التاريخ الدموي للاستعمار البريطاني في الصومال وتقاسم المنطقة بين دول أوربية
التاريخ الدموي للاستعمار البريطاني في الصومال: التقسيم، المقاومة، والجراح المفتوحة
الحقيقة ـ جميل الحاج ـ
في منتصف القرن التاسع عشر، بدأت دول أوروبا الكبرى بالتنافس على المناطق الاستراتيجية في أفريقيا، بعد فتح قناة السويس عام 1869 والتي جعلت ممرات البحر الأحمر والخليج العربي ممراً حيوياً للإمبراطورية البريطانية، خاصةً لربط بريطانيا بمستعمراتها في الهند والأقاليم الآسيوية. في هذا الإطار، اتجهت بريطانيا إلى ساحل الصومال شمال خليج عدن لضمان أمن خطوطها الملاحية، وأعلنت تدريجيًا عن محميّة بريطانية في شمال الصومال بعد توقيع معاهدات مع أعيان القبائل المحلية في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، وأصبحت مدينة بربرة مركزاً لهذه الحماية الاستعمارية.
بالوقت نفسه، دخلت دول استعمارية أخرى على خط التنافس:
إيطاليا استولت على المناطق الجنوبية الشرقية من الصومال، وأسست “الصومال الإيطالي”.
فرنسا سيطرت على إقليم جيبوتي على الساحل الجنوبي للبحر الأحمر، المعروف لاحقاً بـ “الصومال الفرنسي”.
إثيوبيا، بدعم من الاتفاقيات مع البريطانيين، ضمت مناطق أوسع تاريخيًا ذات أغلبية صومالية مثل منطقة الأوغادين داخل حدودها الحالية.
وهكذا تحوّل ما كان يعرف بـ الصومال الكبير، الذي يضم كل الأراضي المتصلة التي يسكنها الصوماليون، إلى رقعة مقسمة بين أربع قوى: بريطانيا في الشمال، إيطاليا في الجنوب، فرنسا في جيبوتي، وإثيوبيا داخل الأراضي التي ضمتها.
أسّست بريطانيا المحمية البريطانية في أرض الصومال ببداية التسعينيات من القرن التاسع عشر، وكان هدفها الأساسي حماية طرق الملاحة في البحر الأحمر والسيطرة على سواحل القرن الإفريقي الحيوية.
وقد بقيت هذه الحماية تحت إدارة بريطانية مباشرة حتى عام 1960، وكان مركز إدارتها يرتبط في البداية بالحامية البريطانية في عدن، ثم أدارتها لاحقاً وزارة الخارجية البريطانية ثم مكتب المستعمرات.
شهدت المحمية البريطانية مقاومة شرسة من شعوب بدو الصومال، لعل أبرزها حركة الدراويش بقيادة الإمام محمد عبد الله حسن، والتي خاضت حرب عصابات طويلة ضد الاستعمار البريطاني من حوالي 1899 حتى 1920، وأجبرت القوات البريطانية على التراجع إلى المناطق الساحلية مرات عديدة، قبل أن يتم القضاء على الحركة أخيرًا في هجوم بريطاني جوي واسع عام 1920.
علاوة على ذلك، ضمنت بريطانيا تحالفات مع بعض القبائل المحلية أو استخدام القوى الإثيوبية لكبح المقاومة، وهو ما ساعدها في تثبيت سيطرتها على المناطق الساحلية رغم المقاومة الصومالية المتواصلة.
في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبعد اتفاقيات متعددة بين القوى الأوروبية، تم تقسيم الصومال إلى ما عرف لاحقًا بـ:
الصومال البريطاني في الشمال (جزء كبير من ساحل البحر الأحمر وخليج عدن).
الصومال الإيطالي في الجنوب والشرق.
جيبوتي الفرنسي في الجنوب الغربي.
كما تم تسليم أجزاء من الأراضي الصومالية داخل حدود إثيوبيا، مثل منطقة الأوغادين، وذلك بعد اتفاقيات بين بريطانيا وإثيوبيا في أواخر القرن التاسع عشر، وهي المنطقة التي لا يزال التوتر حولها قائمًا حتى اليوم بين إثيوبيا والصومال بسبب النزاع الحدودي.
بالإضافة إلى ذلك، ضمّ البريطانيون جزءاً من شمال الأراضي الصومالية إلى كينيا أثناء مرحلة الاستعمار هناك، وهي منطقة تُعرف بالحدود الشمالية، ما مثّل تجزيئاً إضافياً لإقليم الصومال.
كانت هذه التقسيمة مدفوعة بالمنطق الاستعماري التقليدي الذي لم يأخذ بعين الاعتبار الانتماءات العرقية والقبلية والثقافية للشعوب الأصلية، بل كان يسعى إلى ضمان مصالح القوى الاستعمارية في السيطرة على الموانئ والممرات الاستراتيجية.
بعد الحرب العالمية الثانية، ومع سقوط إمبراطوريات أوروبا وتنامي حركات التحرر في أفريقيا، واجهت بريطانيا وإيطاليا ضغوطاً لإنهاء سيطرتهما الاستعمارية. في 1949–1950، أدارت بريطانيا شطري الصومال (البريطاني والإيطالي) مؤقتاً قبل تسليمهما كأراضٍ تحت وصاية الأمم المتحدة لإيطاليا.
ثم في 1960، نال كل من الصومال البريطاني والصومال الإيطالي استقلالهما وقررا الاتحاد لتأسيس الجمهورية الصومالية الحديثة، لكن الحدود الاستعمارية التي ترسّخت على مدى عقود جعلت الوحدة أمراً هشاً بسبب اختلاف التجارب الإدارية والاقتصادية بين شمال الصومال وجنوبه.
نتائج فترة الاستعمار البريطاني والتقسيم الاستعماري للصومال ما تزال تؤثر بشكل كبير على واقع البلاد:
النزاعات الحدودية مع إثيوبيا حول منطقة الأوغادين.
المطالبات الانفصالية في شمال الصومال من قبل حركة “أرض الصومال” التي تستند إلى حدود المحمية البريطانية كقاعدة تاريخية لحق تقرير المصير.
استمرار الانقسامات الداخلية بين شمال وجنوب الصومال، والتي ساعدت في اندلاع الحروب الأهلية بعد سقوط الدولة المركزية في عام 1991.
هذه التداعيات تظهر أن الاستعمار لم يكن فقط فترة احتلال عسكرية، بل محطة تركت ترسيمات جيوسياسية معقدة ما زالت تحدد تطور الصومال حتى اليوم.