بدر الدين الحوثي هو “تحويل الوعي إلى مسيرة”، وكسر حاجز الخوف النفسي.
وأكد الأهنومي أن المشروع القرآني نجح في صناعة جيل من المؤمنين يمتلك إرادة صلبة، محولاً حالة اليأس العام إلى طاقة بناء وتغيير، مما جعل من هذا المشروع مرجعية شاملة تعالج القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بروح قرآنية أصيلة.
شهادة عرفانية من الخارج: إحياء الروح والعمل
وفي مشاركة لافتة، قدّم المفكر والباحث الجزائري الدكتور نور الدين أبو لحية ورقة بعنوان: “شهيد القرآن والعرفان: مشروعٌ إحيائيٌّ متكامل”.
أبو لحية لم يتحدث بلسان الأكاديمي المجرد، بل بلسان القارئ المتأثر بملازم شهيد القرآن، حيث وصف تراثه بأنه يتميز بـ “الحضور الإلهي الدائم”.
وأوضح أبو لحية أن عظمة شهيد القرآن تكمن في أن “عرفانه” لم يكن اعتزالياً أو حبيس الخلوات، بل كان “عرفاناً حركياً”.
وانتقد كيف استطاع شهيد القرآن تعرية من يكتفون بـ “لقلقة اللسان” بذكر الله بينما قلوبهم ترهب أمريكا و(إسرائيل).
وخلص أبو لحية إلى أن نجاح هذا المشروع يتجسد اليوم في “تلامذة الشهيد” الذين يناصرون غزة ويصنعون الصواريخ والمسيرات تحت الحصار، مشدداً على أن استهداف الشهيد كان بسبب تقديمه لـ “معرفة حية” قادرة على تنظيم المجتمع ومواجهة الاستكبار.
البناء المنهجي: الثقة بالله كقاعدة صلبة
وفي الورقة البحثية التي قدمها الباحث محمد الدار، تم تفصيل “الركائز المنهجية” للمشروع. واعتبر الدار أن “التحرر الإيماني” هو الأرضية التي انطلق منها شهيد القرآن. وفصّل الدار أبعاد هذه العلاقة في أربعة مسارات:
ـ المصدرية المعرفية: الله هو مصدر العلم والهداية، والقرآن هو المنهج الذي يضبط معارف البشر.
ـ البعد السلوكي: الإيمان يتجسد في “العبودية المطلقة” والتسليم لأمر الله والجهاد في سبيله.
ـ الحاكمية التشريعية: لا يجوز اعتماد تشريعات وضعية تصادم هدي الله، فالخالق هو الأحق برسم نظم البشر.
ـ الجانب الوجداني: بناء علاقة حب وتعظيم لله تجعل المؤمن لا يخشى أحداً سواه.
وشدد الدار على أن “الثقة بالله” هي النتيجة الأهم لهذا الربط الإيماني، وهي المحرك الذي يمنح المقاتل والسياسي والمواطن اليقين بنصر الله رغم اختلال موازين القوى المادية.
القرآن في مواجهة المشروع الصهيوني
ولم تغب القضية الفلسطينية عن جوهر الندوة، حيث قدّم الباحث الفلسطيني الدكتور محمد البحيصي قراءة حول كيفية تصدي المشروع القرآني للمشروع الصهيوني.
وأكد البحيصي أن الرؤية التي قدمها شهيد القرآن هي “الترياق” الحقيقي لداء الشتات العربي، وأنها الرؤية الوحيدة التي قدمت تشخيصاً دقيقاً للعدو ووسائل مواجهته انطلاقاً من حقائق القرآن الثابتة.
مشكلة الأمة هي “مشكلة منهج”
أجمعت الندوة على أن الأزمة الكبرى التي تعيشها الأمة اليوم هي “أزمة منهج”، حيث تتقاذفها المناهج الغربية الدخيلة أو الرؤى الإسلامية المشوبة بالقصور.
وجاء المشروع القرآني ليعيد الأمة إلى “النبع الصافي”، متبنياً خمسة أسس للتعامل مع القرآن:
ـ اعتباره المرجع الرئيسي للعلوم والسياسات.
ـ الاهتمام بمعارفه كمنهج شامل للحياة.
ـ تفعيل “حاكمية القرآن” فوق كل الثقافات والنظم.
ـ الالتزام بـ “الاتباع والتحرك” وليس مجرد القراءة.
ـ التعامل مع آياته كحقائق كونية ثابتة لا تقبل الشك.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أن ذكرى شهيد القرآن ليست مجرد طقس سنوي، بل هي محطة للتزود بالوعي والاستمرار في مسار التحرر الذي خطه الشهيد بدمه، مؤكدين أن المسيرات المليونية التي خرجت بشكل أسبوعي خلال فترة طوفان الأقصى في اليمن هي الثمرة الحية لهذا الغرس القرآني العظيم.
وبناءً على الأوراق البحثية والمناقشات المستفيضة التي شهدتها ندوة “مهرجان شهيد القرآن” بصنعاء، خلص المشاركون إلى التوصيات والنتائج التالية:
أولاً: على المستوى المنهجي والمعرفي
ـ العودة للمصدرية القرآنية: التأكيد على أن القرآن الكريم هو المرجع الأول والأساس في وضع السياسات العامة، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وليس مجرد كتاب للعبادة الفردية.
ـ تصحيح المفاهيم العقائدية: الدعوة إلى تنقية الفكر الإسلامي من الثقافات المغلوطة والمناهج الكلامية التي تسببت في تدجين الأمة وقبولها بالظلم، واستبدالها بالثقافة القرآنية الحية.
ـ ترسيخ حاكمية القرآن: التشديد على ضرورة أن تكون الآيات القرآنية هي الحاكمة على كل النظم والقوانين والتشريعات الوضعية لضمان استقامة المجتمع.
ثانياً: على المستوى التربوي وصناعة الجيل
ـ الانتقال من الوعي إلى الحركة: التوجيه بضرورة تحويل المعارف القرآنية إلى سلوك عملي ومسيرة تحرك في الميدان، كما فعل الشهيد القائد.
ـ بناء الثقة المطلقة بالله: التركيز في المناهج التربوية والتثقيفية على غرس “الثقة بالله” كعامل نفسي أساسي لمواجهة التحديات والمؤثرات النفسية المعادية.
ـ صناعة “الجيل المؤمن”: العمل على بناء جيل يمتلك روحية الجهاد، وعزة الإيمان، والقدرة على الابتكار والتصنيع تحت أصعب الظروف والحصار.
ثالثاً: على مستوى المواجهة والقضايا الراهنة
ـ تفعيل “سلاح المقاطعة” والصرخة: الاستمرار في تبني شعار الحرية (الصرخة) وسلاح المقاطعة الاقتصادية كأدوات قرآنية فعالة في كسر الهيمنة الصهيو-أمريكية.
ـ الارتباط العضوي بقضايا الأمة: التأكيد على أن نصرة الشعب الفلسطيني وغزة هي جزء أصيل من الالتزام الإيماني والمنهج القرآني، ولا تقبل المساومة أو التراجع.
ـ كشف المخططات الاستعمارية: استمرار العمل البحثي والإعلامي في تعرية المخططات الغربية التي تستهدف هوية الأمة وقيمها الأخلاقية.
رابعاً: على المستوى المؤسسي والمجتمعي
ـ تعميم “ملازم الشهيد القائد”: التوصية بالتوسع في دراسة وتدريس محاضرات الشهيد القائد (الملازم) باعتبارها مشروعاً إحيائياً متكاملاً للإنسان والمجتمع.
ـ تعزيز التكافل الاجتماعي: انطلاقاً من مبدأ “التقوى الشاملة”، دعوة المؤسسات إلى تبني مشاريع إحسان وتكافل تخفف من معاناة المواطنين وتعزز الصمود الشعبي.
ـ دعم الصناعات الوطنية: استلهام تجربة النجاح العسكري (الصواريخ والمسيرات) وتعميمها في المجالات المدنية لتحقيق الاكتفاء الذاتي والتحرر من الارتهان للخارج.
بهذه التوصيات، اختتمت الندوة أعمالها، مؤكدة أن الوفاء لشهيد القرآن يتمثل في السير على نهجه وترجمة مشروعه إلى واقع ملموس يحفظ للأمة كرامتها واستقلالها.
هل تود مني تحويل هذه النقاط إلى “بوسترات” أو تصميمات نصية تصلح للنشر في منصات التواصل الاجتماعي؟