التكنولوجيا الإيرانية الجديدة تُربك حسابات الاعتراض الإسرائيلية وتوسع دائرة الدمار

اختراق “الدرع الحصين”: الصواريخ الانشطارية الإيرانية وتحدي الانشطار الدفاعي

الحقيقة ـ جميل الحاج

في ظل التصعيد العسكري المتسارع في المنطقة، انتقلت المواجهة بين إيران وأمريكا وكيان الاحتلال الإسرائيلي إلى مرحلة “التصعيد النوعي”، حيث لم يعد الصراع محصوراً في كمية الرؤوس المتفجرة، بل في تكنولوجيا “الرؤوس الانشطارية” (العنقودية).

تبرز هذه الصواريخ اليوم كأحد أخطر التحديات التي تواجه منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأمريكية، ليس فقط لقدرتها التدميرية الواسعة، بل لنجاحها في إحداث شرخ عميق في السردية الإسرائيلية حول “الاعتراض الكامل”.

من خلال هذا التقرير نسلط الضوء على الخصائص الفنية لهذه الأسلحة، والنتائج الميدانية لاختراقها العمق الإسرائيلي، وتداعيات ذلك على العقيدة الدفاعية للاحتلال.

تشريح التهديد.. كيف تعمل الصواريخ الانشطارية؟

تختلف الصواريخ الانشطارية جذرياً عن الصواريخ البالستية التقليدية ذات الرأس الحربي الواحد.. فهي تحمل داخل رأسها الحربي “حمولة أم” تتكون من عشرات القذائف الصغيرة (Submunitions).

آلية الانتشار: تنفصل هذه القذائف عن الصاروخ الأم في مرحلة محددة من مساره (غالباً في طبقات الجو العليا على ارتفاع يصل إلى 7 كيلومترات).

التغطية الجغرافية: بمجرد الانفصال، تنقسم الكتلة الصاروخية إلى نحو 30 جسماً صغيراً، تنتشر لتغطي مساحة واسعة قد يصل قطرها إلى 10 كيلومترات.

القدرة التدميرية: تحمل كل شظية شحنة متفجرة تتراوح بين 2 إلى 7 كيلوغرامات من المواد شديدة الانفجار.

ورغم صغر حجم القنبلة الواحدة، إلا أن سرعتها العالية وقدرتها على اختراق التحصينات (مثل أسقف الأقبية) تجعل تأثيرها فتاكاً وموزعاً.

معضلة “الاعتراض” وفشل المنظومات الدفاعية

تشير التقارير، لاسيما ما نشرته صحيفة “معاريف”، إلى أن منظومات مثل “القبة الحديدية” و”مقلاع داوود” واجهت “تحدياً غير مسبوق”.

وتكمن المشكلة التقنية في أن هذه الأنظمة صُممت لتتبع أهدافاً ذات مسار بالستي واضح ونقطة سقوط محددة.

عندما ينشطر الصاروخ إلى عشرات الأهداف الصغيرة والمستقلة، تضطرب الرادارات في تحديد الأولويات؛ إذ إن اعتراض “الصاروخ الحامل” لا يعني تحييد الخطر إذا كانت القذائف الفرعية قد بدأت بالانتشار بالفعل. هذا التشتت يؤدي إلى:

الإخفاق الموضعي: سقوط صواريخ دون إنذار مسبق كما حدث في وسط “إسرائيل”.

الاستنزاف: إجبار المنظومات الدفاعية على إطلاق عدد هائل من الصواريخ الاعتراضية لملاحقة أجسام صغيرة، مما يرفع الكلفة الاقتصادية والعسكرية.

الواقع الميداني.. لغة الأرقام والاختراقات

كشفت المعطيات الميدانية عن أرقام صادمة تعكس حجم الفجوة في جدار الدفاع الجوي:

أطلقت إيران نحو 250 صاروخاً باليستياً في الجولات الأخيرة، شكلت الصواريخ ذات الرؤوس المتشظية نصفها تقريباً (نحو 125 صاروخاً).

ورصدت المصادر قيام صاروخ واحد بإصابة 5 مواقع مختلفة في آن واحد، كما حدث في منطقة “رامات غان”، حيث أحدثت القنابل دماراً في أفنية المنازل وهياكل المباني القديمة.

صراع السرديات.. “شظايا الاعتراض” مقابل “القنابل العنقودية”

يحاول خطاب الاحتلال الرسمي التقليل من شأن هذه الهجمات عبر الترويج لفكرة أن الأضرار ناتجة عن “شظايا صواريخ اعتراضية”، إلا أن التقارير الميدانية من صحف مثل “هآرتس” و”يديعوت أحرونوت” تفند هذه الادعاءات:

ـ التزامن الجغرافي: وقوع إصابات في مواقع متباعدة في نفس اللحظة يؤكد خاصية “الذخيرة العنقودية” وليس الشظايا العشوائية.

ـ طبيعة الضرر: الثقوب العميقة في الأرض واختراق الأسقف المحصنة لا ينتج عن شظايا معدنية باردة ناتجة عن انفجار في الجو، بل عن رؤوس حربية نشطة انفجرت عند الاصطدام.

هذا التباين يكشف عن أزمة ثقة داخل الجبهة الداخلية الإسرائيلية، حيث أقر معهد أبحاث الأمن القومي (INSS) بأن الدفاعات عجزت عن صد مئات القذائف، مؤكداً وصول نحو 320 صاروخاً و500 مسيرة إلى أهدافها خلال موجات الهجوم المتعاقبة.

التداعيات النفسية والسياسية على الجبهة الداخلية

يعيش المغتصبين الإسرائيليين حالة من الانكشاف الأمني؛ حيث كشف نقاش في الكنيست أن 3.2 ملايين إسرائيلي يعيشون بلا حماية أو تحصين معياري تحت النار.

تتضاعف هذه الخطورة مع استخدام الرؤوس العنقودية التي تزيد من “مساحة القتل”.

وبدلاً من إخلاء نقطة سقوط واحدة، يصبح لزاماً تأمين مساحات شاسعة، مما يربك تعليمات الجبهة الداخلية ويزيد من الضغط النفسي على السكان.

كما أن الانتقادات المتزايدة لأداء منظومات الإنذار تعكس فشلاً في ملاحقة التطور التكنولوجي للهجمات الإيرانية التي تتكامل أحياناً مع هجمات حزب الله بالمسيرات والصواريخ المضادة للدروع.

الاستنتاجات.. تحول في قواعد الاشتباك

يمثل دخول الصواريخ الانشطارية على خط المواجهة تحولاً استراتيجياً يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

ـ تجاوز التفوق الجوي: أثبتت هذه الصواريخ أن التفوق التقني في الرادارات والاعتراض يمكن الالتفاف عليه بوسائل تعتمد على “الكثافة والتشتيت”.

ـ الأثر التراكمي: إن سقوط “نصف الصواريخ” كرؤوس انشطارية يعني أن كل هجوم يحمل في طياته آلاف القنابل الصغيرة، مما يجعل فكرة “الحياة الطبيعية” تحت الحرب مستحيلة.

ـ تفكيك أسطورة الدرع: إن اعتراف الأوساط الأمنية الإسرائيلية بالثمن الباطل وبالأضرار الملموسة يضعف صورة “الردع” التي حاول الكيان تسويقها لعقود.

ختاماً: إن الصواريخ الانشطارية الإيرانية لم تكن مجرد إضافة للترسانة العسكرية، بل كانت “أداة لتمزيق اليقين” الدفاعي الإسرائيلي، وببقاء ملايين المستوطنين دون حماية حقيقية أمام هذه التقنية المنشطرة، تبرز حاجة الكيان الصهيوني لمراجعة كاملة لمنظوماته، وهو أمر قد يستغرق سنوات لن تمنحه إياها وتيرة المواجهة الحالية.. لقد أصبحت “الشظايا القاتلة” حقيقة ميدانية تفرض نفسها فوق كل محاولات التعتيم الإعلامي.

قد يعجبك ايضا