الحديدة بين تصفية “أونمها” وجاهزية الأمن: صنعاء ترسم معادلة السيادة أو المواجهة
الحقيقة ـ جميل الحاج
في لحظة سياسية وعسكرية فارقة، يمر بها الملف اليمني، تبرز محافظة الحديدة الساحلية كبؤرة للصراع ومنطلقاً لمعادلات الردع الإقليمية.
ومع إعلان مجلس الأمن الدولي تمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) لشهرين إضافيين فقط كفترة “تصفية نهائية”، لم تنتظر صنعاء طويلاً لترسل ردها باللغة التي تتقنها في ظل التصعيد: لغة الميدان. فالعرض العسكري الذي نفذته التشكيلات الأمنية في قلب المدينة ليس مجرد استعراض للقوة، بل هو وثيقة سياسية وعسكرية موجهة للداخل والخارج، مفادها أن الحديدة التي أريد لها أن تُسحب من تحت الغطاء الأممي لتُغرق في الفوضى، باتت اليوم أكثر تحصيناً وجهوزية لمواجهة أي مقامرة عسكرية قد يُقدم عليها “التحالف” أو منافقيه في الداخل.
جاء تصويت مجلس الأمن الدولي على القرار البريطاني القاضي بتمديد ولاية البعثة الأممية حتى 31 مارس 2026 تمهيداً لتصفيتها في الأول من أبريل، ليعلن عملياً نهاية حقبة “اتفاق ستوكهولم” الذي صمد شكلياً لسنوات.
دلالات التمديد القصير: إن تحديد شهرين فقط يهدف بوضوح إلى تأمين “انسحاب منظم” للموظفين الأمميين، وهو ما تقرأه القيادة في صنعاء بوصفه “إخلاء للساحة” من الوجود السياسي الدولي.
الانقسام الدولي: تأييد 13 عضواً مقابل امتناع روسيا والصين يعكس هوة الخلاف؛ فبينما تدفع واشنطن ولندن نحو إنهاء المهمة، ترى موسكو وبكين في ذلك مخاطرة بانهيار التهدئة الهشة، وفتح الباب أمام صراعات أوسع لا تُعرف عواقبها في ممر الملاحة الدولي.
تعتبر القيادة في صنعاء أن “أصابع لندن وواشنطن” هي المحرك الأساسي لقرار التصفية. والتحليل السائد في دوائر القرار السياسي اليمني يشير إلى أن الهدف ليس تقليص النفقات الأممية، بل “رفع الغطاء الدولي عن الحديدة”.
وترى صنعاء أن هذا التحرك يأتي رداً على موقفها المساند لغزة في البحر الأحمر، حيث تسعى القوى الغربية إلى استعادة “حرية الحركة العسكرية” في الساحل الغربي دون قيود رقابية أممية.
بالنسبة لصنعاء، البعثة وإن كانت “منحازة وعاجزة” في ملف الخروقات ورفع الحصار عن الميناء، إلا أن وجودها كان يشكل حاجزاً بروتوكولياً يمنع الانزلاق الكامل نحو حرب شاملة في الحديدة.
اليوم، ومع قرار التصفية، ترى صنعاء أن “اتفاق الحديدة” قد أُلغي رسمياً من طرف واحد، مما يسقط أي التزامات سابقة ويُعيد الجبهات إلى “وضع الاستعداد القتالي المفتوح”.
جاء العرض العسكري للتشكيلات الأمنية في مدينة الحديدة صبيحة السبت ليكون الرد المباشر والأولي على قرار مجلس الأمن. ومن خلال تفاصيل العرض، يمكن قراءة الرسائل التالية:
ـ رسالة للتحالف و”المنافقين”: إن الرهان على غياب الرقابة الأممية لشن هجوم خاطف على المدينة أو الموانئ هو رهان خاسر.
العرض الذي شاركت فيه وحدات نوعية وآليات أمنية متطورة أظهر أن الأجهزة الأمنية في الساحل ليست في حالة استرخاء، بل في أعلى درجات الجاهزية القتالية والروح المعنوية.
ـ الحديدة “خط أحمر”: التواجد الكثيف للوحدات والمهارات الميدانية التي استُعرضت، تؤكد أن أي محاولة لتغيير خارطة السيطرة الميدانية ستُقابل برد حازم وحاسم.
صنعاء تقول بوضوح: “من يحلم بالعودة إلى الحديدة عسكرياً عليه أن يستعد لحرب استنزاف لا تنتهي”.
ـ الرد على التهديد بـ”التدويل”: العرض يثبت أن الأمن في الحديدة يمني خالص، وأن رحيل البعثة الأممية لن يخلق فراغاً أمنياً، بل سيملأه المقاتلون اليمنيون بفرض سيادتهم الكاملة دون مواربة.
مع اقتراب موعد تصفية البعثة في أبريل 2026، وضعت القوات المسلحة اليمنية نفسها في حالة تأهب قصوى. ويمكن حصر السيناريوهات القادمة في محورين:
ـ السيناريو الأول: انفجار الجبهة: وهو ما تخشاه القوى الدولية العقلانية، حيث يرى البعض أن الطرف الآخر (التحالف العدوات ومنافقية) قد يفسر غياب “أونمها” كضوء أخضر للزحف نحو الميناء، مما سيؤدي إلى اشتعال جبهة الساحل الغربي بكامل طاقتها، وهو ما سيؤثر مباشرة على الملاحة في البحر الأحمر.
ـ السيناريو الثاني: فرض سيادة الأمر الواقع: أن تنجح صنعاء عبر استعراضات القوة والردع الاستراتيجي في إفهام الخصوم أن تكلفة العدوان والحرب في الحديدة باهظة جداً، مما يجبرهم على القبول بالواقع الجديد دون وجود أممي.
إن القراءة المتأنية لمجمل المشهد توضح أن “تصفية” البعثة الأممية هي محاولة للي ذراع صنعاء سياسياً وعسكرياً، لكن الرد القادم من ساحة العروض بالحديدة يؤكد أن هذه الضغوط لم تزد الجانب اليمني إلا إصراراً على تثبيت معادلاته الخاصة.
الرسالة النهائية لتحالف العدوان ومجلس الأمن واضحة: الحديدة لم تكن يوماً رهينة للقرار الأممي، بل هي محروسة بإرادة مقاتليها وجاهزية أجهزتها الأمنية.
ومع رحيل آخر موظف أممي في 31 مارس، ستبدأ مرحلة جديدة من المواجهة تكون فيها الكلمة الفصل للميدان، وتحت قاعدة ذهبية واحدة: “أمن الحديدة من أمن اليمن، وأي تجاوز للخطوط الحمراء سيفتح أبواب الجحيم التي لن تغلقها قرارات مجلس الأمن”.