صنعاء وفك الحصار في سياق فشل العدوان على إيران

سواء انتهت مذكّرة تفاهم إسلام أباد تحت وقع تجدّد العدوان، أم أفرزت المواجهة الجديدة مذكّرة أخرى، فإنّ اليمن ذاهب بلا تردّد لرفع الحصار السعودي.

حاصرت القوات المسلحة اليمنية ميناء “إيلات” الإسرائيلي عبر النافذة البحرية، وأفشلت كلّ المحاولات الأميركية والأوروبية لرفع الحصار عن “إيلات” بحرياً طوال سنوات حرب الإبادة على غزة، فعلت ذلك وساندت فلسطين في ذروة محنتها التاريخية، متناسية الحصار السعودي الإماراتي لصنعاء بحراً وجواً وبراً، وتريّثت في دخول الحرب مع إيران، ضمن متطلّبات الميدان الإيراني، ولما فشل العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران، كان من الطبيعي أن تتفكّك مع هذا الفشل كلّ ارتباطاته، ولكنّ الحماقة السعودية أبت أن تغادر زعماءها، وقد تجلّت بأعمق مستوياتها حيث وضعت الرياض رأسها في رمال الربع الخالي، وهي تظنّ أنّ صحاريها تحميها من فشل حلفائها بل أسيادها.

لم تتأخّر إيران وحلفاؤها في بدء السعي لحصاد ناتج عن صمودهم في دفع العدوان، ولئن كان البند الأول في مذكّرة التفاهم الأميركية الإيرانية، نصّ على تخصيص لبنان بالتهدئة، لخصوصية الهجوم الإسرائيلي الراهن على لبنان، فإنّ اليمن جاهز للتحرّك حيث ثمّة استحقاق طال أمده، وآن له أن يتحقّق عبر رفع الحصار عن صنعاء وكلّ المناطق اليمنية التابعة لحكومتها، فكانت الرحلة الجوية الإيرانية لمطار صنعاء في بداية شهر تموز/يوليو الحالي، وهي الأولى منذ عام 2015، وظهر يومها أنّ السعودية لم تتقبّلها باعتبار ذلك خرقاً للحصار السعودي الجوي لصنعاء، وهو الحصار المدعوم أميركياً على الصعيد اللوجستي.

أنهت السعودية الهدنة مع حكومة صنعاء بالغارات التي شنّتها على مطار صنعاء، بعد وصول الرحلة الإيرانية الثانية من نوعها، على الرغم من نجاح الطائرة الإيرانية في الهبوط بأمان، إلّا أنّ هذا القصف السعودي أشعل الحرب مجدّداً، في وقت سارعت فيه القوات اليمنية للردّ بقصف مطار أبها السعودي الدولي، معلنة عزمها الأكيد على إنهاء الحصار الظالم عن أرضها وسمائها وبحرها.

يأتي الطموح اليمني لرفع الحصار في سياق فشل العدوان الأميركي الإسرائيلي الخليجي على إيران، وهو فشل يدرك الجميع أنّ له ثمناً يمتدّ أوله من مضيق هرمز ولن يتوقّف آخره حتى يحطّ في أصل الحكاية هناك في غزة الذبيحة، مروراً بكلّ مرابض محور المقاومة، واليمن الشامخ في جبال صعدة متحفّز لمواكبة التطوّرات خاصة أنها باتت تصبح في صالحه على حساب كلّ أطراف العدوان.

والسعودية التي تعرّضت كلّ القواعد الأميركية في أراضيها، بما فيها السفارة الأميركية في الرياض للاستهداف خلال العدوان على إيران، ذهبت بوفد رفيع المستوى للمشاركة في مراسم تشييع السيد الإمام علي خامنئي، إدراكاً منها أنّ إيران لم تكن تنتهك سيادتها عبر قصف الوجود الأميركي في أرضها، بقدر ما كانت تدافع عن نفسها في مواجهة عدوان ينطلق من دول الجوار الإيراني ومنها السعودية بطبيعة الحال، وأنّ هذا العدوان فشل وعلى الجميع أن يدفع الثمن.

وتضمّ الأرض السعودية أهمّ مراكز التجسس والاتصالات الأميركية ممثّلة بنظام الأواكس الأميركي (AWACS) المدعّم بطائرات إنذار مبكر من طراز E-3 Sentry، والرابضة في قاعدة الأمير سلطان الجوية، حيث نجحت إيران بتدميرها في أوج العدوان، وهي تمثّل عيون الجيش الأميركي في السماء عبر توجيه الدفاعات والهجمات الجوية، وهو ما اعتبرته شبكتَا  Fox News وCNN وصحيفتَا New York Times وWall Street Journal، عمى استراتيجياً أصاب الجيش الأميركي واضطرّه إلى وقف القتال وقتها، لأنّ هذا النجاح الإيراني دمّر الدماغ الإلكتروني والوعي الميداني الأبرز للجيش الأميركي في المنطقة، خاصة مع صعوبة التعويض السريع لهكذا خسارة.

ذهب الأميركي لوقف الحرب وتوقيع مذكّرة تفاهم، ريثما استفاق من عماه الميداني وعاد إلى الحرب من دون أن يطلق عليها مسمّى الحرب، فهل جاء القصف السعودي لصنعاء ضمن الاستفاقة الأميركية بعودة الهجوم على إيران؟

تمثّل المشاركة اليمنية في الجهد الحربي المباشر في صدّ العدوان الأميركي على إيران والمنطقة عبر النافذة السعودية، مشاركة فعّالة من جهة، وهي مشاركة مبرّرة على الصعيد الداخلي اليمني من جهة أخرى، للأسباب الآتية:

أولاً: طال أمد الحصار السعودي على صنعاء، على الرغم من فشل العدوان السعودي الإماراتي والذي استمر لأكثر من 7 سنوات، وتمخّض عن حكومة دمية في عدن عاجزة عن حماية مقارها السياسية في مواجهة الفلتان الأمني، وليس ثمة وقت أنسب من هذا الوقت لرفع الحصار سلماً أو حرباً، لأنه وقت ظهر فيه العجز السعودي أبلغ ظهور، خاصة مع عجز السيد الأميركي عن حماية الوجود الأميركي في الأرض السعودية.

ثانياً: كان من الطبيعي أن تتراجع الغطرسة السعودية عقب فشل عدوانها على اليمن، وكذلك بعد فشل مرتزقتها في داخل اليمن، وقد فشلوا عسكرياً في محاربة أنصار الله، كما فشلوا أمنياً في إدارة مناطق سيطرتهم، والتي ترعرعت فيها عصابات وميليشيات سلفيّة تخوض صراعات دائمة فيما بينها، خاصة بين أتباع الإمارات من بقايا حزب المؤتمر وسلفيّة أبي العباس، وبين حزب الإصلاح الإخواني.

ثالثاً: أبهر الإسناد اليمني لغزة العالم في مستوى التصميم كما الاستعداد لدفع الثمن، والذي وصل إلى الاغتيال الإسرائيلي لرئيس أركان القوات المسلحة محمد الغماري، وعدد من وزراء حكومة صنعاء، في ظلّ نجاح يمني هائل في التصدّي للعربدة الأميركية والغربية في البحر الأحمر وبحر العرب، وكان يفترض بالسعودية التي عجزت عن تطبيق بياناتها السياسية الرسمية الداعية إلى وقف الحرب على غزة، أن تخجل من قدرة عدوها اليمني على إسناد غزة وقصف “تل أبيب” صبح مساء، وهو الخصم اليمني الذي لا يحظى باعتراف عالمي أو سعودي، وأن تبادر لإنهاء الحرب ضدّه بشكل كلّي وتترك اليمن لأهله للتفاهم فيما بينهم.

رابعاً: ظلّت حكومة صنعاء تؤجّل استحقاقها الوطني الملّح برفع الحصار، وهي تقدّم أولوياتها تبعاً للهمّ الأكبر في غزة، حتى جاءت فرصة فشل العدوان على إيران، واليمن يقع في قلب الصمود الإيراني، باعتباره فاعلاً مؤثّراً في قوة محور المقاومة، يمتلك من الصلابة العقائدية والزخم السياسي والتماسك الداخلي ومن القوة الصاروخية والطائرات المسيّرة المصنّعة محلياً، ما يؤهّله لفرض معادلة عالمية عبر مضيق باب المندب نظراً لأهميته التجارية، بما يوازي مضيق هرمز ويكمل دائرته النارية الاستراتيجية.

خامساً: تسرّعت السعودية بل تهوّرت في قصف مطار صنعاء، خاصة أنه جاء في موازاة استئناف الحرب الأميركية على إيران، وهنا يدخل اليمني الحرب، إلا إذا تعقّلت السعودية بعد الردّ اليمني العنيف، عبر نافذة همّه الداخلي بما يلقى إجماعاً داخلياً في صنعاء، وبما يعطي الشرعية الأخلاقية والقانونية على المستوى الإقليمي والعالمي لهكذا مشاركة.

سادساً: يمثّل الاحتضان الأميركي للهجوم السعودي على صنعاء، منتهى الحماقة لأنه يساهم في حال تصاعده، في رفع أسعار الطاقة العالمية، وهو ما يقضّ مضاجع ترامب والغرب، خاصة عندما يضطر اليمني لقصف محطة أرامكو  التي تغذّي 12% من إجمالي الطلب النفطي اليومي، وكان التصدير السعودي متحرّراً نسبياً من إغلاق هرمز، لأنّ السعودية تصدّر أيضاً عن طريق ميناء ينبع عبر البحر الأحمر، لهذا لم ترتفع أسعار النفط أكثر من 120 دولاراً في ذروة الحرب على إيران، بينما ستصل حتماً حتى 200 دولار في حال تدمير آبار أرامكو، وتوقّف إمدادات النفط السعودية كلياً.

سواء انتهت مذكّرة تفاهم إسلام أباد تحت وقع تجدّد العدوان، أم أفرزت المواجهة الجديدة مذكّرة أخرى، فإنّ اليمن ذاهب بلا تردّد لرفع الحصار السعودي، لأنّ بديهيات الأشياء تقضي أنّ الهزيمة حينما تقع تأخذ معها كلّ أطرافها، فيما أنّ القابض على جمرة وطنه يشهر لهيبها ويده تحترق، فكيف والحال أنّ قلب ظالمه بدأ يتمزّق؟

المصدر:الميادين نت كتب : محمد جرادات ..باحث فلسطيني

قد يعجبك ايضا