صراع الأدمغة في اليمن 2025: كيف تقاطعت التكنولوجيا الإسرائيلية مع الاختراقات البشرية في حرب الظل؟
ـ زلزال ‘ومكرُ أولئك هو يبور: صنعاء تُفكك أضخم شبكات التجسس الدولية وتكشف تورط غطاءات إنسانية
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
لم تكن سماء اليمن خلال عامي 2024 و2025 مجرد مسرح لمواجهات عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى “مختبر مفتوح” لأعقد العمليات الاستخباراتية في القرن الحادي والعشرين.
وبينما كانت الصواريخ والمسيّرات ترسم مسارات القوة في الميدان نصرتاً لغزة، كانت هناك حرب خفية تدور رحاها في غرف العمليات المظلمة، حيث تصارعت تقنيات الذكاء الاصطناعي الإسرائيلية مع اليقظة الأمنية اليمنية في معركة “تكسير عظام” استخباراتية غير مسبوقة.
تستعرض هذه القراءة التحليلية العميقة كواليس هذه المواجهة، وكيف حاول “الثلاثي” (الأمريكي، البريطاني، والإسرائيلي) اختراق جدار الأمن اليمني، وفي المقابل، كيف نجحت صنعاء في تفكيك “الأخطبوط” التجسسي الذي تغلغل لعقود تحت غطاءات دبلوماسية وإنسانية.
اختراق “السيادة الرقمية”.. كيف وصل العدو إلى “بنك الأهداف”؟
في النصف الثاني من عام 2025، أثارت دقة بعض الضربات الإسرائيلية تساؤلات جوهرية حول كيفية الوصول إلى “قادة الصف الأول”.
المعطيات التقنية تشير إلى أن الكيان الصهيوني اعتمدت استراتيجية “التفوق السيبراني” المطلق عبر مسارين:
1ـ فخ “الموجات” والمنارات الرقمية
كشفت تقارير تقنية نشرت في أكتوبر 2025م أن أجهزة اللاسلكي من طراز “Motorola” وطرازات أخرى، والتي كانت تُعتبر لسنوات وسيلة اتصال آمنة للمقاتلين، احتوت على “ثغرات مصنعية” متعمدة.
هذه الأجهزة كانت مزودة بـ “منارات رقمية” (Digital Beacons) صامتة، تمنح وحدة التجسس الإسرائيلية (8200) القدرة على رسم خرائط حرارية لمواقع القادة بمجرد تشغيل الجهاز، حتى دون إجراء مكالمة.
وقد كشف موقع إنتلّي نيوز الإسرائيلي أن أجهزة الاتصال اللاسلكي التي كان يستخدمها رئيس أركان العامة محمد الغماري وعدد من كبار قادته قد تكون لعبت دورًا حاسمًا في تحديد مواقعهم وتصفيتهم خلال الهجوم الأخير الذي أودى بحياتهم نهاية الأسبوع الماضي.
ووفقًا لما أورده الموقع، أظهرت صور وتوثيقات نشرت بعد مقتل الغماري أنه كان يستخدم جهاز اتصال تكتيكي من طراز Motorola TLR7، وهو جهاز مطابق للنوع الذي يُصنع في “إسرائيل” ويُسوّق أحيانًا في الصين تحت أسماء تجارية مختلفة، بعضها أصلي وبعضها مقلّد.
ورأى الموقع أن تكرار استخدام القيادات المناوئة للكيان لأجهزة اتصال يمكن تتبعها يمثل ثغرة أمنية قاتلة استغلتها “إسرائيل” في أكثر من ساحة، من لبنان وسوريا إلى اليمن، ضمن ما يبدو أنه استراتيجية استخباراتية متكاملة لتصفية قادة المحور عبر التكنولوجيا.
2ـ الذكاء الاصطناعي وبصمة الصوت
لم يعد التنصت يعتمد على العنصر البشري فقط؛ إذ استخدم العدو خوارزميات متطورة لتحليل “بصمة الصوت”. وبمجرد التقاط ذبذبات صوتية لأي قائد عبر أي قناة اتصال، يقوم النظام بربطها فوراً بإحداثيات الموقع الجغرافي (SIGINT)، مما يفسر استهداف بعض “الفلل” والاجتماعات الاستثنائية بدقة متناهية، كما حدث في هجوم أغسطس 2025 الذي استهدف اجتماعاً رفيع المستوى في حي سكني بصنعاء.
“HUMINT”.. عندما تتقاطع الجغرافيا مع التجسس البشري
رغم التفوق التقني، ظل العنصر البشري هو “المفتاح الميداني” لـ “إسرائيل”، وبحسب تقارير دولية، منها ما أوردته “وول ستريت جورنال” في مارس 2025، اعتمد الموساد على:
ـ تجنيد “يهود من أصول يمنية”: قامت شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” بتوظيف أفراد يمتلكون معرفة فطرية باللهجات اليمنية والعادات الاجتماعية، مما مكنهم من إدارة شبكات مخبرين محليين وتوجيههم بدقة داخل المدن.
ـ شبكات المخبرين المحليين: الذين سقطوا في فخ العمالة مقابل إغراءات مالية، وكان دورهم ينحصر في “التأكيد البصري” للأهداف قبل الضغط على زر الإطلاق.
التحالف الاستخباراتي.. “غرفة العمليات المشتركة”
لم تكن “إسرائيل” تعمل وحدها؛ فالبيانات تؤكد وجود تكامل عضوي مع القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، التي فرت الأقمار الصناعية الأمريكية مراقبة مستمرة على مدار الساعة للموانئ اليمني (الحديدة والصليف)، بينما تولت الفصائل الموالية لتحالف العدوان في المناطق الجنوبية والشرقية تزويد غرف العمليات المشتركة ببيانات ميدانية حول تحركات القوافل واللوجستيات.
الرد الصاعق.. صنعاء تكسر “أوثان” التجسس
في مقابل هذا الهجوم التقني، شنت الأجهزة الأمنية في صنعاء “هجوماً مضاداً” في أنجاز تاريخي.. لم يكن الهدف مجرد القبض على جواسيس، بل تفكيك منظومة عملت منذ ثمانينيات القرن الماضي.
نذكر منها عملية “ومكرُ أولئك هو يبور”: ضربة في قلب “الموساد” في نوفمبر 2025، أعلنت وزارة الداخلية عن تفكيك شبكة تضم 22 عنصراً، كانت تدار من غرفة عمليات في السعودية بإشراف مباشر من (CIA) والموساد، كانت هذه الشبكة تستخدم تقنيات “خيال علمي”؛ منها:
ـ أدوات تمويه متطورة: كاميرات مخفية في “ريموتات” سيارات وساعات يدوية.
ـ أجهزة سحب البيانات: برامج بث مباشر تربط الجاسوس بغرفة العمليات في تل أبيب لحظياً.
زلزال المنظمات الدولية: الغطاء الإنساني في مهب الريح
كانت المفاجأة الأكبر في يونيو 2024 وأكتوبر 2025، حين كشفت صنعاء عن شبكة تجسس تعمل من داخل منظمات أممية ودولية (الفاو، الصحة العالمية، وبرنامج الأغذية)، أثبتت الاعترافات المتلفزة (التي تجاوزت 200 ساعة) أن هذه العناصر لم تكتفِ بجمع المعلومات العسكرية، بل مارست “التخريب المنهجي”:
اقتصادياً: ضرب البنك المركزي والتلاعب بسعر العملة.
زراعياً وصحياً: إفساد البذور ونشر الأوبئة لضرب الأمن الغذائي.
تعليمياً: التدخل في المناهج لفصل الأجيال عن هويتها.
ما وراء الاعترافات.. الرسائل والدلالات
بث الاعترافات لم يكن مجرد عرض أمني، بل كان رسالة سياسية واستراتيجية متعددة الأبعاد منها للداخل اليمني برفع منسوب الوعي تجاه الأساليب الناعمة للتجنيد.
أضافة إلى ذلك للمجتمع الدولي بإقامة الحجة القانونية بأن المنظمات الدولية تحولت إلى ثكنات استخباراتية تخالف مواثيق الأمم المتحدة.
ورسالة للعدو بتحطيم أسطورة “الاختراق” وإثبات أن “صراع الأدمغة” مال لصالح العقل الأمني اليمني الذي استطاع كشف تقنيات كانت تُعتبر غير قابلة للاختراق.
خريطة طريق أمنية جديدة
إن ما شهدته اليمن في 2025 يؤكد أن المعركة لم تعد “رصاصة مقابل رصاصة”، بل “بيانات مقابل بيانات”. لقد استغل العدو ثغرات التقنية والتعاون الإقليمي، لكن “اليقظة المتأخرة” لصنعاء في أواخر 2025، وتدشين استراتيجية أمنية جديدة تعتمد على “التطهير الشامل” للشبكات، وضعت حداً لسلسلة من الخروقات.
اليمن اليوم، وبناءً على معطيات هذا العام الصاخب، يعيد صياغة بروتوكولات التواصل الميداني، ويتجه نحو “سيادة تقنية” تقلل الاعتماد على الوسائل المخترقة، مما يعني أن الجولات القادمة من “حرب الظل” ستكون أكثر تعقيداً وعصية على الاختراق.