صراعات مُدارة ومشاريع تقسيم: كيف يُعاد تشكيل الجنوب اليمني بأدوات الاحتلال؟
ـ الانتقالي بين التطبيع والتكفير: تفكك “المجلس الرئاسي” وصراع النفوذ السعودي والإماراتي
ـ تحت ظلال “قطع الشطرنج”: مخططات التشرذم وإعادة تدوير الميليشيات في جنوب اليمن
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
تشهد المحافظات الجنوبية والشرقية من اليمن، الخاضعة لسيطرة الاحتلال الإماراتي السعودي، مرحلة بالغة التعقيد من التحولات السياسية والعسكرية، تعكس بوضوح عمق الفشل الذي مُني به تحالف العدوان في فرض الاستقرار أو إنتاج كيان موالٍ متماسك.
فالمشهد الراهن لا يمكن فصله عن مسار العدوان المستمر على اليمن منذ 26 مارس 2015، ولا عن مشاريع التقسيم والتشرذم التي تُدار بأدوات محلية وميليشيات متعددة الولاءات، تُحرَّك وفق حسابات إقليمية ودولية متشابكة.
وبينما تُدار الصراعات في الجنوب اليمني بسقوف محسوبة، وتتبدل التحالفات كقطع الشطرنج، تتابع صنعاء المشهد بهدوء، مدركة خفايا اللعبة وأبعادها، ومؤمنة بأن ما يجري ليس إلا فصلاً جديدًا من فصول العدوان، مهما اختلفت أدواته ومسمياته.
يحرك الاحتلال الإماراتي، بالشراكة مع السعودية، الميليشيات والمرتزقة اليمنيين ضمن مخطط ممنهج يهدف إلى إعادة تشكيل الخارطة السياسية والعسكرية في الجنوب والشرق اليمني، على أسس مناطقية ضيقة، تضمن بقاء حالة الفوضى ومنع تشكّل أي قوة وطنية موحدة.
وتعمل الرياض وأبو ظبي على إدارة صراعات داخلية محسوبة، تارة عبر التحريض الإعلامي المتبادل بين الفصائل، وتارة أخرى عبر محاولات تلميع بعض الجماعات أو فصلها شكليًا عن الارتباط المباشر بدول الاحتلال.
وفي هذا السياق، يؤكد عضو المجلس السياسي الأعلى في صنعاء، الدكتور عبد العزيز بن حبتور، أن ما يحدث في المحافظات المحتلة هو امتداد مباشر للعدوان، وليس صراعًا داخليًا كما يُروَّج له، مشيرًا إلى أن أدوات العدوان تتغير، لكن الهدف واحد: ضرب وحدة اليمن وإضعاف قدرته على الصمود.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن ما يجري حاليًا هو عملية إزاحة ممنهجة لمليشيا حزب الإصلاح من المشهد، واستبدالها بفصائل مسلحة أكثر تطرفًا في ولائها للإمارات، وأكثر انسجامًا مع الأجندة الأمريكية والصهيونية.
فواشنطن وتل أبيب وفق مراقبين تسعيان إلى تجهيز جماعات وأنظمة محلية قابلة للتطبيع السريع والانخراط الكامل في المشروع الصهيوني، دون اعتبار للقضية الفلسطينية أو لمصالح الشعوب.
ويبرز في هذا الإطار دور ما يسمى بـ “المجلس الانتقالي الجنوبي”، الذي يرفع شعار الانفصال، ويقدّم نفسه كبديل سياسي وعسكري، في مسار يُنظر إليه على أنه يخدم مشروع تصفية القضية الفلسطينية، عبر خلق كيانات هشة تابعة، منزوعة الإرادة.
تكشف التحركات الأخيرة عن علاقات متشعبة بين قيادات انفصالية في الجنوب وكيان العدو الصهيوني، إلى جانب علاقات موازية مع جماعات سلفية تكفيرية.
وقد تجلّى هذا التناغم في تصريحات علنية ولقاءات ميدانية، أبرزها ما أعلنه عيدروس الزبيدي صراحة من عدم ممانعته للتطبيع مع الكيان الصهيوني.
كما نفذت قيادات في “الانتقالي” زيارات إلى مراكز سلفية تكفيرية في سيئون، جرى خلالها بحسب المعلومات الاتفاق على الانخراط في معركة واحدة ضد صنعاء والقوات المسلحة اليمنية، في مشهد يكشف حجم التناقض الأخلاقي والسياسي، حيث يجتمع التطبيع مع الصهيونية والتكفير في خندق واحد.
في تطور لافت، وصل أحد قادة الجماعات التكفيرية، وهو مصري الجنسية، إلى محافظة مأرب، بعد فترة تغييب طويلة في الرياض، ليستقر إلى جانب سلطان العرادة، في توقيت يتزامن مع أحداث حضرموت.
ويقرأ مراقبون هذه الخطوة على أنها رسالة واضحة بإعادة تفعيل الورقة التكفيرية، ضمن صراع النفوذ الدائر، وبما يخدم أجندة الاحتلال في استنزاف اليمن.
وبالتوازي مع التحركات العسكرية، تصعّد مليشيا الانتقالي خطابها الإعلامي المعادي للجمهورية الإسلامية الإيرانية ودول محور المقاومة، في تناغم واضح مع الخطاب الإماراتي السعودي الصهيوني.
ويؤكد متابعون أن هذا الخطاب يُدار من “مطبخ واحد”، ويهدف إلى شيطنة كل من يقف في مواجهة المشروع الصهيوني في المنطقة.
شهدت الأسابيع الأخيرة تطورات ميدانية واسعة في محافظات حضرموت والمهرة وعدن، حيث عزز “المجلس الانتقالي الجنوبي” سيطرته العسكرية، بعد أن بسط نفوذه سابقًا على عدن وسقطرى وموانئ استراتيجية.
وقد أعاد ذلك خلط الأوراق داخل ما يسمى “المجلس القيادي الرئاسي”، الذي تشكل عام 2022 بمساعي ودعم من الرياض.
وبعد قرابة ثلاث سنوات، بات “المجلس الرئاسي” يواجه خطر الانهيار، في ظل تفاقم الانقسامات الداخلية، وتضارب الأجندات بين أعضائه، وتحوله إلى مظلة شكلية لصراعات الفصائل، بدلًا من كونه أداة توحيد، كما زعموا أثناء تشكيلة.
ويرى محللون أن هشاشة ما يسمي بـ “المجلس الرئاسي” تعود إلى بنيته غير المتجانسة منذ التأسيس، حيث يضم قوى انفصالية وأخرى ترفع شعار الوحدة، دون وجود مشروع وطني جامع.
وقد تحولت الخلافات إلى مواجهة مفتوحة بعد سيطرة “الانتقالي” على المحافظات اليمنية الشرقية، رغم إدانات شكلية ممن يدعى بـ “رئيس المجلس العليمي”، الذي اعتبر الخطوات تقويضًا لشرعية الحكومة.
كشفت التطورات عن تصدع واضح بين السعودية والإمارات، حيث تدعم أبو ظبي مشروع الانفصال عمليًا، فيما تحاول الرياض الإبقاء على “المجلس الرئاسي” كواجهة شرعية، خوفًا من خسارة أوراقها في أي مفاوضات مستقبلية مع القيادة في صنعاء، ويُسهم هذا التناقض في تعميق حالة الجمود، وإطالة أمد العدوان.
وفي تطور ميداني لافت، أفادت تقارير إعلامية بأن السعودية حشدت نحو 20 ألف مقاتل في محافظة حضرموت، وهددت بقصف ميليشيا “الانتقالي” إذا لم تنسحب من المناطق الشرقية. كما نفذت غارات جوية وأسقطت قنابل دخانية، بالتزامن مع تحركات مليشيا “درع الوطن”، في إشارة واضحة لرفض الرياض تمدد النفوذ الإماراتي في وادي حضرموت النفطي.
وفي المحصلة، تكشف الصراعات المُدارة وإعادة تدوير الميليشيات في الجنوب اليمني المحتل عن فشل ذريع لتحالف العدوان في فرض الاستقرار، وعن محاولات يائسة للهروب من استحقاقات الهزيمة.
وفي المقابل، تبقى صنعاء ثابتة على موقفها، ماضية في مواجهة مشاريع التقسيم والتطبيع، ومجددة العهد بأن الرد قادم، وأن المعركة مع المشروع الصهيوني وأدواته لم تنتهِ بعد: «وإن عدتم عدنا وعاد الله معنا».