أحد عشر عاماً من الصمود: قراءة في رؤية السيد القائد للحاضر والمستقبل

خطاب الصمود: ثلاثية المظلومية والثبات واستشراف النصر
من المظلومية إلى المواجهة: فلسفة الصمود في خطاب السيد القائد.
يوم الصمود: معادلة التحرر من الحصار إلى معركة المصير.

الحقيقة ـ جميل الحاج

في الذكرى الحادية عشرة لانطلاق العدوان الأمريكي السعودي على اليمن في الـ 26 مارس 2015، يبرز خطاب السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ كوثيقة تاريخية وسياسية تلخص مسار عقد من الزمن.

الخطاب لم يكن مجرد جردة حساب للجرائم التي ارتكبها العدوان الأمريكي السعودي في اليمن، بل كان إعلاناً عن نضوج “مدرسة الصمود اليمنية” التي تحولت من مجرد حالة دفاعية إلى رقم صعب في المعادلة الإقليمية والدولية.

أن الخطاب لم يقتصر على استحضار الماضي، بل يتجاوز ذلك إلى تأطير الحاضر واستشراف المستقبل، ضمن رؤية تقوم على ثلاثية: المظلومية، الصمود، والمواجهة.

وهنا سنركز في هذه القراءة التحليلية على جدلية (المظلومية والانتصار)، حيث استطاع الشعب اليمني تحويل أكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث إلى منصة للانطلاق نحو استقلال سياسي وعسكري غير مسبوق.

فاتورة الدم والحصار.. أرقام توثق “إبادة جماعية”

لقد كشف خطاب السيد القائد عن أرقام صادمة تعيد تعريف حجم المؤامرة التي تعرض لها اليمن، إن الحديث عن 60 ألف شهيد وجريح، ووفاة أكثر من مليون و400 ألف مدني نتيجة تداعيات الحصار وسوء التغذية، ينقل الجريمة من سياق “الأخطاء الحربية” إلى سياق “الإبادة الممنهجة”.

ـ تدمير البنية التحتية: استهداف 670 مرفقاً صحياً، و2900 منشأة تعليمية، و5600 محطة كهرباء، يثبت أن الهدف لم يكن عسكرياً، بل كان محاولة لتعطيل “الحياة” في اليمن وإعادته عقوداً إلى الوراء.

ـ الحرب الاقتصادية: الإشارة إلى نهب الثروة النفطية وحرمان الشعب من مرتباته، رغم أن اليمن يحتل المرتبة 27 عالمياً في الاحتياطي النفطي، تكشف وجه العدوان “اللصوصي” الذي سعى لتجويع الشعب لإخضاعه.

الدور الأمريكي يقابلها مدرسة التضحية

ثبت الخطاب رؤية واضحة مفادها أن الأدوات الإقليمية (السعودية والإمارات) لم تكن إلا واجهات لمشروع أمريكي- صهيوني، السيد القائد أكد أن الإشراف المباشر كان أمريكياً، وأن الهدف هو تطويع اليمن لخدمة الأجندة الإسرائيلية.

هذا التحليل يفكك الرواية التي حاولت تصوير العدوان  كـ نزاع داخلي أو حرب أهلية، ويعيدها إلى مربعها الأصلي: صراع بين مشروع تحرري يمني ومشروع هيمنة واحتلال من قبل دول الاستكبار العالمي التي تريد السيطرة على الموقع الاستراتيجي لليمن وثرواته.

وانتقل خطاب السيد القائد من رصد الجراح إلى الإشادة بـ عطاءات الشعب، وصف القائد تضحيات اليمنيين بأنها مدرسة مهمة ومعطاءة بالدروس.

وأبرز الخطاب التلاحم الاجتماعي ودور المرأة اليمنية، والقبيلة، المجاهدين في كافة المجالات عسكرياً، أمنياً، واقتصادياً كركيزة أساسية منعت انهيار الدولة، وأسقطت أطماع تحالف العدوان.

كما استند الخطاب على العمق التاريخي وأن الشعب اليمني يمتلك جذوراً ضاربة في العمق التاريخي، مما منحه النفس الطويل للصمود لـ 11 عاماً أمام أعتى الترسانات العسكرية في العالم.

ملف السلام.. بين المماطلة السعودية والارتهان للخارج

في واحدة من أهم مفاصل الخطاب، وضع السيد القائد النظام السعودي أمام مرآة الحقيقة، كشف الخطاب عن، المماطلة وعدم وجود توجه صادق وجاد نحو السلام من جانب الرياض حتى الآن، واستمرار الارتباط والارتهان السعودي للأجندة الأمريكية والبريطانية، وممارسة أنشطة استخباراتية عدائية عبر خلايا تجسس مشتركة.

ودعا القائد النظام السعودي لفك ارتباطه بالمشاريع الصهيونية والتعامل بمبدأ حسن الجوار، مؤكداً أن السيطرة على اليمن عين المستحيل، هذه الرسالة تحمل تحذيراً مبطناً بأن حالة خفض التصعيد الحالية لن تدوم للأبد إذا استمر الحصار والمماطلة من قبل النظام السعودية.

اليمن ومحور المقاومة.. وحدة المصير

أعاد الخطاب التأكيد على تموضع اليمن الطبيعي في قلب الأمة الإسلامية ومحور المقاومة، مشيدا بالثبات الإيراني وبموقف طهران المتضامن الوحيد رسمياً مع اليمن في ذروة التصعيد.

ووصف السيد في الخطاب القوة العسكرية الإيرانية (الصواريخ والمسيرات) بأنها عامل محفز للأمة، كونها تكسر الهيمنة الإسرائيلية.

وفيما يخص الموقف من فلسطين وسوريا ولبنان أكد خطاب السيد أن قوة اليمن وقوة المحور تصب في صالح حماية المنطقة من العربدة الصهيونية، مشدداً على أن مواقف اليمن مبدئية ولا تخضع للمساومات أو الصفقات السياسية.

الجهاد ضد “طاغوت العصر

جاء الإعلان الصريح: لن نتردد في أداء واجبنا الإسلامي في الجهاد ضد اليهود الصهاينة وذراعهم الأمريكي”.

هذا الربط بين مظلومية اليمن ومظلومية فلسطين يعكس وحدة المعركة، القائد أشار بوضوح إلى أن أي تطورات عسكرية تستدعي التدخل سيبادر إليها اليمن بكل ثقة، مما يرفع سقف التوقعات حول دور يمني أكبر في المواجهة المباشرة مع الكيان الصهيوني.

اختتم القائد خطابه بالدعوة للخروج المليوني في جمعة الصمود، معتبراً أن الخروج الشعبي هو تأكيد على الثبات، وإن الرسالة الجوهرية من مرور 11 عاماً هي أن الرهان على انكسار الشعب اليمني قد سقط، وأن ثمرة هذا الصمود القائم على التوكل على الله هي النصر الموعود.

إن اليمن في العام الحادي عشر ليس يمن 2015؛ فقد تحول من بلد يدافع عن بقائه إلى قوة إقليمية تمتلك قرارها السيادي، وتفرض معادلاتها العسكرية، وتمد يدها بسلام الشجعان، لكنها تبقي أصبعها على الزناد، مدركة أن الحرية تُؤخذ ولا تُعطى، وأن السيادة دونها خرط القتاد.

قد يعجبك ايضا