مغالطة التهدئة والعدوان المستتر… أبعاد استهداف مطار صنعاء وجذور العقدة التاريخية السعودية تجاه اليمن
صادق البهكلي
لم يكن استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي الأخير من قبل العدوان السعودي عملاً عسكرياً معزولاً عن سياقه العام، بل هو تجسيد حي للفجوة العميقة بين “ادعاءات السلام” وممارسات “الخنق الممنهج” التي تنتهجها الرياض. إن الفكرة الكلية التي يدير بها النظام السعودي سياسته تجاه اليمن لا تقوم على الرغبة في التوصل إلى سلام دائم أو شراكة ندية مع الجار اليمني، بل تتمحور حول استراتيجية “خيركم في شر اليمن وشركم في خير اليمن “؛ وهي وصية عبد العزيز آل سعود وهي تكتيك يهدف إلى إبقاء اليمن في حالة وهن مستمر، مشلول القدرات الاقتصادية، معزولاً عن محيطه الإقليمي والدولي، وعاجزاً عن استعادة عافيته السيادية.
بتحليل هذه الفكرة عبر العلاقات السببية، نجد أن رفض السعودية تنفيذ التزاماتها الإنسانية والاقتصادية المترتبة على تفاهمات هدنة عام 2022 واتفاقيات خفض التصعيد اللاحقة—وفي مقدمتها صرف مرتبات موظفي الدولة من عائدات النفط والغاز اليمني، والرفع الكامل والشامل للحصار الجوي والبحري—ليس مجرد تعنت بيروقراطي، بل هو خيار استراتيجي صُنع في واشنطن ونُفذ بأدوات إقليمية. هذا التعنت سببه المباشر هو الرغبة في تحويل الملف الإنساني المعيشي للشعب اليمني إلى ورقة مساومة سياسية وابتزاز عسكري لمقايضة الموقف السيادي اليمني ومواقفه المبدئية المساندة لقضايا الأمة العربية والإسلامية.
إن قصف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة المدنية الإيرانية التي كانت تحمل الوفد الرسمي وعدداً من المرضى والجرحى والعالقين، يمثل انتقالاً وقحاً من الحصار الناعم والتعطيل الدبلوماسي إلى الاعتداء المباشر، متجاوزاً خطوط التهدئة الحمراء كافة.
أولاً: تشخيص الحدث الأخير وتداعيات استهداف مطار صنعاء
إن الإقدام على استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي قبل هبوط الطائرة المدنية الإيرانية التي تقل جرحى ومرضى يمنيين إلى جانب الوفد الرسمي العائد من الخارج، يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاكاً سافراً لاتفاق خفض التصعيد والهدنة الهشة القائمة منذ عام 2022. هذا الاستهداف يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الحصار المفروض على الشعب اليمني لم يكن يوماً مجرد إجراء وقائي، بل هو سلاح إبادة جماعية يُستخدم لقطع شرايين الحياة الأساسية.
لقد تسبب هذا الاعتداء الجبان في إجبار الطائرة على تحويل مسارها نحو مطار الحديدة، في ظل خطر حقيقي هدد حياة الركاب من ذوي الحالات الصحية الحرجة. تبرز من هذا السلوك حقيقة واحدة: وهي أن النظام السعودي لا يطيق رؤية أي مظهر من مظاهر السيادة الوطنية اليمنية، ويعتبر تسيير الرحلات الجوية المستقلة من وإلى مطار صنعاء الدولي كسراً لحظر يفرضه كوصي مفترض على اليمن وقراره الوطني.
ثانياً: اتفاق خفض التصعيد وخارطة الطريق.. مخادعة المماطلة والتنصل
لفهم أسباب التعنت السعودي الحالي، لا بد من العودة إلى تفاصيل اتفاق الهدنة عام 2022 واتفاقات خفض التصعيد والتفاهمات الاقتصادية والإنسانية اللاحقة (بما فيها خارطة الطريق والاتفاق المصرفي الاقتصادي في يوليو 2024). لقد وقع الطرف السعودي على هذه التفاهمات تحت وطأة الضربات اليمنية الموجعة التي طالت عمقه النفطي والاقتصادي واستهدفت مصالحه الحيوية، فكانت تلك التوقيعات مجرد تكتيك عسكري وسياسي مؤقت لامتصاص صدمة الردع اليمني.
تنصلت الرياض تدريجياً وبشكل ممنهج من كل تلك الالتزامات الأساسية، والتي تشمل استحقاقات الشعب اليمني غير القابلة للمساومة:
– رفع الحصار الشامل: استمرار القيود الشديدة على حركة الطيران من مطار صنعاء وتقليص الرحلات المدنية، ورفض تسيير خطوط جوية جديدة إلى وجهات حيوية مثل القاهرة والهند لعلاج آلاف المرضى.
– دفع رواتب الموظفين: التملص التام من بند دفع مرتبات كافة الموظفين اليمنيين المنقطعة منذ سنوات من عائدات الثروات الوطنية (النفط والغاز) المنهوبة التي يسيطر عليها التحالف وأدواته.
– جبر الضرر وإعادة الإعمار: محاولة السعودية الهروب من دور “قائد العدوان” الذي يجب عليه تحمل كافة التزامات إعادة الإعمار والتعويضات عن الدمار الذي طال البنية التحتية والممتلكات طيلة ثماني سنوات، وطرح نفسها بدلاً من ذلك كـ “وسيط” محايد في الشأن اليمني، وهو زيف ترفضه صنعاء جملة وتفصيلاً.
ثالثاً: حرب الاستنزاف الناعمة وتفكيك الجبهة الداخلية
مع عجز التحالف السعودي الأمريكي عن تحقيق نصر عسكري في الميدان طوال سنوات الحرب المباشرة، اتجهت القيادة السعودية بتوجيه وإشراف أمريكي مباشر للاستعاضة عن الطائرات بسلاح الفتنة والحرب الناعمة. لقد سعت السعودية لاستغلال حالة الهدنة القائمة لتنفيذ مخططات خبيثة تستهدف ضرب الجبهة الداخلية المتماسكة للشعب اليمني.
تمثلت هذه المؤامرة في محاولات دؤوبة لإثارة النعرات القبلية والمناطقية والمذهبية، وتمويل خلايا تخريبية تسعى لزعزعة الأمن الداخلي وإثارة المشاكل والاضطرابات تحت لافتات مختلفة. وتراهن الرياض على أن إطالة أمد الهدنة دون حلول حقيقية لملف المرتبات والخدمات سيخلق بيئة من الإحباط الشعبي يمكن توجيهها ضد السلطة الوطنية في صنعاء. غير أن وعي القبائل اليمنية العريقة وتماسك القوى الشعبية واليقظة الأمنية العالية شكلت صخرة صلبة تحطمت عليها كل هذه المحاولات البائسة.
رابعاً: التطورات الإقليمية والمحور الأمريكي الإسرائيلي
لا يمكن عزل التصعيد السعودي الأخير في اليمن عن الصورة الإقليمية الأوسع. فالولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني يمران بحالة من الهستيريا الاستراتيجية جراء جبهات الإسناد الفعالة التي تقودها القوات المسلحة اليمنية الباسلة في البحر الأحمر وباب المندب ومشاركتها المباشرة في معركة طوفان الأقصى دفاعاً عن غزة وسائر فلسطين.
يأتي قصف مطار صنعاء والضغط الاقتصادي على حكومة صنعاء كخدمة مباشرة ومجانية للمخطط الأمريكي الصهيوني الهادف لثني اليمن عن موقفه المبدئي، والضغط عليه لوقف عملياته البحرية والصاروخية المساندة لمحور المقاومة في غزة ولبنان.
إن السعودية، بتبنيها هذا السلوك العدواني مجدداً وتواطئها الفاضح مع العدوان الأمريكي المستمر على إيران واعتداءات الكيان الصهيوني الهمجية على لبنان واليمن، تقدم نفسها كأداة مطيعة في يد المشروع الصهيو-أمريكي الهادف لإخضاع المنطقة بأكملها.
وهي تظن واهمة أن تقربها من واشنطن وتل أبيب عبر التصعيد في اليمن سيحميها من تبعات السقوط الاستراتيجي التاريخي للمنظومة الغربية في المنطقة.
خامساً: قراءة تاريخية في العقدة السعودية تجاه الجار اليمني
إن السلوك السعودي العدواني الممتد ليس وليد اللحظة السياسية الحالية، بل يستند إلى محددات جيوسياسية وتاريخية متجذرة في العقلية الحاكمة لنظام آل سعود تجاه الجار اليمني:
- وصية عبد العزيز آلسعود: التي قامت عليها السياسة الخارجية السعودية لعقود، ومفادها أن “قوة اليمن هي ضعف للسعودية، وضعف اليمن هو قوة لها”، وهي النظرة المتوجسة والمريضة التي حكمت تعامل الرياض مع أي حراك نهضوي أو تحرري يمني منذ مطلع القرن العشرين.
- محاربة الاستقلال والسيادة: رفض الرياض المطلق لوجود دولة يمنية قوية ومستقلة تمتلك قرارها السيادي وتستغل موقعها الجغرافي الفريد على البحر الأحمر والمنافذ البحرية الحيوية، وتفضيلها الدائم لدعم قوى الفساد والارتهان والتبعية.
- الرعب من الكثافة السكانية والعمق الحضاري: الخوف الوجودي من الفارق الديموغرافي والعمق التاريخي والحضاري لليمن، والذي يجعل من الشعب اليمني القوة الطبيعية القادرة على قيادة الجزيرة العربية إذا ما تخلص من قيود الوصاية الخارجية.
استنتاجات استراتيجية وآفاق مستقبلية
- إن قصف مطار صنعاء مجدداً يطلق رصاصة الرحمة على أوهام التهدئة ويؤكد أن النظام السعودي لا يفهم لغة الحوار الدبلوماسي، بل يحتاج إلى العودة لتفعيل أدوات الردع العسكري والاقتصادي المباشر الذي يجبره على الوفاء بالتزاماته صاغراً.
- أثبتت جبهات الإسناد وتطورات المعركة الإقليمية أن اليمن قد خرج نهائياً من العباءة السعودية والوصاية الدولية، وأصبح رقماً إقليمياً صعباً لا يمكن تجاوزه أو إخضاعه بأساليب الحصار الالتوائية.
- إن محاولات ضرب الجبهة الداخلية عبر بث الفتن القبلية ستظل عاجزة أمام تلاحم القبائل اليمنية على اسس الهوية الإيمانية اليمنية والالتفاف الشعبي حول القيادة الثورية والسياسية لمواجهة التحديات المصيرية.
- إن الخيار أمام النظام السعودي بات واضحاً: إما الوفاء الكامل باستحقاقات الشعب اليمني الإنسانية والاقتصادية (المرتبات، الرفع الكامل للحصار، إعادة الإعمار)، أو الاستعداد لتحمل العواقب الوخيمة والضربات القاصمة التي لن تتوقف عند حدود المنشآت الحيوية بل ستطال مفاصل مشروعه الاقتصادي المترنح.