محرقة ليبيا تحت الحكم الإيطالي.. وعودة التاريخ في غزة
لم تكن ليبيا خلال الاحتلال الإيطالي مجرد أرض محتلة، بل ساحة لواحدة من أفظع الجرائم الاستعمارية في إفريقيا, فمنذ دخول القوات الإيطالية عام 1911م، تطورت الحرب إلى سياسة إبادة ممنهجة هدفت إلى كسر المجتمع الليبي عبر التهجير الجماعي, تجفيف مصادر الحياة، وتأسيس معتقلات صحراوية تحولت إلى ساحات موت بطيء, عشرات الآلاف من المدنيين ماتوا جوعاً ومرضاً وتعذيباً، بينما استُخدمت القوة العسكرية لإفراغ برقة من سكانها وإخماد المقاومة.
وإذا كان التاريخ يُقرأ لفهم الماضي، فإنه يُقرأ أيضاً لفهم الحاضر, فالإبادة ليست مجرد صفحة قديمة، بل وظيفة سياسية يتم استدعاؤها حين يُراد سحق مجتمع كامل دون استخدام القنابل وحدها، بل بتدمير مقومات الحياة، تماماً كما نراه اليوم في غزة.
سياسة الأرض المحروقة
مع وصول الحاكم العسكري رودولفو غراتسياني، بدأت حملة واسعة لتدمير الحياة الريفية والممتلكات الزراعية في برقة.. أحرقت القرى، ودُمّرت مزارع الزيتون والنخيل، ووُضعت قيود مشددة على التنقل بين الواحات.
كانت الآبار تُنسف، وتصادر المحاصيل، وتُعدم العائلات التي تُضبط وهي تقدّم الغذاء للمجاهدين, وهكذا تحولت حياة المدنيين إلى دائرة موت متواصلة، ليس بفعل الرصاص وحده، بل بفعل منع شروط البقاء.
الترحيل القسري الشامل
لم يكن الهدف العسكري الإيطالي محاربة الثورة فحسب، بل التخلص من البيئة الاجتماعية التي تحتضنها, ومع ذلك، اتخذ القرار الأخطر: تهجير أكثر من 100,000 إنسان من سكان برقة – رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخاً – إلى الصحراء تحت حراسة القوات الإيطالية.. تمت المسيرات مشياً على الأقدام، في ظروف قاتلة: حر شديد، ماء نادر، ونقاط تفتيش تمنع الناس من التوقف أو العودة.
لم تكن الطريق مجرد رحلة، بل مجازر صامتة كانت الجثث تُدفن فيها بالرمال دون أسماء، وكان الموت يحصد الضعفاء قبل الوصول. هناك أمّ مات طفلها عطشاً، ولم يُسمح لها حتى بالوقوف لتوديعه، لأن من يتوقف يعاقَب بالقتل.
تحوّلت المسيرات إلى نسخة صحراوية من مسيرات الموت النازية، ولكن بغطاء احتلالي قانوني.
موت بلا رصاص
بعد وصول المهجّرين إلى مناطق نائية، لم تتركهم القوات الإيطالية في العراء، بل زجّتهم في معسكرات كبيرة محاطة بأسلاك شائكة في العقيلة والمقرون والبريقة والمفرق وأوجلة وغيرها. كانت تلك المخيمات بمثابة “محرقة صحراوية” مكتملة الأركان:
- غذاء لا يكفي طفلاً
- انعدام المياه النظيفة
- انتشار الأوبئة والأمراض
- غياب الرعاية الطبية
- تعذيب نفسي وجسدي
- وفيات متصاعدة تُسجّل بالأرقام لا بالأسماء
![]()
أُريد لهذه المعسكرات أن تكون مكاناً للموت البطيء، حيث لا يحتاج الاحتلال إلى الرصاص أو المقصلة، بل يكتفي بتسليم الإنسان للجوع والعطش والمرض.
تشير التقديرات التاريخية الموثوقة إلى أن سكان برقة فقدوا خلال هذه السنوات ما بين 40% إلى 60% من عددهم الأصلي، وهي نسبة مرعبة، أكبر من أي حالة موت جماعي شهدتها إفريقيا تحت الاحتلال الأوروبي خلال القرن العشرين، ما يجعل هذه الجريمة إبادة جماعية كاملة لا مجرد حرب أو تمرد.
التعذيب والإعدامات
على مدى تلك السنوات، لم تتوقف الإعدامات الميدانية للثوار والمدنيين, كان الشنق علنياً وموثقاً بالصورة والبيانات العسكرية، ومن بين تلك المشاهد شنق الشيخ عمر المختار، الذي أصبح رمزاً لمرحلة قاتمة كان فيها القتل جزءاً من هندسة سياسية وليس مجرد ردّ فعل عسكري. 
أما من يرفض التعاون مع المحتل أو يقدم المساعدة للثوار، فكان مصيره الموت دون محاكمة.. النساء اللاتي كانت لديهن صلة بمقاومين تعرضن للاعتداءات، والرجال الذين لم ينصاعوا للتوجيهات العسكرية تم تعليقهم بالسلاسل أو تجويعهم حتى الموت.
الغازات السامة
إيطاليا كانت القوة الاستعمارية الوحيدة في إفريقيا التي استخدمت غازات كيميائية محرمة دولياً في ذلك الوقت. فقد أُلقي غاز الخردل على مواقع الثوار، وأحياناً على القرى التي يُشتبه أنها تؤوي مقاتلين أو تخزن المياه أو الغذاء.. ترك هذا السلوك آثاراً طبية وجينية على أجيال لاحقة، ومع ذلك لم يُنظر إليه دولياً بالجدية التي تستحقها جريمة بهذا الحجم.
مع نهاية الحرب العالمية الثانية، جرى تجاهل هذه المذبحة في المحاكم الدولية؛ لأنها ارتُكبت في حق مجتمع عربي وإفريقي لا يمتلك أدوات ضغط
سياسية، ولم تكن القوى الاستعمارية مستعدة لفتح ملف الجرائم الأوروبية في إفريقيا، خوفاً من كشف سجل واسع من الإبادات والنهب والتدمير.
ورغم أن الجرائم الإيطالية موثقة وشهاداتها حاضرة، لم يصدر اعتذار رسمي أو تعويض أو اعتراف قانوني كامل حتى اليوم، وبقيت الذاكرة الليبية تحمل جرحاً مفتوحاً لواحدة من أبشع جرائم القرن العشرين.
إذا عدنا إلى مآسي ليبيا قبل قرن، فإن أكثر ما يلفت الانتباه اليوم هو تشابه البنية السياسية للعنف، وليس مجرد تشابه شكل القتل. ففي غزة، نشهد:
- حصار شامل يمنع الغذاء والدواء والمياه
- قصف ممنهج للمدارس والمستشفيات
- تجريف الأحياء المدنية وتسويتها بالأرض
- تهجير قسري لعشرات الآلاف
- تدمير كامل لوسائل الحياة
- تحويل المدنيين إلى هدف عسكري مباشر
إن جوهر ما يجري في غزة منذ أكتوبر 2023 ليس مواجهة عسكرية محدودة، بل هندسة قتل جماعي باستخدام الحصار، قطع الإمدادات، تدمير البنية الصحية، وتجويع السكان، إضافة لقتل المدنيين تماماً كما فعلت إيطاليا في ليبيا قبل قرن من الزمن، وإن اختلفت الظروف والسياقات، وثقافة التغطية الإعلامية.
في كلتا الحالتين، لم يكن الموت مجرد أثر جانبي للحرب، بل أداة سياسية تُستخدم لكسر مجتمع بأكمله، وتحطيم إرادته، والقضاء على البيئة الاجتماعية للمجاهدين.
تشابه أكثر عمقاً
ما فعله غراتسياني في ليبيا يشبه ما يجري في غزة اليوم في ثلاث نقاط جوهرية:
تجفيف شروط البقاء: الماء، الغذاء، الدواء، الكهرباء، التعليم… تصبح جزءاً من سلاح الحرب، وليس مجرد أضرار جانبية.
استهداف المدنيين بوصفهم بيئة سياسية: لا فرق بين مقاتل ومدني، لأن الهدف هو تدمير المجتمع وليس فقط القضاء على طرف مسلح.
التهجير القسري: حين يُجبر السكان على النزوح تحت النار أو الجوع أو القصف، تتحول الحرب إلى هندسة إبادة جماعية.
الفرق الوحيد أن مأساة غزة تجري على الهواء مباشرة، فيما جرت مأساة ليبيا بصمت صحراوي وبلا كاميرات.
أخيراً..
إن قراءة إبادة ليبيا الاستعمارية ليست مجرد درس في الماضي، بل هي نافذة لفهم الحاضر, إذ لا يمكن النظر إلى غزة كحرب عابرة، بل يجب الاعتراف بأنها حالة إبادة مُدارة سياسياً، تستخدم الأدوات نفسها التي استخدمتها القوى الاستعمارية قبل مئة عام: التجويع، الحصار، التهجير، تدمير شروط الحياة، ومعاقبة المجتمع ككل.
التاريخ لا يكرر نفسه عبثاً، بل لأن السياسة الدولية لم تتغير جوهرياً: ما دام الضحية عربياً أو إفريقياً أو لا يمتلك نفوذاً دولياً، تبقى الإبادة قابلة للتبرير أو التغاضي أو التهوين.
ولهذا، فإن معركة الوعي هي المساحة الوحيدة التي يمكن فيها كسر الصمت: من محرقة برقة إلى غزة، الجرائم لا تُنسى، ولو صمت العالم.
أعده للحقيقة: عبدالرحمن الحمران
