استهداف الهوية الإسلامية.. كيف تحولت المنظمات الدولية إلى منصات لنشر التنصير والبهائية والأحمدية

صادق البهكلي

في ظل إدراك القوى الاستعمارية الغربية، وبرعاية منظريها وساستها واللوبي اليهودي، لقوة الإسلام وحيويته وقدرته على الصمود والانتشار في مواجهة الهيمنة اليهودية والنصرانية العالمية، انصبّت جهودهم التاريخية منذ الحملات الصليبية الأولى على ضرب الإسلام في نفوس المسلمين والسعي لإقصاء القرآن الكريم والرسول الأعظم من وجدان الأمة.

وفي هذا السياق ظهرت طوائف هدامة تستهدف اختراق بنية الإسلام وتقديم نماذج دينية مشوّهة تخدم مصالح القوى الاستعمارية وتتماشى مع رغباتها.

ومع انحسار المد الصليبي والحملات الاستعمارية العسكرية، برزت المنظمات الدولية كقناع إنساني تتوارى خلفه الأهداف ذاتها، حيث استغلت مشهد العولمة وتسارع المصالح الدولية لتوظيف نفوذها في نشر أيديولوجيات دينية بديلة في العالم الإسلامي، واستندت في عملها إلى خطط استراتيجية محكمة، ممولة بميزانيات ضخمة، تستهدف أكثر المناطق الإسلامية هشاشة من خلال استغلال الظروف الإنسانية والثغرات الاجتماعية والاقتصادية، وتقوم هذه المنظمات بنشر مشاريع التنصير، والبهائية، والأحمدية، مستخدمة أساليب متطورة تتراوح بين العمل الإنساني الظاهري والتغلغل الفكري الممنهج، وتوفّر الحماية لمن يعتنق هذه الأفكار تحت عنوان زائف هو “حماية الأقليات الدينية”.

في ظل هذا الواقع، يُراد للإسلام أن يبقى مكبلاً، مقيدًا بضغط الشعارات الحقوقية، وعاجزًا عن الدفاع عن ذاته وهويته أمام موجات الاختراق الناعمة وجيوش التأثير الخارجي.

فما هي البنية المؤسسة لهذه المنظمات وكيف تعمل ؟

أولاً: البنية المؤسسية للمنظمات التنصيرية الدولية

شبكة المنظمات والإرساليات

تُشكل المنظمات التنصيرية الدولية شبكة معقدة ومنظمة تضم أكثر من 24,580 منظمة عالمياً، منها 3,880 منظمة متخصصة في إرسال المبشرين. تعمل هذه المنظمات تحت غطاء متعدد الأوجه، بعضها معلن كإرساليات دينية، والبعض الآخر متخفٍ خلف واجهات إنسانية وتنموية.

من أبرز المنظمات التنصيرية التاريخية التي أسست لهذا العمل:

  • جمعية لندن التنصيرية 1765م: استهدفت القارة الأفريقية بشكل أساسي
  • جمعيات بعثات التنصير الكنسية 1799م: وجهت جهودها نحو الهند ومنطقة الخليج العربي
  • جمعية تبشير الكنيسة الإنجليكانية البريطانية 1799م: بدعم مباشر من الأسرة المالكة البريطانية
  • جمعية طبع الإنجيل البريطانية 1804م: تخصصت في طباعة وترجمة وتوزيع الكتاب المقدس
  • مجلس الكنيسة المسيحية الأمريكية 1883م: موجه بشكل خاص للعالم العربي
  • حملة التنصير العالمية 1913م: تركز على الطب والتعليم والأدب والترجمة

تشرف منظمة “دائرة تنصير الشعوب” ومقرها الفاتيكان على شبكة ضخمة تضم 58 ألف مدرسة و26 ألف معهد وجامعة حول العالم، مما يعكس الحجم الحقيقي لهذه الآلة المؤسسية.

  • المؤتمرات التنصيرية: مراكز التخطيط الاستراتيجي

تُعد المؤتمرات الدولية أحد أهم أدوات التنسيق بين المنظمات التنصيرية، حيث تُوضع فيها الخطط وتُرسم الاستراتيجيات وتُقيّم النتائج. من أبرز هذه المؤتمرات:

  • مؤتمر القاهرة 1906: دعا إليه صموئيل زويمر، الملقب بـ”رسول التنصير للعالم الإسلامي”، لتوحيد جهود الإرساليات البروتستانتية
  • المؤتمر التبشيري العالمي في إدنبره 1910: حضره ممثلون عن 159 جمعية تبشيرية
  • مؤتمر كولورادو 1978: عُقد تحت اسم “مؤتمر أمريكا الشمالية لتنصير المسلمين” بحضور 150 مشاركاً، وانتهى بوضع استراتيجية سرية بميزانية مليار دولار

توالت المؤتمرات في مدن عربية وإسلامية مثل بيروت، القدس، بغداد، حلوان بمصر، وقسنطينة بالجزائر، مما يعكس التركيز الواضح على استهداف العالم الإسلامي.

ثانياً: الأساليب والاستراتيجيات الخفية

التنصير المختفي: الإنسانية كغطاء

طورت المنظمات التنصيرية أساليب متطورة للعمل تحت غطاء إنساني وتنموي، وهو ما يُعرف بـ”التنصير الخفي” أو “التنصير المختفي”. تعمل هذه المنظمات من خلال:

  1. المساعدات الإنسانية والإغاثة

تستغل المنظمات التنصيرية الكوارث الطبيعية والنزاعات المسلحة ومناطق الفقر المدقع لتقديم المساعدات الإغاثية مقرونة بأنشطة تنصيرية. في أفغانستان، على سبيل المثال، يعمل أكثر من 103 منظمة إغاثة ذات توجه تنصيري مقابل 12 منظمة إسلامية فقط، تشمل: اللجنة السويدية للإغاثة، منظمة الاعتقاد الأمريكية العالمية، اللجنة النمساوية للإغاثة، مؤسسة العون الكنسي العالمي، ومؤسسة العون الأفغاني البريطانية.

في جنوب السودان، كُشف عن وجود أسلحة داخل أكياس القمح المرسلة من منظمة دولية، مما يثير تساؤلات حول الأجندات الخفية التي تتجاوز العمل الإنساني.

  1. الخدمات الصحية والتطبيب

أنشأت المنظمات التنصيرية شبكة واسعة من المستشفيات والمراكز الصحية في المناطق النائية والمحرومة، حيث تُقدم الخدمات الطبية كمدخل للتأثير الديني. في أفريقيا جنوب الصحراء، مكّنت الخدمات الصحية المقدمة في الأديرة المبشرين من كسب ثقة السكان في غياب المرافق الطبية الحكومية.

  1. التعليم والمنح الدراسية

يُعد التعليم أحد أقوى أسلحة التنصير، حيث أُنشئت آلاف المدارس والمعاهد والجامعات في العالم الإسلامي. تُقدم هذه المؤسسات تعليماً مجانياً أو بأسعار رمزية، لكن مناهجها تحتوي على مضامين دينية مسيحية ومحتوى يستهدف تشكيك الطلاب في هويتهم الإسلامية. كما تُقدم منح دراسية لاستقطاب الطلاب المتفوقين وتأهيل قيادات مستقبلية موالية.

  1. استغلال المنظمات الدولية الكبرى

تعمل بعض المنظمات الدولية الكبرى ذات الطابع الثقافي والعلمي كقنوات للتنصير الخفي، مثل منظمات التربية والثقافة والعلوم التي تروج للفكر الغربي، ومنظمات الصحة العالمية التي تُستخدم برامجها كواجهة، وجمعيات رعاية الطفولة التي تستهدف الأطفال في مراحل تشكيل الوعي.

  • استهداف المرأة: عبر برامج التمكين والتعليم التي تحمل أجندات خفية
  • استهداف الشباب: عبر المنح الدراسية والبرامج الثقافية
  • استهداف الفقراء: عبر المساعدات المشروطة ضمنياً بالانفتاح على الأفكار التنصيرية
  • استهداف اللاجئين: في معسكرات اللجوء حيث الضعف والحاجة

ثالثاً: الآلة الإعلامية والتكنولوجية

  • القوة الناعمة في خدمة التنصير

تستثمر المنظمات التنصيرية بكثافة في وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة:

  • الإذاعات التنصيرية: تبث أكثر من 1,900 إذاعة تنصيرية برامجها إلى أكثر من 100 دولة بلغات ولهجات متعددة
  • المطبوعات: طُبع أكثر من 22,100 كتاب لأغراض التنصير، و2,270 مجلة ونشرة دورية، توزع بملايين النسخ سنوياً
  • الإعلام الرقمي: استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية للوصول إلى ملايين المسلمين
  • القنوات الفضائية: تبث برامج موجهة بعناية تستهدف الشباب والمرأة بشكل خاص

تُترجم الأناجيل والمواد التنصيرية إلى مئات اللغات واللهجات المحلية، مما يعكس مستوى التخطيط والجهد المنصب على نشر التنصير بين أوساط المسلمين وبقية شعوب العالم.

رابعاً: المصادر التمويلية الضخمة
  • ميزانيات بالمليارات

تُظهر الأرقام الموثقة حجم التمويل الهائل الموجه لأنشطة التنصير:

  • تُقدر التبرعات التي حصل عليها المنصرون في عام واحد بحوالي 151 مليار دولار أمريكي
  • ميزانية مؤتمر كولورادو وحده 1978 بلغت مليار دولار
  • تخصص الكنائس والمنظمات الغربية نصيباً كبيراً من ميزانياتها السنوية للتنصير
  • مصادر التمويل

تتنوع مصادر التمويل بين:

  • الحكومات الغربية: تقدم دعماً مباشراً وغير مباشر
  • المؤسسات الكنسية: من خلال العشور والتبرعات الإلزامية
  • الأفراد والشركات: عبر الهبات والأوقاف والاستثمارات
  • البنوك والمؤسسات المالية: من خلال تمويل المشاريع التنموية ذات البعد التنصيري

خامساً: البهائية والأحمدية: الوجه الآخر للاستهداف

    البهائية

البهائية تمثل نموذجاً آخر لاستهداف الهوية الإسلامية، فهي ليست  مذهباً إسلامياً، بل حركة فكرية دخيلة اخترقت الإسلام من الداخل، واستهدفت عقيدته وشريعته ورموزه، في سياقٍ تاريخي ارتبط بمصالح استعمارية وسياسية، إنها نموذج واضح لمحاولة تفكيك الإسلام لا مجاورته، وهدم ثوابته لا التعايش معها، وهو ما يفسر الرفض القاطع لها في الوعي الإسلامي العام.

لم تكن البهائية مجرد “اختلاف ديني” عابر، بل ظهرت منذ نشأتها كحركة اختراق عقدي منظَّم، استهدفت صلب العقيدة الإسلامية، وسعت لهدم ثوابتها باسم «التجديد» و«وحدة الأديان». فمنذ انبثاقها من رحم البابية ، حملت هذه الحركة بذور الصدام مع الإسلام، لا الحوار معه.

بدأت القصة في إيران في القرن التاسع عشر مع علي محمد الشيرازي الذي لقب نفسه بـ «الباب» و ادعى اتصالاً إلهياً، ثم اكتملت فصولها مع حسين علي النوري «بهاء الله» الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء، فادّعى حلول الله فيه، ونسخ الشريعة الإسلامية، وإلغاء ختم النبوة، في انقلاب صريح على القرآن الكريم وأصول الإيمان.

تقوم البهائية على منظومة فكرية محرفة ، أبرزها:

  • القول بحلول الله في البشر، وهو شرك صريح يناقض التوحيد.
  • إنكار ختم النبوة بمحمد (صلوات الله عليه وعلى آله)، وادعاء استمرار الوحي بعده.
  • نسخ القرآن بكتاب وضعه بشر أسموه «الأقدس».
  • إلغاء اليوم الآخر بمفاهيمه الإسلامية، وإنكار الجنة والنار والملائكة والجن.
  • تأويل القيامة بظهور البهاء، في عبث عقدي خطير.
  • تحويل القبلة من المسجد الحرام إلى قبر البهاء في عكا، في قطيعة رمزية متعمدة مع الإسلام.
  • إبطال الحج إلى مكة واستبداله بالحج إلى عكا حيث قبر مؤسس الحركة، في محاولة لاقتلاع أحد أركان الإسلام.
  • تحريم الجهاد وإلغاء مفهوم الدفاع عن الأمة.
  • تعطيل صلاة الجماعة إلا في الجنائز، بما يضرب وحدة المسلمين.
  • إسقاط أحكام الطهارة والجنابة، بزعم “طهارة المعتقد”.
  • استبدال الزكاة بضريبة مالية، وتحريف مقاصد التكافل.
  • الدعوة إلى أفكار اجتماعية تهدم القيم الأسرية والأخلاقية، تحت عناوين براقة.

    الأحمدية

الأحمدية، هي الأخرى طائفة منحرفة تلتقي في أفكارها مع البهائية نشأت في الهند نهاية القرن التاسع عشر،  على  يد شخص يدعى ” غلام أحمد” كمشروع اختراق عقدي للإسلام و ينسف أساس الدين من داخله، ويحوّل النبوة إلى باب مفتوح لكل مدّعٍ، ويُفرغ الجهاد والعقيدة من معناهما الحقيقي. إنها حركة استبدلت الوحي الإلهي بادعاءات بشرية، وقدّمت الطاعة للاستعمار على حساب ثوابت الإسلام، ولهذا كان رفضها حاسماً في وجدان الأمة وعقيدتها.

من أفكارها المنحرفة : اعتبار غلام أحمد مرجعاً معصوماً، وكتاباته وحياً إلهياً مكمّلاً – عملياً – للقرآن.

تتلقى دعماً لوجستياً ومالياً من منظمات غربية، خاصة في أفريقيا وجنوب آسيا. تُستغل الأحمدية كـ”إسلام معتدل” في الخطاب الغربي، وتُمنح تسهيلات لبناء المساجد ونشر الدعوة في أوروبا وأمريكا، بينما تُصنف في العالم الإسلامي كحركة منحرفة عن صحيح الإسلام.

سادساً: “حماية الأقليات” عنوان دولي لاستهداف الإسلام والمسلمين

في العقود الأخيرة، أصبح عنوان “حماية الأقليات الدينية” شعارًا مركزيًا تتبناه منظمات دولية وحقوقية كبرى لتبرير تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول الإسلامية. تنشط هذه المنظمات في تسليط الضوء الإعلامي والسياسي على حالات أفراد أو جماعات تدين بديانات دخيلة كالبهائية أو الأحمدية، متجاهلة السياق العقدي والاجتماعي لهذه الظواهر. يتجلى هذا المسار بشكل واضح في تعامل المنظمات الغربية مع قضية البهائيين في اليمن، حيث اتخذت من مقاربتها لحقوق الإنسان وحرية المعتقد منطلقًا للضغط المستمر على الحكومة اليمنية من أجل الإفراج عن هؤلاء الأشخاص ومنحهم وضعًا قانونيًا خاصًا.

تستغل هذه المنظمات – عبر تقارير إعلامية وحملات تحشيد حقوقية – أي إجراءات قانونية أو أمنية تُتخذ بحق مجموعات مثل البهائيين في سياق مكافحة الاختراق العقدي أو حماية الوحدة الاجتماعية، لتصطنع صورة “الضحايا المضطهدين”. ومن خلال قنوات الأمم المتحدة والمنصات الحقوقية، تمارس ضغطًا دبلوماسيًا متواصلا للإفراج عن المعتقلين منهم، وتضخيم قضيتهم في الرأي العام العالمي، مما ينتج حالة تعاطف تهيئ الأرضية لاكتساب هذه الديانات شرعية سياسية واجتماعية تدريجية.

هكذا يتحول عنوان “حماية الأقليات” من مهمة حقوقية محايدة إلى أداة استراتيجية تُستخدم لتسهيل اختراق المجتمع الإسلامي وزعزعة ثوابته من الداخل باسم التعددية والتسامح. ويغدو الدعم المستمر للبهائيين في اليمن نموذجًا على استثمار قضايا فردية في سياق مشروع أكبر يستهدف إضعاف الهوية الإسلامية وتزييف مفهوم المواطنة الدينية على أساس دخيل.

سابعاً: حماية الهوية الإسلامية

إن استهداف الهوية الإسلامية لم يعد عملاً عشوائياً أو نشاطاً دعوياً معزولاً، بل مشروعاً مؤسسياً منظماً، تُسخَّر له المنظمات الدولية، والإعلام، والمال، والتعليم، تحت عناوين إنسانية وحقوقية براقة، وفي مواجهة هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى مقاربة شاملة تقوم على :

  1. المرجعية القرآنية: اعتماد القرآن أساسًا لفهم الصراع، والتحذير من موالاة أهل الكتاب، ورفض القراءات البراغماتية والمزاجية.
  2. إسقاط مشروع التطويع: رفض الوصاية السياسية والاقتصادية والثقافية، وكشف حقيقة العداء، ومنع تحويل الأمة إلى أداة تابعة.
  3. الوعي والتعبئة: رفع الوعي بأساليب الاختراق الناعم، وتحصين المجتمع من التضليل الإعلامي والفكري.
  4. فك الارتباط: الانفكاك الفكري والثقافي عن المرجعيات الغربية، والتحول إلى الاعتماد على الذات اقتصاديًا، ورفض التبعية المالية والربوية.
  5. المواجهة الشاملة:
  • سياسيًا: رفض إقصاء الدين، ومواجهة التفكيك والتدخل الأجنبي.
  • اقتصاديًا: الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج وحماية الثروات.
  • تعليميًا وإعلاميًا: بناء تعليم إيماني واعٍ، وكسر الهيمنة الإعلامية.
  • اجتماعيًا: حماية الأسرة والقيم، وتحصين المرأة والشباب من الاستقطاب.
  1. الإعداد والقوة: اعتبار القوة ضرورة، ودعم خيار المقاومة والجهاد للدفاع عن الأمة.
  2. الولاية والانتماء: التمسك بولاية الله ورسوله وأعلام الهدى، ورفض ولاية الأعداء، وتعزيز الهوية الإسلامية الجامعة.
قد يعجبك ايضا