فتنة في لبنان أم مشروع خيانة؟

ذهب وفد نظام لبنان الحكومي إلى واشنطن، هرباً من تفاهمات طهران واشنطن التي نصت تحت النار الإيرانية على وقف النار الإسرائيلي، وهو مسلح بخشية الطرف المقاوم من الفتنة ومن الحرب الأهلية، لأنه أم الولد وأصل البلد.

ورد في التراث حول جدلية الفتنة والخيانة، أن سداً عظيماً كان يحمي الواد الخصيب، يحبس الماء في مواسم الجفاف، فيستفيد منه الفلاحون، وكان أهل الوادي يعتقدون أن قوة السد في صخوره، لكن شيخ البنّائين كان يقول دائماً: “السد لا يحرسه الحجر، بل يحرسه ضمير الرجال”، مرّت الأعوام، وتبدلت الوجوه، حتى تسلل إلى حراس السد نفرٌ أغراهم العدو القابع خلف الجبال، وعين العدو دوماً على المياه، ماذا فعل هؤلاء النفر؟

صار هؤلاء العملاء ينزعون حجراً صغيراً من السد كل ليلة، ويبيعونه للعدو، ويقنعون أنفسهم: “إنه حجر واحد، وما قيمة حجر في سدٍ عظيم”؟، وكان بينهم حارسٌ عجوز، يرى ما يحدث، ويعرف الأسماء والوجوه، لكنه لم يفضحهم على الملأ، ليس خوفاً منهم، بل خوفاً على الوادي، سأله ابنه يوماً: أما آن لك أن تكشفهم؟ قال: لو صرخت الآن، لانقسم الحراس فريقين؛ فريق يدافع عن الخونة لأنهم من عشيرته، وفريق يهاجمهم، وفي أثناء الخصومة لن يبقى أحد يحرس السد، وعندما ينهار، لن يسأل الماء من كان خائناً ومن كان مخلصاً.

ظل العجوز يرمم الثقوب ليلًا، ويثبت الأحجار التي تُنتزع، ويؤخر الانهيار كلما استطاع، وكان كلما أصلح ثغرة، ازداد يقيناً أن الإصلاح وحده لا يكفي، وأن يوم المواجهة سيأتي، لكن لا بد أن يأتي في الوقت الذي يحفظ السد، لا في الوقت الذي يهدمه، وذات فجر، وقف أمام الحراس جميعاً وقال: “لقد ظننتم أنني سكتُّ لأنني لا أعرف، بل سكتُّ لأن الوادي كان أغلى من انتصاري عليكم، لكن اعلموا أن التغافل الذي يحفظ الوطن حكمة، أما التغافل الذي يطيل عمر الخيانة فهزيمة”.

وهكذا لا يخلو زمان أو مكان ممن ينزع حجارة السد حتى يعبر العدو ليسرق مياهنا، مستغلاً أنه شريك في هذه المياه، وله أهله وناسه، وهنا يحار المخلصون كيف يقفون في وجه الخيانة مخافة الفتنة؟!

وما أن احتضن السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئير ليتر، سفيرة الحكومة اللبنانية ندى معوض، عقب احتفالية توقيع اتفاقية الإطار بين الطرفين برعاية أميركية، حتى بادر رئيس البرلمان اللبناني الاستاذ نبيه بري لإعلان معارضته الشديدة لهذا الاتفاق وما ينطوي عليه من مخاطر الوقوع في الفتنة، وهي التي حذر منها الإمام علي بن أبي طالب قائلاً: “كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ”.

انحدار سياسي وأخلاقي رسمي لبناني، يقابل بخشية المخلصين على الوطن من الفتنة، لماذا؟ لأن أم الولد لا تقبل قسمته بينها وبين من تدّعيه، فهل تصلح دعوات التحذير من الفتنة في حماية السد اللبناني؟ وهو السد الذي يحمي لبنان والشام والأمة كلها من الدخول في الزمن الإسرائيلي عبر بوابة “إسرائيل الكبرى” التي تعبّد مداميك ممر داود، وتطرق أبواب درعا وجبل الدروز وصحراء البادية حتى عمق العراق على الحدود التركية، وإن كانت تلال علي الطاهر وحدها مًن يقاتل اليوم، وسط فراغ الأمة بعد أن تساقطت حجارة كل سدودها.

والمسافة بين الفتنة السياسية والخيانة الوطنية، مسافة واسعة في سلّم المبادئ والقيم الدينية والوطنية النظرية، لكنها تضيق خلف الاصطفافات الطائفية والمصالح الحزبية والشخصية، كما وسط الشرائح الغربية الساقطة في مياهنا لتكدرها حتى لا يبقى لمياه الليطاني والأوّلي مذاق ينابيع جبل عامل العذبة، وهي تروي ظمأ المقاومين في زوطر ودير سريان والقاسمية.

تطل الفتنة برأسها عادة عند اقتسام الغنائم والطمع عند الزعماء والقبائل والطوائف والأحزاب، هكذا داهمت الفتنة الكبرى في صدر الإسلام أمتنا، وهي في أوج صعودها الاقتصادي والاجتماعي بعد أن ضحت في أوج انبعاثها الديني والأخلاقي، لكنها وسط الحرب والعدو صائل في الديار يستبيح الحرمات فهل هذه فتنة أم محض خيانة؟

دخلت إيران الحرب في حزيران ثم في شباط وما زالت، وسط تيارات فكرية وسياسية، وأقليات عرقية ومذهبية، ولكنها خرجت منها وقد انتصرت على الفتن السياسية والفكرية بعد أن سحقت الخيانات الأمنية في ليل الستارلينك على امتداد 1,648,195 كيلومتراً مربعاً من ديارها الواسعة، كما في عمق كردستان وفي إمارات الخليج حتى الأردن، لترسي معادلة وحدة الحرب وحدة المصير مع كل متر من أرض لبنان، وجعلت مصير اقتصاد العالم المرتبط بحبل هرمز السري، وأمان مستوطنات الكيان الإسرائيلي، مرتبطاً بأمان بنت جبيل والعديسة ومار الياس وليس فقط الضاحية وصور والنبطية.

ذهب وفد نظام لبنان الحكومي إلى واشنطن، هرباً من تفاهمات طهران واشنطن التي نصت تحت النار الإيرانية على وقف النار الإسرائيلي والانسحاب من كل لبنان، وهو مسلح بخشية الطرف المقاوم من الفتنة ومن الحرب الأهلية، لأنه أم الولد وأصل البلد، وقد تناسى هؤلاء 7 أيار 2008، يوم المس بنظام اتصالات المقاومة، فكان الرد بحسم بيروت وتسليمها للجيش اللبناني ليعيد الأمور إلى نصابها وفق عقارب ساعة المقاومة وأولوياتها في مواجهة العدو الإسرائيلي المتربص، لكنهم اليوم يضغطون على قائد هذا الجيش ليستقيل، ما يشير أن نواياهم تجاوزت سياق الفتنة للوقوع في شراك العدو القريب والبعيد.

جاء اتفاق الإطار مع الكيان الإسرائيلي ليحسم جدلية الفتنة والخيانة، وقد صدع هؤلاء الرؤوس بالتباكي على السيادة الوطنية في مواجهة تدخلات إيران، خاصة عندما قصفت إيران القوات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان، وأعلنت عن ذلك عبر عمل مشترك بين الحرس الثوري والمقاومة الإسلامية، ليبادر المسمى وزيراً للخارجية بطرد السفير الإيراني، لأن في هذا العمل مساً بالسيادة الوطنية اللبنانية، وهو اليوم يقدم للكيان الإسرائيلي شرعية حكمها لأرض فلسطين التاريخية أولاً، ثم شرعية احتلالها لأرض لبنان بزعم عدم تسليم حزب الله لسلاحه.

فهل أبقى هؤلاء بذلك أدنى مسافة فاصلة بين الفتنة والخيانة؟

كاتب ـ محمد جرادات

قد يعجبك ايضا