الإمارات من التطبيع إلى داعم وشريك مع الكيان في تفجير الصراعات وتقسيم الدول العربية

ـ صفقة الظل الكبرى: مليارات الإمارات تنقذ الصناعات العسكرية الإسرائيلية وتؤسس لشراكة أمنية غير مسبوقة

ـ السيادة مقابل السلاح: كيف وضعت أبو ظبي سماءها تحت الوصاية التقنية لجيش الاحتلال

 الحقيقة ـ جميل الحاج

في الوقت الذي تتواصل فيه المجازر الإسرائيلية بحق المدنيين في قطاع غزة، وتتسع رقعة الاضطراب في العالم العربي، تتكشف تباعاً خيوط تحالف خفيّ لكنه بالغ التأثير، يجمع بين نظام أبو ظبي وكيان الاحتلال الصهيوني.

تحالف لا يقوم فقط على التطبيع السياسي أو التعاون الاقتصادي، بل يتعداه إلى شراكة عسكرية وأمنية عميقة تمس أخطر التقنيات الحربية وأكثرها حساسية.

فبينما تنشغل الشعوب العربية بآثار الحروب والانقسامات، تعمل غرف القرار في أبوظبي و”تل أبيب” على هندسة مشهد إقليمي جديد، قوامه تمويل السلاح، وتبادل الأدوار، وتقاسم النفوذ، حتى لو كان الثمن هو دماء الأبرياء وتفكيك وتقسيم الدول العربية من الداخل.

 الصفقة الأكبر: مليارات الإمارات في خزائن الصناعات العسكرية الصهيونية

كشفت مصادر استخباراتية وبيانات مالية متقاطعة، خلال الأشهر الماضية، عن واحدة من أخطر صفقات السلاح في تاريخ المنطقة، حيث تبيّن أن الإمارات هي “المشتري الغامض” الذي أبرم مع شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية صفقة عسكرية خيالية بلغت قيمتها نحو 2.3 مليار دولار.

الصفقة، التي تمتد على مدى ثماني سنوات، وُصفت بأنها الأضخم في تاريخ الصناعات العسكرية الإسرائيلية، وتشمل تزويد الإمارات بأنظمة حماية جوية متطورة تعتمد على تقنيات الليزر (DIRCM) المخصصة لحماية الطائرات العسكرية من الصواريخ الموجهة.

هذه الصفقة لا تعني مجرد شراء معدات متقدمة، بل تمثل التزاماً استراتيجياً طويل الأمد، تضع من خلاله أبوظبي جزءاً كبيراً من سيادتها الجوية والأمنية تحت إدارة غير مباشرة لخبراء ومهندسي جيش الاحتلال، في سابقة غير مسبوقة على مستوى الدول العربية.

 طوق نجاة مالي للاحتلال واستثمار سياسي بغطاء عسكري

تأتي هذه الصفقة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لشركة “إلبيت سيستمز”، التي تواجه ضغوطاً دولية متصاعدة وحملات مقاطعة واسعة بسبب تورطها المباشر في تصنيع أسلحة استُخدمت في جرائم حرب ضد المدنيين في فلسطين ولبنان.

وفي الوقت الذي تسعى فيه منظمات حقوقية لإغلاق فروع الشركة وملاحقتها قضائياً في عدة دول، يختار نظام أبوظبي ضخ مليارات الدولارات من أموال الشعب الإماراتي في خزائنها.

ولا يمكن قراءة هذا الدعم باعتباره صفقة تجارية بحتة، بل هو استثمار سياسي واضح في استقرار المجمع الصناعي العسكري الصهيوني، يساهم في خفض كلفة الإنتاج الحربي للاحتلال، ويوفر له السيولة اللازمة لتطوير أجيال جديدة من الأسلحة، ستُوجَّه لاحقاً ضد شعوب عربية وإسلامية.

وبهذا، تنتقل الإمارات من موقع “الدولة المطبِّعة” إلى موقع “الشريك المموِّل” لآلة القتل الإسرائيلية.

 الارتهان التقني: السيادة الجوية تحت الوصاية

على الصعيد الأمني، تكرّس هذه الصفقة واقعاً خطيراً يتمثل في فقدان السيادة الجوية الفعلية. فأنظمة الليزر المتطورة التي تشكل جوهر العقد تعتمد بشكل كامل على الشفرات المصدرية والبرمجيات التي تحتكرها “إلبيت”.

وبموجب العقد طويل الأمد، تصبح القوات الجوية الإماراتية مرتهنة تقنياً لقرار “تل أبيب”، إذ لا يمكن تحديث هذه الأنظمة أو صيانتها أو حتى ضمان فعاليتها دون موافقة تقنية إسرائيلية.

ويحذر خبراء من أن هذا النوع من الارتهان يمنح كيان الاحتلال ما يشبه “مفتاح التشغيل” للطائرات الإماراتية، مع إمكانية تعطيلها أو التأثير على أدائها عبر أبواب خلفية برمجية في حال تعارضت سياسات أبوظبي مع الأجندة الإسرائيلية في أي ملف إقليمي.

والأخطر من ذلك هو شرعنة وجود شركة “Elbit Systems Emirates” داخل الإمارات، ومنحها صلاحيات إشراف ميداني مباشر.

فهؤلاء الفنيون والخبراء، الذين سيعملون داخل القواعد الجوية، لا يؤدون دوراً تقنياً فقط، بل يشكلون عملياً أذرعاً استخباراتية قادرة على جمع بيانات الطيران، ورصد الترددات، والتنصت على شبكات الاتصال العسكرية.

وبذلك، يسلم نظام أبوظبي أسراراً سيادية حساسة لعدو تاريخي عُرف بتجسسه حتى على أقرب حلفائه، ما يجعل الأمن القومي الإماراتي مكشوفاً على مصراعيه أمام أجهزة الاستخبارات الصهيونية.

 دور مشترك في تأجيج الصراعات الإقليمية

يعكس هذا البذخ العسكري حالة من القلق السياسي العميق لدى نظام أبوظبي، الذي يرى في التحالف مع “إسرائيل” مظلة حماية ضد أي ضغوط داخلية أو إقليمية.

فمبلغ 2.3 مليار دولار كان كفيلاً بإطلاق نهضة علمية وصناعية وطنية مستقلة، أو دعم مشاريع عربية مشتركة، إلا أن النظام يفضّل استيراد “الأمن المعلّب” لضمان استمرارية الحكم، حتى لو تحولت البلاد إلى مختبر تجارب للأسلحة الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، سلطت تقارير غربية، بينها موقع “ميدل إيست آي”، الضوء على أن عام 2025 يُعد من أكثر الأعوام عنفاً واضطراباً في التاريخ العربي الحديث، نتيجة سياسات لعبت فيها كل من “إسرائيل” والإمارات دوراً محورياً.

وإلى جانب العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة، أسهم الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، وسياساتها في اليمن وليبيا والصومال، في تعميق حالة الفوضى وعدم الاستقرار.

وقد عملت أبوظبي على توسيع نفوذها عبر دعم كيانات انفصالية وميليشيات مسلحة، وإنشاء قواعد عسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن، في وقت حافظت فيه على تنسيق وثيق مع “تل أبيب”، لم يتأثر حتى بحرب الإبادة على غزة.

 تحالف لا تهزه دماء غزة

رغم المجازر والحصار وقصف المستشفيات، لم يتراجع مستوى التنسيق الإماراتي–الإسرائيلي. فقد أشارت تقارير، منها ما نشرته “نيويورك تايمز”، إلى أن سفارة الاحتلال في أبوظبي كانت السفارة الإسرائيلية الوحيدة التي واصلت عملها بشكل كامل في العالم العربي منذ بدء الحرب على غزة، في مشهد يعكس حجم الاستثناء الإماراتي.

ويرى محللون أن هذا التحالف تجاوز حدود التطبيع التقليدي، ليصبح مشروعاً متكاملاً لإعادة هندسة موازين القوى في المنطقة، وبناء محور نفوذ جديد يتقاطع في ملفات الأمن والطاقة والاستثمار، على حساب القضايا العربية المركزية، وفي مقدمتها فلسطين.

ختاما: تكشف هذه الوقائع أن ما يجري ليس مجرد صفقات سلاح أو علاقات دبلوماسية عابرة، بل تحالف استراتيجي عميق يعيد تشكيل خريطة الصراع في الشرق الأوسط.

تحالف يدفع ثمنه الفلسطينيون أولاً، ثم الشعوب العربية التي تجد نفسها أمام أنظمة تفرّط بالثروات والسيادة، وتضع أمنها القومي في يد عدو تاريخي.

وسيبقى السؤال مفتوحاً: إلى أي مدى يمكن لهذا التحالف أن يستمر في تجاهل إرادة الشعوب، قبل أن يرتدّ على أصحابه ويكشف كلفة الرهان على السلاح والارتهان؟

قد يعجبك ايضا