الحرب الناعمة واستراتيجيات الهيمنة الخفية: قراءة تحليلية في مشروع التفكيك الثقافي واستهداف الهوية
اختراق الهوية والقيم: كيف تُدار معركة الوعي بعيدًا عن ميادين الحرب التقليدية؟
الحقيقة ـ جميل الحاج
في العصر الحديث، لم تعد الهيمنة الدولية تُمارس عبر الاحتلال العسكري أو السيطرة المباشرة فحسب، لقد أصبح النفوذ أكثر تعقيدًا وهدوءًا، وأكثر قدرة على التغلغل في المجتمعات والتحكم في وعي الشعوب دون الحاجة إلى جيوش أو دبابات.
هذا الشكل من الهيمنة يعرف اليوم بـ “الحرب الناعمة”، وهي حرب تُدار بالأفكار والصور والرسائل والمحتوى والتأثير النفسي والثقافي، وتهدف إلى إعادة تشكيل المجتمعات من الداخل، وإضعاف قدرتها على الصمود، وتفريغ هويتها، وتحويل اتجاهات أجيالها دون أن تشعر بأنّها في حالة صراع أو مواجهة.
وتُعدّ الشعوب العربية والإسلامية من أكثر الشعوب التي تتعرض لهذا النوع من الحروب، بحكم امتلاكها هوية دينية وثقافية واضحة، وقضية مركزية عادلة ذات أبعاد سياسية كبرى، إضافة إلى تاريخ طويل من السعي للتحرر السياسي والثقافي.
لذلك أصبح التأثير عليها ضرورة في استراتيجيات الأمريكي والإسرائيلي، وتحديدًا على مستوى الإعلام والتعليم والثقافة والفضاء الرقمي والاقتصاد والقيم النفسية والاجتماعية.
يُعدّ الإعلام، عبر القنوات الكبرى وشركات الإنتاج العالمية، أهم أدوات الحرب الناعمة للعدو الإسرائيلي والأمريكي وأكثرها تأثيرًا، فقد تحوّل إلى مصنع ضخم لصناعة الإدراك، وإعادة تشكيل الوعي، وترسيخ قيم معينة، وتشويه أخرى.
وتُظهر التجارب أن المحتوى المرئي من أفلام ومسلسلات وبرامج قادر على التأثير العميق في رؤية الشعوب لنفسها وللآخر، خصوصًا عندما يجري تقديمها بشكل احترافي وجذاب.
ومما لا يمكن إنكاره أنّ صورة العرب والمسلمين قُدمت في كثير من الأعمال العالمية بصورة سلبية أو مختلة؛ إما بوصفهم عناصر فوضوية، أو جهلة، أو متخلفين، أو عاجزين عن بناء الحضارة.
هذا التشويه لا يصنع مجرد رأي، بل يخلق رؤية نفسية عميقة لدى الشعوب الأخرى، ويؤثر حتى في أبناء المنطقة أنفسهم الذين يستهلكون هذا المحتوى بكثافة.
مثل هذا التأثير كان موضوعًا للعديد من التحليلات الفكرية المستوحاة من القرآن الكريم، ومن بينها ما طرحه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي ” رضوان الله عليه” في حديثه عن “الفساد الثقافي” الذي يستخدمه اليهود والنصارى الذي يتدفق على المجتمعات من الخارج عبر المحتوى المرئي والإعلامي، مؤكدًا أن هذا الضخ المنظم يؤدي إلى تراجع القيم الدينية، وإفساد الوعي، وإضعاف المناعة الأخلاقية للمجتمع.
وأشار الشهيد القائد في أحد محاضراته إلى أن لدي اليهود خبرة شيطانية، وخبث شيطاني، ومكر شيطاني رهيب، فهم يتجهون نحو الوسوسة ونحو القلوب، ونحو النفوس، بأي وسيلة من وسائل الإفساد بأي وسيلة من وسائل شاشة التلفزيون.
يُعدّ التعليم ساحة مركزية لأي مشروع تأثير طويل المدى، فالمناهج المُعدّة للأجيال الجديدة تحدد طريقة تفكيرهم، وشكل رؤيتهم للعالم، وموقفهم من القيم الدينية والثقافية والاجتماعية.
ومع تزايد النفوذ الأمريكي والإسرائيلي للمؤسسات التعليمية وبرامج الإصلاح التعليمي، ظهرت محاولات عديدة لإبعاد الدين عن الحياة العامة، وتقديم رؤية علمانية أو محايدة تُفرغ الهوية من مضمونها.
لا تكمن الخطورة في تحديث التعليم بحد ذاته، بل في إعادة صياغة المفاهيم بما يفصل الطالب عن قيمه المركزية، ويجعله يرى قضاياه الكبرى مثل القضية الفلسطينية كقضايا هامشية أو غير أساسية.
هذا التفريغ القيمي هو ما أشار إليه الشهيد القائد عندما تحدث عن “الترويض الناعم” الذي يجعل المجتمعات تتقبل تدريجيًا ما كان مرفوضًا سابقًا، ليصبح طبيعيًا أو مألوفًا بمرور الوقت.
الفضاء الرقمي.. ساحة غير مرئية للتأثير
لم يعد الصراع اليوم محصورًا في قنوات التلفاز أو الصحف، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي الذي تسيطر عليه الصهيونية وهو يضم ملايين المنصات والمحتويات، وينتشر عبره ملايين الحسابات المنظمة أو الممولة، والتي تعمل على توجيه الرأي العام، وترويج الشبهات، وتشويه الرموز الوطنية، وإثارة الفوضى، وصناعة الانقسامات داخل المجتمع الواحد.
تستخدم الجيوش الإلكترونية التي تخدم الكيان الصهيوني والأمريكي تقنيات متقدمة للتحكم في التدفق المعلوماتي، وتوجيه الترند، وصناعة موجات التعاطف أو الهجوم، وتضخيم حدث، وإخفاء آخر.
وهذه الأساليب تؤدي إلى خلق بيئة مشوشة، تجعل الفرد غير قادر على التمييز بين المعلومة الصحيحة والزائفة، وتدفعه للتشكيك بكل ما حوله.
وقد أشار الشهيد القائد إلى هذا النوع من التأثير باعتباره “وسوسة حديثة” تمارسها أدوات النفوذ المعاصر، تتسلل إلى النفوس والعقول من خلال الدعاية والمؤثرات البصرية والرسائل المستمرة التي تضعف الصفاء الداخلي وتفقد الإنسان توازنه الأخلاقي والفكري.
من بين أخطر أدوات الحرب الناعمة الدعم الثقافي والفني، الذي يبدو في ظاهره تقدميًا أو إبداعيًا، لكنه في الغالب يُستخدم لتمرير سردية سياسية معينة، أو لتشجيع نمط من القيم يتعارض مع البنية الثقافية للمجتمع العربي والإسلامي.
تقوم بعض المؤسسات العالمية بتمويل جوائز أدبية وفنية كبيرة، وتوجيه الإنتاج الثقافي نحو أعمال تروج لرؤى سياسية محددة، أو تُبث رسائل تتصل بقضية الصراع العربي الإسرائيلي بشكل غير مباشر، مثل “التعايش” أو “التقارب” في سياقات تهمّش حقيقة الصراع القائم، وتعيد تعريفه باعتباره خلافًا ثقافيًا قابلًا للحل السطحي، لا قضية احتلال وحقوق لشعوب الأمة.
وتنسجم هذه الرؤية مع ما أشار إليه الشهيد القائد في حديثه عن “الفساد الأخلاقي والثقافي” الذي يُبث في المجتمع عبر مختلف الوسائل، ليصبح الإنسان مهيّأ لقبول ما لا يتوافق مع قيمه تحت تأثير التكرار والاعتياد.
وذكر الشهيد القائد في أحد محاضراته أن لدي اليهود خبرة شيطانية، وخبث شيطاني، ومكر شيطاني رهيب، فهم يتجهون نحو الوسوسة ونحو القلوب، ونحو النفوس، بأي وسيلة من وسائل الإفساد بأي وسيلة من وسائل شاشة التلفزيون، من مختلف البلدان عن طريق “الدّش” مشيرا إلى أن هذة الذبذبات تدخل الذبذبات عندما ترى امرأة مكشوفة في التلفزيون فاعرف لا بد أن ينقص من زكاء نفسك شيء. {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}(النور: من الآية30) أطهر لنفوسهم.
وَأضاف “ألم يعملوا على أن تتخلع النساء وتتبرج؟. لماذا؟ هم يعرفون أن تلك الصورة عندما تراها أنت توجد خللا في نفسك، ووسيلة مع وسيلة أخرى، وأسلوب بعد أسلوب، وطريقة بعد طريقة، ترى نفسك قابلة، وأنت لا زلت تحس في رأسك أن اسمك مؤمن، وأنك مؤمن واسمك مسلم، وتقول للآخر يا يهودي يا نصراني، وتنطلق تصلي وتصوم وتزكي وتحج، ومسلم مؤمن، ولكن واحدةً بعد واحدة، ضربة بعد ضربة مما يفسد بها زكاء النفس وطهر النفس. ثم تضليل ثقافي، يترافق أيضاً, تضليل ثقافي عن طريق الصحيفة، المجلة، التلفزيون، الإذاعة الكُتّاب، الصحفيين، مرشدين، أشياء كثيرة جداً تهاجم الإنسان من كل جهة.
الدين هو الركن الأعمق في الوجدان العربي والإسلامي، ولذلك تُوجه إليه جهود التأثير الناعم بشكل مكثف، وتظهر هذه الجهود في تقديم تأويلات جديدة للمفاهيم الدينية، وإعادة تعريف مفاهيم مثل الجهاد، الولاء، البراء، المقاومة، العدالة، والهوية الروحية، بما يجعلها منسجمة مع مشاريع سياسية أو اقتصادية خارجية.
ويجري أحيانًا الدفع بشخصيات دينية لخدمة رؤى سياسية ناعمة، أو تبرير اتفاقات سياسية مثيرة للجدل تحت غطاء ديني أو دعوات “إبراهيمية” عامة لا تميز بين الحق والباطل في قضايا الصراع العربي الإسرائيلي.
وقد أكد الشهيد القائد على خطورة هذا الباب، حين قال إن أخطر أشكال المواجهة لا تجري عبر الحدود، بل “من الداخل”، عبر إعادة تشكيل المفاهيم، وتغذية الفساد الثقافي والعقائدي والأخلاقي بطرق تبدو بسيطة لكنها تراكمية وخطيرة.
وقال الشهيد القائد: “لا تتصور أبداً بأن معنى المسألة في مواجهة أهل الكتاب هو: أن تتجه بعينيك إلى [نيويورك] أو إلى إسرائيل أو إلى [لندن] أو [باريس] أو نحوها، من هنا, العمل يأتي في مواجهتهم من هنا من الداخل؛ لأنهم هم – وهم في مجال أن يضربوا الأمة – يتغلغلون إلى داخلها بمختلف وسائلهم الخبيثة، {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً}(المائدة: من الآية33) فساداً ثقافياً، فساداً أخلاقياً، فساداً اقتصادياً، فساداً في البيئة، فساداً في كل مجالات الحياة”.
الحرب الناعمة ليست نشاطًا عابرًا أو ردود فعل ميدانية، بل هي مشروع استراتيجي له ثلاثة أهداف مركزية:
1ـ تفريغ الهوية وإضعاف الإيمان، من خلال التأثير الثقافي والإعلامي والأخلاقي، وإعادة رسم القيم والنماذج، وإضعاف الروابط الأسرية والاجتماعية.
2ـ إعادة توجيه بوصلة الشعوب، خصوصًا تجاه القضايا العادلة، عبر تحويل الاهتمام العام من قضايا التحرر والعدالة إلى قضايا استهلاكية وترفيهية، أو جعل التطبيع خيارًا “ثقافيًا” مقبولًا.
3ـ إخماد روح النهضة والمقاومة، عبر بث الإحباط، نشر الشكوك، صناعة الانقسام الداخلي، تشويه الرموز، وإشغال الناس بصراعات جانبية، بحيث تتلاشى قدرتهم على النهوض أو الدفاع عن حقوقهم.
ختاماً: الحرب الناعمة هي الوجه الجديد للصراع العربي الإسرائيلي، إنها معركة الوعي قبل كل شيء؛ معركة الإعلام، الثقافة، التعليم، الفضاء الرقمي، القيم الأخلاقية، والنفس الإنسانية.
وما لم تمتلك الشعوب وعيًا نقديًا قادرًا على كشف أدوات التأثير، وتحليل الرسائل، ومراجعة المحتوى، فإنها ستكون عرضة للتلاعب والتفكيك دون أن تشعر.
والحل لا يكمن في الانغلاق، بل في بناء مناعة ثقافية واعية، وتعزيز الهوية، وترسيخ التعليم القيمي، وتطوير إعلام مسؤول، وإحياء الوعي الجمعي الذي يجعل الشعوب قادرة على التمييز بين ما يُراد لها أن تكون، وما يجب أن تكونه بالفعل.