عن الأخطاء المكرَّرة في إيران: أميركا لم تفهم الدرس اليمني

تواجه الولايات المتحدة في حربها على إيران اختباراً معقّداً يكشف حدود تفوّقها العسكري، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول جدوى القوة التقليدية في حروب تتغيّر قواعدها بسرعة وتتبدّل موازينها.

قف القوة العسكرية الأميركية في الحرب على إيران أمام اختبار بالغ الصعوبة، قد يكون الأشدّ منذ الحرب العالمية الثانية. فعلى الرغم من التفوّق الناري الهائل، لم تتمكّن الولايات المتحدة من منع استهداف قواعدها العسكرية في المنطقة، كما أخفقت في فرض معادلة السيطرة على مضيق هرمز، وهو ما اضطرّها إلى مواجهة توازنات قاسية لم تكن في الحسبان. وتجلّى جانب من هذا العجز بوضوح في قدرة إيران على إحكام السيطرة على المضيق، والتي باتت تؤرّق دوائر صنع القرار في البيت الأبيض ووزارة الدفاع، إذ نجحت طهران في توظيف العامل الجغرافي بفعّالية، وتحويله إلى أداة ضغط استراتيجية تقيّد حرية الحركة الأميركية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

وعلى الرغم من أن ذلك السيناريو كان متوقَّعاً، إلا أنه استُبعد من دائرة التقدير الأميركية، بتأثير من الشعور بفائض القوة والاستخفاف بقدرات الخصم، والذي دفع إلى اتّخاذ قرار التوجّه نحو الحرب بصورة متسرّعة، من دون دراسة مُعمّقة للعواقب والتداعيات المحتملة على الأمن والاقتصاد العالميين. ويأتي تكرار هذه التجربة بعد وقت قصير من إنهاء الحرب على اليمن، التي كشفت أن التفوّق العسكري والتقني الهائل الذي سخّرته الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، إضافة إلى إسرائيل، لم يكن كافياً لحسم المواجهة مع حركة «أنصار الله»، إذ واصلت الأخيرة تحقيق اختراقات ميدانية أربكت الحسابات الاستراتيجية، وطرحت تساؤلات جدّية حول جدوى الخيار العسكري المُعتمَد في مواجهتها. وفي ظلّ نتائج التجربة اليمنية، خلصت دراسة صادرة عن مؤسسة «أولويات الدفاع» إلى أن المخطّطين العسكريين في واشنطن باتوا أكثر تردّداً في الانخراط في حروب طويلة الأمد، على غرار ما حدث في العراق وأفغانستان، في حين تزايدت المخاوف من استنزاف مخزون الذخائر الدقيقة التي تعتمد عليها القوات الجوية الأميركية – وهو ما أشارت إليه تقارير بحثية وصحافية، بينها تقرير لصحيفة «نيويورك صن» -، فضلًا عن تنامي الانقسام داخل الرأي العام الأميركي بشأن جدوى استمرار الانخراط العسكري في المنطقة.
وعلى الرغم من كلّ تلك المعطيات، تكشف التسريبات المتعلّقة بالحرب على إيران أن المستوى السياسي لم يُصغِ بما يكفي إلى تقديرات الجهات المهنية والعسكرية، التي كانت لا تزال تقيّم تداعيات التجربة اليمنية. كما أنها لم تلقِ بالاً للنقاش الذي كان دائراً داخل المؤسسات العسكرية والبحثية حول محدودية جدوى إدارة الحروب المعاصرة بعقليات وأساليب تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، ولا سيما في ظلّ امتلاك الخصوم تقنيات حديثة منخفضة الكلفة وقادرة على تعطيل قدرات عسكرية تقليدية فائقة الكلفة. وفي هذا الإطار، برزت معضلة الكلفة بوضوح داخل «البنتاغون»؛ إذ ثبت أن الولايات المتحدة تحتاج إلى صاروخ يصل ثمنه إلى مليوني دولار لإسقاط طائرة مُسيّرة لا يتجاوز ثمنها بضعة آلاف من الدولارات، علماً أنه أحياناً يتطلّب إسقاط هدف واحد إطلاق أكثر من صاروخ. ومع تزايد وتيرة الهجمات باستخدام المُسيّرات – بما فيها البعيدة المدى القادرة على ضرب أهداف على مسافات تصل إلى مئات أو آلاف الأميال – تتصاعد فاتورة المواجهة بشكل كبير، وهو ما يفرض تحدّيات اقتصادية وعسكرية متراكمة. وفي البحر، لم تعُد العبرة في عدد السفن الحربية، بل في القدرة على مواجهة تكتيكات غير متماثلة تعتمد على الزوارق السريعة، والغواصات الصغيرة، والصواريخ الساحلية.

قد نكون أمام لحظة تحوّل تاريخية تعيد تعريف موازين القوى في البحار

ويرى مراقبون أن ما حصل قبل أشهر وما يحصل الآن، يؤسّس لتحوّلات تُنذر بثورة في طبيعة الحرب البحرية، حيث تجد حاملات الطائرات والسفن العملاقة نفسها عاجزة عن التموضع الآمن داخل مسارح العمليات، مثلما وقع سابقاً في اليمن، ويتكرّر اليوم في الحالة الإيرانية، إذ اضطرّت حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» أخيراً إلى الابتعاد عن مسرح العمليات، فيما جرى سحب الحاملة «جيرالد فورد» من المعركة. وعلى هذا الأساس، أحجم حلفاء واشنطن الأوروبيون عن الانخراط في الحرب على إيران – على الرغم من أنهم من بين الأكثر تضرّراً من إغلاق المضائق البحرية -، وذلك بعدما شكّلت التجربة اليمنية درساً قاسياً لهم، وبدا انخراطهم فيها من خلال بعثة «أسبيدس» في البحر الأحمر خطوة محدودة الجدوى، بل أقرب إلى عبءٍ بلا طائل. والجدير ذكره هنا أن السفن الأوروبية تعرّضت وقتذاك لهجمات متكرّرة، فيما تباينت مظاهر الإخفاق بين دولة وأخرى، عاكسةً في المجمل هشاشة القدرة على تأمين الملاحة في تلك الظروف. وفي نهاية المطاف، اضطرت قيادة «أسبيدس» إلى التنسيق مع صنعاء لتأمين مرافقة السفن التجارية وضمان عبورها نحو قناة السويس، في ما عكس تحوّلاً لافتاً في موازين القوة والتأثير في المنطقة.

في النتيجة، يتّضح أن مجريات حربَي اليمن وإيران ونتائجهما تطاول جوهر العقيدة العسكرية الغربية نفسها، القائمة على التفوّق البحري التقليدي، إذ إن حاملات الطائرات والأساطيل الضخمة لم تَعُد كافيةً لضمان السيطرة، ولا سيما في مواجهة خصوم يمتلكون أدوات أقلّ كلفة وأكثر مرونة. ولذا، فقد نكون أمام لحظة تحوّل تاريخية تعيد تعريف موازين القوى في البحار، وتفرض على القوى الكبرى إعادة النظر في استراتيجياتها قبل فوات الأوان.

لقمان عبدالله الأربعاء 8 نيسان 2026
قد يعجبك ايضا