شهيد القرآن: بصيرة الموقف وصناعة التحول

عبدالرحمن الحمران

في اللحظة التاريخية التي كانت فيها الأمة تترنح تحت وطأة الهيمنة الاستكبارية، وتكبلها قيود الصمت والارتهان لمشاريع التغريب والتبعية، انطلق من جبال مران باليمن صوتٌ أعاد صياغة علاقة الإنسان بالخالق والواقع معاً، معلناً ميلاد مرحلة جديدة من المواجهة والوعي.

لم يكن السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- مجرد باحث، بل كان صاحب رؤية إحيائية استثنائية، استطاع من خلالها استنطاق القرآن الكريم ليقدمه للأمة بوصفه “منهاج حياة” متكاملاً، قادراً على معالجة جذور أزماتها الفكرية والسياسية والاجتماعية, ولقد آمن شهيد القرآن بأن استعادة كرامة الأمة تبدأ من تصحيح نظرتها للمصدر الأصيل لهدايتها، حيث يوضح في دروس “الثقافة القرآنية” هذا المنطلق بقوله: “عندما نتعامل مع القرآن الكريم، نتعامل معه بإجلال، باحترام، بتعظيم، بتقديس، بنظرة صحيحة للقرآن أنه كتاب للحياة“، مؤكداً في سياق آخر أن تراجع الأمة لم يكن قدراً محتوماً بل نتيجة لهجران المنهج، إذ يقول: “لو سارت الأمة على القرآن، من أول يوم من بعد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) لكانت الأمة هذه أرقى أمة“، مشدداً على أن “القرآن كتاب عملي ليس فقط للترانيم، كتاب عملي للحياة وللنفوس تهتدي وتتحرك على أساسه، كل شيء فيه مهم فهو يوجه حتى بأساليبه“.

لقد ارتكز هذا المشروع القرآني على قاعدة جوهرية مفادها أن القرآن ليس نصاً جامداً يُستدعى للتبرك أو يُتلى في المواسم فحسب، بل هو “نور وبصيرة” و”ميزان وعي” يكشف للمؤمنين خفايا المؤامرات التي تستهدف هويتهم ووجودهم، ومن هذا المنطلق حوّل “شهيد القرآن” آيات الذكر الحكيم إلى قوة فاعلة تُحرك الجمود، وتكسر جدار الصمت، وتعيد بناء “الإنسان القرآني” الذي يحمل روح المسؤولية والأنفة، ويرفض الخضوع لقوى الاستكبار الأمريكي والصهيوني، حاثّاً الفرد على أن يبدأ التغيير من داخله ليكون نواةً للنصر، بقوله: “حاول أن تغير من نفسك حتى تصبح إنساناً فاعلاً قادراً على تغيير نفسية المجتمع بأكمله نحو الأفضل، نحو الأصلح، نحو العزة، نحو الشرف، نحو الاهتداء بهدي الله“.

إن عظمة ما قدمه “شهيد القرآن” تكمن في قدرته على الربط الوثيق بين النص القرآني وبين الواقع العملي والمواقف الميدانية؛ فلم يفصل بين العبادة وبين العمل في سبيل عزة الأمة، بل جعل من التمسك بالقرآن منطلقاً للتحرر الاقتصادي والسياسي والثقافي. واليوم، يتجلى أثر هذا المنهج بوضوح في الصمود الأسطوري للشعب اليمني، وفي الموقف المبدئي الراسخ تجاه القضية الفلسطينية، وهو الموقف الذي صحح موازين القوى في ذهنية الأمة، فبينما كان البعض يرى في القوى الاستكبارية قوةً لا تُقهر، أعاد الشهيد القائد صياغة الرؤية وفق المعيار القرآني متسائلاً بإنكار: “فهمنا هو فهم القرآن الذي يقول: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} هل هذه عصا غليظة، أم أن هذه قشة؟! هذه في الواقع قشة، وليست عصاً غليظة.. فمن الأولى بالفهم الصحيح؟ من يرى أمريكا عصاً غليظة أم من يراها وفق ما قال عنها وعن أمثالها القرآن الكريم؟“.

ورغم رحيل “شهيد القرآن” جسداً، إلا أن مشروعه ظل شعلة لا تنطفئ، تحول من فكرة إلى مسيرة عالمية تعبر عن تطلعات المستضعفين, وأملهم في قوة عادلة تنقذهم من الجبروت والطواغيت.

إن الاحتفاء بالذكرى السنوية لشهيد القرآن هو في جوهره احتفاء بالمنهج الذي أعاد للأمة بوصلتها، وهو تأكيد متجدد على أن القرآن الكريم سيبقى دائماً وأبداً هو المخرج الوحيد للأمة من تيهها، والمنطلق الأقوى لاستعادة دورها الحضاري الرائد في قيادة البشرية نحو قيم الحق والعدالة والحرية.

قد يعجبك ايضا