حظر الملاحة السعودية.. قرار يمني يعيد رسم معادلات البحر الأحمر ويضع اقتصاد الرياض أمام اختبار صعب
الحقيقة ـ جميل الحاج
أن إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية يمثل تحولًا نوعيًا لم تلجأ إليه اليمن، على مدى عقد كامل من العدوان والحصار السعودي الظالم على اليمن.
ويأتي هذا التطور بعد دخول اليمن مرحلة مفصلية لإنهاء العدوان والحصار والاحتلال السعودي على اليمن، وبعد خطاب ثوري للسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، الخميس الماضي، أكد أن اليمن لن يقبل باستمرار الحصار أبدًا، وأن المنشآت النفطية والحيوية ستكون هدفًا للصواريخ والمسيرات اليمنية إذا أقدم العدو السعودي على التصعيد الشامل.
القوات المسلحة وجه التحيةَ للشعب اليمني على الخرجَ في مليونيةِ التحذيرِ والنفيرِ بشكلٍ لا مثيلَ له وتفويض للسيد القائد باتخاذ ما يراه مناسبًا لكسر الحصار المفروض على اليمن.
ويلجأ اليمن إلى استخدام الموقع الجغرافي كورقة ضغط استراتيجية، مستفيدًا من الخبرة العملياتية التي اكتسبتها القوات المسلحة اليمنية خلال عمليات إسناد غزة، عندما تمكنت من فرض حصار بحري فعلي على السفن المرتبطة بالعدو الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى شلل شبه كامل في حركة ميناء أم الرشراش (إيلات)، وإعلان إفلاسه وتوقف نشاطه التجاري، في تجربة تعد الأولى من نوعها في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
أعلنت القوات المسلحة اليمنية، حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي المجرم وفق معادلة “الحصار بالحصار” وسيدخل حيز التنفيذ من لحظة إعلان هذا البيان.
وأكدت القوات المسلحة في بيان صادر عنها اليوم، على حق شعبنا العظيم في مواجهة الحصار بالحصار والتصعيد الشامل بالتصعيد الشامل وتثبيت هذه المعادلة.
وجدّدت التأكيد على جهوزيتها الكاملة لكافة الخيارات، وأن أي حماقة يُقدِم عليها العدو السعودي الأرعن من خلال التصعيد الشامل، سيتم مواجهته بتصعيد شامل وقاس.
ودعا البيان، أبناء الشعب اليمني إلى مواصلة التعبئة العامة والنفير العام والاستعداد التام لكل السيناريوهات والتطورات والإسناد للجبهات بالمقاتلين.
ووجهت القوات المسلحة التحية بإعزاز وإجلال لأبناء الشعب اليمني الذي خرج في مليونية “التحذير والنفير” بشكل لا مثيل له، مؤكدة أنها لن تألو جهدًا في استرداد حقوقه المنهوبة وإنهاء الحصار الظالم عنه مهما كانت النتائج والتداعيات.
منذ العام 2022 والنظام السعودي يتهرب ويتنكر لما تم الاتفاق عليه بوساطة أممية ووساطة عمانية والتي خرج بما سمي بـ خارطة الطريق والتي خرجت بعدة مراحل، والتي أكد بنودها رفع الحصار عن المؤاني والمطارات اليمنية، ودفع رواتب الموظفين من عائدات النفط وتطوير انتاج وتصدير النفط والغاز بإشراف لجنة اقتصادية، والخروج بتصور لإعادة إعمار اليمن، إلى جانب وخروج القوات الأجنبية.
وخلال السنوات الماضية من خفض التصعيد الذي تم الاتفاق علية في مسقط بأشراف أممي، سعي النظام السعودي إلى تشديد الحصار وممارسة الضغوط الاقتصادية، ومواصلة دعم فصائله المسلحة من المرتزقة، وتحمل الشعب اليمني الكثير من المعاناة أملا في الوصول إلى حلول سلمية عبر اخضاع الشعب اليمني وتجويعه وحصاره، متنكر ومماطلا ومترهبا من تنفيذ ما نص عليه الاتفاق من استحقاقات لمعالجة تداعيات عدوانها الغاشم على اليمن، وفق ما تم الاتفاق عليه.
كما سعي خلال سنوات التهدئة إلى التنصل عن مسؤوليته عن العدوان وما خلفة من خسائر بشرية ومادية، ومحاولة حصر سنوات الحرب على أنه صراع يمني داخلي وليس له علاقة بها، معتبرا نفسه وسيط، وهو العدو الذي شن العدوان والقصف والقتل بحق الشعب اليمني أرضا وأنسانا، وهذا ما كان من ابرز العوائق التي كانت تمنع التوصل إلى حل شامل،
وكان السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي قد أكد في خطاب الاخير بعدم قبول القيادة الشعب اليمني أبدًا باستمرار الحصار أو الإذلال أو التحكم في حقوقه المشروعة.
وتساءل السيد القائد في خطاب الاخير: لماذا يرى السعودي في حرية موانئنا، وحرية مطاراتنا، ودخول بضائع شعبنا مشكلة؟ وقضيةً، وجريمةً، ويحاربنا عليها، ويعادينا عليها، ويدخل معنا في مشاكل كبيرة لأجلها.
وأكد السيد القائد أننا لا نرى أي أفق، ولا نرى أي توجه من النظام السعودي، ولا أي إرادة للسلام، ولا للتفاهم، ولا لاحترام مبدأ حسن الجوار وكل توجه السعودي هو نحو إحكام السيطرة على هذا البلد، ومصادرة حرية واستقلال هذا البلد. لذلك فالمعادلات هي معادلات الحصار بالحصار، وإذا اتجه العدو السعودي للتصعيد الشامل، اتجهنا للتصعيد الشامل ولدى شعبنا كل مقومات الثبات وكل عوامل النصر ثقة بالله واستعانة به وتوكلا عليه وتحركا في سبيله”.
كما خرج أحرار الشعب بالملايين ليحذروا النظام السعودي للمرة الأخيرة بأن عليه أن يكف أذاه وألا يفكر بعد اليوم في التدخل بشؤون اليمن، مفوضين للسيد القائد باتخاذ ما يراه مناسبًا لكسر الحصار المفروض على اليمن، ومؤكدين أن الشعب اليمني الحر تحت قيادة سيد القول والفعل عبدالملك بدر الدين الحوثي لا يمكن أن يقبل بالخنوع والخضوع والاستسلام، ومصادرة الحرية والكرامة.
واعلن أبناء الشعب اليمني في المسيرات أن ما يمارسه العدو السعودي من تدخلات سافرة في شؤون اليمن منذ العام 2015م، من خلال التحكم في مطاراته وموانئه وتقييد سفر اليمنيين وحرمانهم من ثرواتهم السيادية وحقوقهم المشروعة هو ظلم كبير ومصادرة للحرية وامتهان للكرامة الإنسانية.
لقد أعطيت السعودية وقتا طويلا لتنفيذ ما عليها من استحقاقات لمعالجة تداعيات عدوانها الغاشم على اليمن، وتحمل الشعب اليمني الكثير من المعاناة أملا في الوصول إلى حلول سلمية بعيدا عن التصعيد العسكري، لكن النظام السعودي أبى إلا التجاهل والمماطلة والرهان على الوقت للهروب عن تنفيذ ما يلزمه من استحقاقات.
وبعد إعلان القوات المسلحة اليمنية حظر الملاحة السعودية.. أكد محمد عبدالسلام رئيس الوفد المفاوض إعلان القوات المسلحة اليمنية حظر الملاحة البحرية على النظام السعودي خطوةٌ أكره عليها اليمن ردا على رفض النظام السعودي التجاوب سلميا مع مطالب اليمن المحقة والعادلة.
وجدد محمد عبدالسلام التأكيد على أن النظام السعودي سعى جاهداً للتنكر لدوره في الحصار المفروض على اليمن، لكن عدوانه الأخير على مطار صنعاء الدولي وبيانه العسكري وتهديده باستمرار الحصار شكّل “الفضيحة والإدانة”، وأثبت للقاصي والداني أنه المسؤول عن تعطيل المطار طيلة السنوات الماضية.
كما شدّد عبد السلام على أن السعودية تقف وراء الحصار البحري على ميناء الحديدة وصناعة التعقيدات التي ضاعفت الكلفة المادية للمواد المستوردة وأسعارها، مؤكداً أن اعتقاد الرياض بإمكانية إطالة الحصار إلى ما لا نهاية هو “رهان خاسر”.
وبعد قيام العدوُّ السعوديُّ في 13 من الشهر الحالي بالعدوانِ السافرِ عبرَ طيرانِهِ الحربيِّ على مطارِ صنعاءَ الدوليِّ وذلكَ باستهدافِهِ بعددٍ منَ الغاراتِ بهدفِ إغلاقِهِ أمامَ الرحلاتِ الإنسانيةِ التي تقلُّ المرضى والعالقينَ والوفد المشارك في تشييع قائد الثورة الإيرانية إلى مطارِ صنعاءَ الدوليِّ، ومنع كل الرحلات من وإلى المطار، وهو ما اثبت إصرارً العدوِّ السعوديِّ على مواصلةِ حصارِهِ الجائرِ على الشعبِ اليمنيِّ.
وردًّا على هذا العدوانِ السعوديِّ الإجراميِّ نفذتِ القواتُ المسلحةُ اليمنيةُ عمليةً عسكريةً استهدفتْ مطارَ أبها الدوليَّ وذلكَ بعددٍ من الصواريخِ الباليستيةِ والطائراتِ المسيرة وقدْ حققتِ العمليةُ أهدافَها وتوقفت الرحلات في كافة المطارات في جنوب المملكة ومنها مطار أبها وجيزان وبيشة.
واكدت القواتُ المسلحةُ اليمنيةُ أنَّها مصممةٌ على الموقفِ الحقِّ في دفعِ العدوانِ ورفعِ الحصارِ الجائرِ على بلَدِنا وفي هذا السياقِ تحذرُ جميعَ شركاتِ الطيرانِ منَ العبورِ في أجواءِ المملكةِ السعوديةِ وإنَّ عليها أخذَ تحذيراتِنا على محملِ الجدِّ حتى رفعِ الحصارِ عنْ مطارِ صنعاءَ الدوليِّ.
يطرح قرار حظر الملاحة البحرية على السفن المرتبطة بالسعودية تساؤلات جوهرية حول انعكاساته الاقتصادية واللوجستية، في ظل المكانة الاستراتيجية لمضيق باب المندب باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل شريانًا رئيسيًا لحركة التجارة والطاقة الدولية.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 4.8 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطية تعبر مضيق باب المندب باتجاه الأسواق العالمية، فيما يمر عبر البحر الأحمر وباب المندب قرابة 21 ألف سفينة سنويًا، أي ما يقارب 57 سفينة يوميًا، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في هذا الممر ذا تداعيات واسعة على حركة التجارة الدولية.
وتُعد السعودية من أكثر الدول تأثرًا بأي تعطيل للملاحة في باب المندب، نظرًا لاعتماد جزء كبير من صادراتها النفطية والتجارية على هذا المسار للوصول إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، فضلاً عن ارتباط مشاريعها الاقتصادية الكبرى بساحل البحر الأحمر.
ومن أبرز التداعيات المحتملة:
شلل المشاريع الاستراتيجية:
يعتمد تنفيذ مشاريع “رؤية 2030″، وفي مقدمتها نيوم ومشروع البحر الأحمر، على تدفق مستمر لمواد البناء والمعدات والتقنيات عبر الموانئ الغربية، وأي تعطيل للملاحة سيؤدي إلى تأخير الإمدادات وارتفاع تكاليف التنفيذ، كما سيؤثر سلبًا على خطط تحويل البحر الأحمر إلى وجهة سياحية عالمية.
تأثر صادرات النفط:
ورغم امتلاك السعودية خط أنابيب شرق–غرب لنقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، فإن تعطل الملاحة عبر باب المندب سيحد من قدرة هذه الصادرات على الوصول إلى الأسواق، خاصة الآسيوية، إلا عبر الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يرفع تكاليف النقل والتأمين ويطيل زمن الشحن.
ارتفاع تكاليف التجارة الخليجية:
كما ستتأثر صادرات وواردات دول الخليج الأخرى، مثل الإمارات وقطر والكويت، إذ إن الاعتماد على الطرق البديلة يعني زيادة تكاليف الشحن، وارتفاع أسعار التأمين البحري، وإضافة ما بين مليون إلى نحو مليوني دولار تقريبًا إلى تكلفة الرحلة الواحدة، بحسب طبيعة السفينة وحمولتها.
ضغوط على الأمن الغذائي والأسعار:
وتستورد دول الخليج نسبة كبيرة من احتياجاتها الغذائية والسلع الاستهلاكية عبر خطوط البحر الأحمر، ما يعني أن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين سينعكس مباشرة على أسعار السلع، مع احتمالات تأخر وصول البضائع وقطع الغيار والمواد الأساسية.
تراجع دور الموانئ السعودية:
كما ستتعرض الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالله، لخسائر اقتصادية نتيجة انخفاض حركة السفن والحاويات، وهو ما قد يؤثر على خطط المملكة للتحول إلى مركز لوجستي عالمي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا.
انعكاسات أمنية وعسكرية:
ـ عسكرة المنطقة: سيؤدي الإغلاق إلى زيادة التواجد العسكري الدولي (الأمريكي، والصيني، والأوروبي) في المنطقة، مما يزيد من احتمالات الاحتكاك العسكري المباشر، ويضع دول الخليج في قلب منطقة توتر دائم.
ـ استنزاف الموارد: ستضطر دول الخليج إلى زيادة الإنفاق الدفاعي لتأمين سواحلها ومياهها الإقليمية ضد أي تهديدات محتملة.
ويعني تعطل مضيق باب المندب، بالتوازي مع توقف مضيق هرمز، أنه سيحول الصدمة من أزمة طاقة خليجية إلى أزمة نقل عالمية، فإغلاق المضيق يعني التوجه صوب طريق رأس الرجاء الصالح، وهو طريق شاق ومتعب، ويطيل زمن الرحلة من نحو 31 يومًا إلى 41 يومًا.
كما سترتفع كلفة الرحلة الآسيوية الأوروبية ذهابًا وإيابًا لسفينة حاويات متوسطة من نحو مليون دولار عبر السويس إلى 1.7 مليون دولار حول رأس الرجاء الصالح، مع ما يستتبعه ذلك من ارتفاع أجور الطواقم والوقود والتأمين واحتمالات الاختناق في الموانئ.
وهنا تتجاوز الخسارة مجرد تأخير زمني، لأن الطرق الأطول تستهلك طاقة شحن إضافية، وتقلص عدد الرحلات الممكنة للأسطول نفسه في العام الواحد. وتوضح الأونكتاد أن تحويل السفن بعيدًا عن البحر الأحمر رفع الطلب العالمي على السفن بنسبة 3%، وعلى سفن الحاويات بنسبة 12% بحلول منتصف عام 2024، وهو ما يعني أن المسارات البديلة تولد ضغطًا إضافيًا على الطاقة الاستيعابية العالمية، وتخلق اختناقات جديدة في الموانئ، وترفع أسعار الشحن حتى قبل احتساب أثر الصدمة النفطية نفسها.
ويعتبر قرار حظر الملاحة البحرية للعدو السعودي من أهم القرارات المؤجلة، وهو يأتي الآن في الوقت المناسب، لا سيما مع العدوان الأمريكي على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، وهذا يضع الاقتصاد السعودي في كماشة، ويدفع العالم إلى المزيد من التحرك، فالأضرار ستكون كبيرة جدًا، والخاسر هي السعودية