نيران الحرب تصل إلى السعودية: هل تحكّم المملكة عقلها؟

في ظل تصاعد الحرب الأميركية – الإيرانية وتوسّع تداعياتها إلى البحر الأحمر والخليج، تجد السعودية نفسها أمام خيارات صعبة، بين ضغوط واشنطن ومخاطر التصعيد الإقليمي، فيما تزداد كلفة استمرار الحصار على اليمن وتتعاظم التهديدات لأمن المملكة.

ليس أمام السعودية، إزاء حرب تهدّد بتطويقها بالنار، الكثير من الخيارات الجيّدة، لا سيما مع بدء «أنصار الله» تنفيذ تهديدها بفرض حصار على موانئ المملكة ومطاراتها، بما يشمل إغلاق مضيق باب المندب في البحر الأحمر أمام السفن السعودية، بما فيها النفطية. صار معروفاً أن الرياض تريد وتسعى، منذ سنوات، إلى الخروج من الحرب اليمنية التي لا تخفى كلفتها وتأثيرها على استقرار المملكة، مع حفظ الحدّ الأدنى من مصالح الأخيرة الأمنية في البلد المجاور، الذي لم تَدخله دولة إلا وخرجت منه مستنزَفة. إلا أن ما يمنعها من الخروج، الولايات المتحدة، التي تريد للسعودية أن تدفع ثمن الحفاظ على المصالح الأميركية في الممرّات المائية، خصوصاً أن المملكة طردت الإمارات من شرق اليمن وجنوبه، وصارت هي المسؤولة الوحيدة عن كلّ ما يجري فيه، وفي المقدّمة الحصار المفروض على مطار صنعاء وموانىء الحديدة.

السعودية اليوم تسدّد لأميركا، في الحرب على إيران، أو في اليمن، ثمن حماية ليست موجودة؛ إذ لو كانت تريد فعلاً التخفّف من حرب اليمن، فلا داعي للاستمرار في الحصار. وهذا ما تنصّ عليه أصلاً «خارطة الطريق» التي كانت أوشكت الرياض على توقيعها مع صنعاء، لولا تدخّل واشنطن لمنعها من التوقيع. وإذ يبدو من الطبيعي أن ترفض «أنصار الله» استمرار الوضع الحالي، فإن الخيار الأفضل للمملكة الآن، هو رفع الحصار، والتوصّل إلى اتفاق سلام مع الحركة. هكذا، يبدو النظام في السعودية اليوم أمام خيارات كبرى، لم يُعد يستطيع تأجيلها؛ علماً أنه إلى ما قبل استئناف جولة القتال الحالية بين إيران والولايات المتحدة، كان يتموضع بشكل مَكّنه من الاستفادة من حيادية نسبية، إذ سمح لواشنطن باستخدام القواعد الأميركية على أراضي المملكة ضدّ طهران، وامتنع عن المشاركة في الحرب، وإن كانت كلفة ذلك عليه، مثل باقي دول الخليج، تلقّي بعض الضربات الإيرانية.

السعودية اليوم تسدّد لأميركا، في الحرب على إيران، أو في اليمن، ثمن حماية ليست موجودة

لكن طبيعة جولة القتال الحالية، التي تأتي بعد فشل تطبيق مذكرة التفاهم، تتطلّب من الجانبَين الأميركي والإيراني توظيف إمكانيات أكبر للتأثير في أيّ تسوية جديدة يمكن أن تتحقّق لاحقاً. ولذا، تتّجه إيران إلى المزيد من التصعيد الذي يستهدف الأميركيين في دول الخليج والمنطقة، بما يمكن أن ينهي التحييد الذي تتمتّع به السعودية في هذه الجولة حتى الآن. وفي الوقت نفسه، سيتقاطع هذا التصعيد مع التوجّه اليمني نحو كسر الحصار السعودي (الأميركي الأهداف) عبر محاولة «أنصار الله» تعطيل المطارات السعودية، وإغلاق مضيق باب المندب أمام صادرات المملكة ووارداتها، ومنها النفطية. قد لا يكون خيار رفع الحصار عن صنعاء، سهلاً بالنسبة إلى الرياض. وليس السبب في ذلك هو الخسارة التي يعنيها في حرب اليمن نفسها، فالمملكة سلّمت بهذه الخسارة منذ أوقفت الحرب فعلياً بموجب هدنة نيسان 2022، وإنمّا السبب ما يعنيه على صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة. فحتى لو كانت الأخيرة لا تحمي السعودية ولا أيّ دولة خليجية أخرى، كما ظهر في مناسبات كثيرة أهمّها الحرب القائمة على إيران، إلا أن تلك العلاقة متشابكة وبنيوية بحيث لا يمكن الانفكاك منها. ولذا، فإن هذا الخيار ليس مطروحاً أيضاً.
ما هو ممكن الآن، ضغط خليجي على الولايات المتحدة لوقف الحرب، والتوصّل إلى اتفاق حقيقي مع إيران يعكس نتيجة المعركة، ويتضمّن تعديلات في السياسة الخليجية تجاه إيران تزيل التهديدات المحدقة بنظامها انطلاقاً من أراضي دول الخليج. فلو ظلّت تلك الدول تصرخ ليل نهار بأن القواعد الأميركية فيها لا تُستخدم ضدّ نظام طهران، فهذا لن يغيّر في الواقع شيئاً. المصلحة الخليجية، والسعودية تحديداً، ومصلحة الأنظمة بالذات، هي وقف الحرب اليوم قبل الغد. فأيّ ضرر عليها أكبر من أنها عاجزة عن التأثير في حرب تدور فعلياً فوق أراضيها؟ هذا وحده كفيل بأن يقوّض فائدتها في نظر شعوبها، ويضرب أساس حجّتها القائمة على توفير الأمن والأمان والرخاء لهذه الشعوب.

مع ذلك، لا تحتاج دول الخليج إلى من يدلّها على مصلحتها. هي تحتاج إلى الإرادة التي تمكّنها من تحقيق هذه المصلحة ولو بالحدّ الأدنى، فيما مشكلتها تكمن في أنها لا تتمتّع بهامش الاستقلالية الكافي للعمل على تحقيق هذا الهدف. لكن، ثمّة عاملاً مساعداً هنا، هو أن وقف الحرب من مصلحة الولايات المتحدة وإيران أيضاً، في حين أن الدولة الوحيدة التي لا مصلحة لها في ذلك هي إسرائيل. وهنا، لا يجب أن تَعدم العواصم الخليجية وسيلة لإفهام واشنطن رفضها التخريب الإسرائيلي لترتيبات يمكن أن تؤدي إلى تعايش على ضفّتَي الخليج، خاصة وأن ثّمة في الإدارة الأميركية نفسها من يقرّ بهذا الواقع. وقد لا يحتاج الخليجيون، في الاتجاه المذكور، سوى إلى متابعة الحملة الضارية في الصحافة الإسرائيلية ضدّ نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، والتي تأتي على خلفية رغبته في التوصّل إلى اتفاق مع إيران.
لكن ما لا يمكن أن يساعد أبداً، هو عقليةٌ من مثل تلك التي تفتّقت عن إجراء قناة «العربية» مقابلة مع الرئيس الإسرائيلي، إسحق هرتزوغ، قبل أيام، يدعو فيها إلى «حوار بين مكة والقدس». فإذا كانت عقلية كهذه هي التي ستصوغ السياسة السعودية تجاه إيران أو اليمن، فالأمور ذاهبة إلى تدهور كبير.

حسين إبراهيم الثلاثاء 21 تموز 2026

قد يعجبك ايضا