الإمارات و”إسرائيل”.. تحالف يتقاطع على تفتيت الدول العربية والسيطرة على الممرات الاستراتيجية

ـ من غزة إلى القرن الإفريقي: التداعيات الكارثية للنهج الإماراتي ـ الإسرائيلي على مستقبل المنطقة العربية

ـ سياسة الوكلاء وإدارة الفوضى: كيف أشعلت أبوظبي الصراعات في السودان واليمن وليبيا والصومال

الحقيقة ـ جميل الحاج ـ

لم يعد التطبيع الإماراتي مع الكيان الصهيوني حدثًا دبلوماسيًا معزولًا، بل تحوّل إلى ركيزة بنيوية في سياسة إقليمية توسعية أعادت تشكيل موازين الصراع في المنطقة وأفريقيا.

فمنذ توقيع “اتفاقيات أبراهام” عام 2020، انتقلت أبوظبي من موقع “الفاعل الاقتصادي الناعم” إلى لاعب صلب يستخدم المال، والتحالفات بالوكالة، والتدخل غير المباشر، لإعادة رسم خرائط النفوذ بما يتقاطع بوضوح مع الرؤية الإسرائيلية القائمة على تفكيك الدول العربية وإضعافها.

تقارير أممية، وتحقيقات صحفية غربية، ومواقع تحليلية دولية، أكدت أن السياسة الخارجية الإماراتية لم تعد تسهم في احتواء الأزمات، بل باتت عاملًا رئيسيًا في إشعال الحروب وتعقيد النزاعات، من السودان واليمن، إلى ليبيا والصومال، وصولًا إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

من الدبلوماسية الناعمة إلى “إدارة الفوضى”

أبرز موقع المونيتور الدولي أن أبوظبي تعتمد نموذجًا متداخل الأدوات، من دعم مالي كثيف، وتدخل عسكري غير مباشر، وتدريب وتسليح قوى محلية، وتوظيف الاستثمارات الكبرى كرافعة سياسية.

هذا المزيج مكّن الإمارات من توسيع نفوذها بسرعة، لكنه بحسب خبراء أمميين ومسؤولين غربيين، فتح الباب أمام اتهامات بتغذية النزاعات بدل احتوائها، وتعزيز أنماط حكم سلطوية على حساب الاستقرار طويل الأمد.

هذا النهج يقوم على منطق صفري: من ليس حليفًا فهو تهديد، وبهذا، تحوّلت الدول العربية الهشة إلى ساحات اختبار تُستبدل فيها التسويات السياسية بميليشيات محلية تدين بالولاء للممول، لا للدولة الوطنية.

2025: عام الانفجار الإقليمي

سلّط موقع ميدل إيست آي الضوء على أن عام 2025 كان من أكثر الأعوام عنفًا واضطرابًا في التاريخ العربي الحديث، مشيرًا إلى دور دولتين في تأجيج الصراعات: “إسرائيل” والإمارات.

ففي الوقت الذي هيمنت فيه حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة على المشهد، أسهم الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، وسياساتها في اليمن وليبيا والصومال، في تعميق عدم الاستقرار والعنف.

وبحسب الموقع، تسعى الدولتان إلى توسيع نفوذهما عبر تفتيت الدول العربية، مستفيدتين من النزاعات الداخلية لترسيخ أدوات السيطرة، بما يخدم رؤية “إسرائيل الكبرى” ويؤمّن محيطها الاستراتيجي.

السودان: النموذج الأكثر دموية

يُعد السودان المثال الأوضح على كلفة التدخل الإماراتي، فمراقبو عقوبات أمميون تحدثوا عن اتهامات ذات مصداقية بدعم أبوظبي لقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، المتهمة بارتكاب فظائع قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

تفضيل منطق “الميليشيا كقوة موازنة” على دعم التحول المدني أدى إلى انفجار حرب أبريل 2023، التي دمّرت مؤسسات الدولة، وأوقعت أكثر من 150 ألف قتيل، وشرّدت ملايين المدنيين.

ورغم النفي الإماراتي، فإن تقاطع الأدلة اللوجستية والسياسية جعل أبوظبي في قلب مأساة إنسانية غير مسبوقة.

اليمن: التفكيك بوصفه أداة نفوذ

في اليمن، كشفت الوقائع أن إعلان الإمارات “الانسحاب” عام 2019 لم يكن سوى خديعة تكتيكية، فقد أبقت أبوظبي يدها الثقيلة عبر ما يسمي بـ “المجلس الانتقالي الجنوبي”، كيان انفصالي صُنع ودُرّب ومُوّل ليكون ذراعها في فصل الجنوب اليمني والسيطرة الممرات البحرية.

هذا الدعم أعاد تشكيل ميزان القوى أدت إلى صدامات حتى مع قوات مدعومة من السعودية.

ليبيا: إطالة الحرب بدل بناء الدولة

في ليبيا، كان الدعم الإماراتي لخليفة حفتر، خاصة خلال هجومه على طرابلس عام 2019، سببًا رئيسيًا في إطالة أمد الحرب وخرق حظر السلاح الأممي. الهدف لم يكن بناء دولة، بل كسر خصوم أيديولوجيين. أما النتيجة فكانت دولة منقسمة، وسلاح بلا أفق، وتسوية مؤجلة.

الصومال وصومالاند: اختبار التفكيك

في القرن الإفريقي، تجاوزت الإمارات الحكومة المركزية في مقديشو، وأقامت علاقات متقدمة مع “أرض الصومال” (صومالاند)، مستخدمة ميناء بربرة كموطئ قدم استراتيجي.

وجاء الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم ليكشف ما كان يُدار خلف الكواليس: تنسيق إماراتي–إسرائيلي لإعادة رسم خرائط النفوذ.

هذا الاعتراف لا يبدو نهاية المسار، بل تجربة اختبار قابلة للتكرار في مناطق أخرى تخضع لسيطرة كيانات مدعومة من أبوظبي، سواء في اليمن أو السودان، ما ينذر بعسكرة البحر الأحمر وتحويله إلى ساحة صراع مفتوحة.

التقاطع مع المشروع الإسرائيلي

تقوم السياسة الإسرائيلية على مبدأ “فرّق تسد”، مدفوعة برؤية “إسرائيل الكبرى”.

وخلال عامي 2024–2025، نفذت “تل أبيب” عملية تدمير شامل لغزة، وسرّعت الاستيطان في الضفة، ووسّعت اعتداءاتها في لبنان وسوريا واليمن وقطر.

في هذا السياق، لم يكن التطبيع الإماراتي حياديًا، بل شكّل منصة اصطفاف عدواني، وتنسيق أمني واستخباراتي، توافق في ملفات السودان واليمن والقرن الإفريقي، واستمرار العلاقات رغم حرب الإبادة، مع الاكتفاء بانتقادات شكلية، ما عمّق الفجوة مع المزاج الشعبي العربي.

إلى أين يتجه الإقليم؟

إن ما تشهده الساحات العربية ليس نتاج إخفاقات داخلية فقط، بل نتيجة هندسة إقليمية متعمدة تقودها “إسرائيل” وتلعب فيها الإمارات دور الأداة التنفيذية.

سياسة “الوكلاء” قد تحقق نفوذًا سريعًا، لكنها لا تبني استقرارًا، بل تراكم الكراهية وتُشعل صراعات مؤجلة.

ومع دخول عام 2026، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل ستنجح الدول العربية في كبح هذا المسار، واستعادة مفهوم الدولة الوطنية المستقلة؟

أم سيُسمح لمشروع التفكيك بمواصلة تمزيق المنطقة خدمةً لأجندات الهيمنة الإسرائيلية والأمريكية؟

الوحدة الوطنية، ووقف التدخلات الخارجية، لم تعد خيارات سياسية، بل شروط بقاء.

قد يعجبك ايضا