لماذا البحرين والكويت والأردن في الخط الأمامي بمواجهة إيران؟

رغم أن العرب هم من علّموا العالم المثل الشائع: “من كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة”، إلا أنه لم يبلغ مسامع بعض دول منطقة الخليج، أو أنه بلغهم لكنهم يرون أن بيوتهم من أسمنت وحديد. لذلك فضّلوا تجربة المجرّب وبذل الغالي والنفيس في مساندة أميركا و”إسرائيل” ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وحينما تلقوا الرد الإيراني الحاسم، وجدوا أنفسهم متروكين دون دعم مقابل خدماتهم لترامب ونتنياهو.

ما حدث فجر الأربعاء في الكويت والبحرين والأردن، وما سبقه ليلة الثلاثاء من الأسبوع الماضي في البحرين والكويت، من إطلاق طائرات مسيّرة وصواريخ من إيران على تلك الدول، هو تأكيد لحقيقة أن الإيرانيين لا يتحدثون إلا مرة واحدة، ولا يعتادون تكرار كلامهم. ولكن، رغم معرفة هذه الدول الثلاث الدقيقة بالنهج الإيراني، يبقى السؤال: لماذا شاركت مرة أخرى في العدوان الأميركي على إيران؟. وهذا ما يثير عدة نقاط من المفيد تسليط الضوء عليها في هذا الشأن:

أولًا: يصر ترامب على اختبار جدية الإيرانيين في التمسك بمواقفهم بشكل تدريجي، وفي الوقت نفسه قياس مدى استعدادهم لدخول مواجهة جديدة محتملة. وبناءً على ذلك، وفي ظل حديثه عن المفاوضات وتقدّمها، يقوم بين الحين والآخر، بسبب أو بدون سبب، باعتداءات عسكرية محدودة ضد إيران ليحصل على إجابات مناسبة لهذا السؤال وغيره. فالهجوم الذي وقع فجر الأربعاء والخميس على إيران بذريعة سقوط مروحية أميركية في الخليج الفارسي، يوضح تمامًا أن سلوك الإيرانيين تجاه مطالب ترامب غير المنطقية في المفاوضات قد أغضبه بشكل أساسي وضيَّق صدره.

ثانيًا: في مثل هذه الظروف، فإن الكيان الصهيوني الذي يخشى من نجاح أي مفاوضات أو اتفاق بين إيران وأميركا، يرحب بكل ما تفوح منه رائحة الاشتباك والحرب بين الجانبين الإيراني والأميركي. وهو إذ يبتهج لأنه نجح أخيرًا، بعد أربعة عقود من المحاولات، في تغيير موقع ومفهوم “العدو” لدى بعض دول المنطقة، من “إسرائيل” إلى إيران، فإنه يوجه كل جهوده لدعم تلك الدول التي أصبحت في المحيط الإيراني بمثابة “لواء المشاة” في حرب أميركا و”إسرائيل” على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ثالثًا: إذا أطلقنا على الحرب بين أميركا وإيران صفة “حرب العمالقة”، فإن “وقف إطلاق النار المؤقت” بين البلدين، وكذلك الاشتباكات المحدودة أو ما يمكن تسميتها “مناوشات الاختبار المتبادل”، يمكن أيضًا تعريفها بنفس الصفة. ومعنى ذلك أنه في هذه الحرب، لا يوجد مجال لدخول “دول بحجم الذرة” في تلك المواجهة، بل إن أي دولة تدخلها بأي نية، ستدفع حتمًا ثمنًا باهظًا لهذا التدخل.
قبل ثلاثة أسابيع، اختبرت الإمارات هذا الدخول المتحيز في لعبة العمالقة، وتلقت الرد المناسب. بعد ذلك، وفي الأسبوع الماضي، كررت البحرين والكويت التجربة المريرة للإمارات، متوقعتَين الحصول على نتائج مختلفة، وكانت النتيجة هي نفسها ما حدث في الإمارات. وفجر الأربعاء هذا الأسبوع، انضم الأردن إلى البحرين والكويت، لكنه لم ينل من هذه “الخدمة” لأميركا سوى تلقي بعض الصواريخ وتكبّد الخسائر.
رابعًا: يبدو أن الإمارات خلصت بعد تجربة ثلاثة أسابيع مضت، إلى عدم تكرار تجربة “لواء المشاة” المكلفة وغير المجدية لأميركا، فحذت حذو السعودية وقطر. أما الأردن ففضّل من جهته أو أُجبر على البقاء في صف خدمة أميركا إلى جانب البحرين والكويت. ورغم أنه من الصعب على كل هذه الدول “أن تقول لا” بمواجهة الإملاءات الأميركية، إلا أنه يبدو، في الاختيار بين قبول تلك الإملاءات أو تلقي الرد الإيراني بالصواريخ والمسيرات، أن الخيار الثاني ساد على الاعتبارات الوطنية والاقتصادية والأمنية لتلك الدول. ومن المثير للاهتمام هنا الانتباه إلى النهج الأخير للكويت، التي فضّلت أن تجعل أراضيها منطلقًا للاعتداءات الأميركية على إيران بالتزامن مع وقف إطلاق النار، ما يعيد للذاكرة تجربة تعاون الكويت مع صدام حسين أثناء الحرب الإيرانية-العراقية، حين وضع حكام الكويت “جزيرة بوبيان” تحت تصرف النظام العراقي لاستخدامها كمنصة لهجماته ضد إيران. وكانت النتيجة في النهاية، هجوم صدام على الكويت واحتلالها وهروب حكام الكويت من أراضيهم، واعتباره الكويت آنذاك المحافظة التاسعة عشرة للعراق، وهو ما يبدو أنه يتكرر اليوم مع ترامب الذي حوّل الكويت الى “الولاية الحادية والخمسين” لأميركا، دون أن يؤمن لها الحماية الموعودة تاركّا إياها تحصد “انعدام الأمن والأمان”.

خامسًا: أما بالنسبة لحكام البحرين الذين يعتبرون أن حكمهم مهدد دومًا بوجود الغالبية الشيعية في البلاد، فهم  حاولوا خلال الحربين الأخيرتين لأميركا و”إسرائيل” على إيران، من ناحية تعويض “تخلّي السعودية النسبي عنهم” بعد ترميم العلاقات الإيرانية-السعودية، ومن ناحية أخرى الحصول على ضمان قوي لاستمرار حكمهم.
سادسًا: وفيما يتعلق بالأردن، إذا ألقينا نظرة على التركيبة السكانية لهذا البلد سنجد أن الفلسطينيين يشكلون  80% منه، بظل استمرار مطامع “إسرائيل” في احتلال هذا البلد وضمه إلى الأراضي المحتلة، مقابل صمت وعجز الموقف الأردني، الذي تجلى بشكل واضح في إبادة غزة على مدى ثلاث سنوات، حينئذ يمكننا أن نفهم جيدًا سبب خدمات حكام الأردن المطلقة لأميركا وتلبية مطالب ترامب، وهي ضمان استمرارية حكمهم بغطاء ومظلة خارجية.

في الخلاصة، فإن إيران عازمة، كما ثبت مرارًا، على الرد على أي عدوان في أي وقت ومن أي مكان، فحين تقف إيران بكامل قوتها في وجه أميركا و”إسرائيل”، وتخوض معهما حربًا وجودية، وفي الظروف التي يواجه فيها ترامب ترددًا جديًا في إعادة فرض الحرب على إيران، فإن السؤال الجوهري: لماذا تُكلف هذه الحكومات نفسها تحمل أعباء باهظة كهذه وتفرط بسيادتها لصالح مظلة حماية أميركية أثبتت التجربة أنها غير قادرة على أن تحمي نفسها؟.

المصدر : موقع العهد ..علي محمد صالحي –

قد يعجبك ايضا